الدولة اللبنانية التي ظهرت الى الوجود بحدودها الحالية في سنة 1920 لم تكن دولة شمولية على الاطلاق، بل ورثت من الانتداب الفرنسي الدستور والبرلمان وبعض المؤسسات الديموقراطية. واستمرت هذه الحال على ما هي عليه في الحقبة التي أعقبت الاستقلال في سنة ,1943 فنجا المجتمع اللبناني من أهوال الأنظمة الشمولية، بينما رزح تحتها العديد من شعوب البلدان العربية. ولعل انحسار سطوة الدولة في لبنان الحديث، وعدم تدخلها، ولو جزئياً، في أمور الرأي والفكر والثقافة، كان لهما الأثر الايجابي في اطلاق الامكانات الابداعية في المجتمع اللبناني. وفي هذا المناخ الحر تقريباً بدأت دور النشر تظهر في لبنان كحرف عائلية مع ولادته في سنة ,1920 لكنها تطورت، فعلياً، بعد الاستقلال، أي منذ سنة 1943 فصاعداً الى شبه مؤسسات. ولا ريب في أن حركة النشر بدأت مع الكتاب المدرسي والجامعي، ولا سيما حينما استقلت معظم البلدان العربية في أربعينيات القرن العشرين، وبرزت الحاجة الى كتب التعليم. ومع تطور التعليم في لبنان وفي العالم العربي ظهرت مكتبات متخصصة في هذا الحقل أمثال مكتبة لبنان (1942) و دار العلم للملايين (1944) و دار الكتاب اللبناني (1952) و دار مكتبة الحياة (1953) وغيرها، وخرجت من مطابعه قواميس كثيرة ومعاجم علمية مختلفة مثل قاموس المورد (منير البعلبكي) وقاموس المنهل (جبور عبد النور وسهيل ادريس) وقاموس المغني (حسن سعيد الكرمي) وغير ذلك الكثير. وقد أسهمت دور النشر اللبنانية إسهاماً فائق الأهمية في حركة الترجمة وفي نشر روائع الأدب العالمي، وفي تأسيس صلة ثقافية بين المثقفين في لبنان والأدب العالمي. وحينما أقام النادي الثقافي العربي في الوست هول في الجامعة الأميركية سنة 1956 أول معرض للكتاب في لبنان والعالم العربي، كان يؤسس، بالفعل، صلة ثقافية إضافية بين القارئ والمثقف والناشر معاً. الثقافة والازدهار في لبنان بدأ الازدهار العمراني اللبناني غداة النكبة الفلسطينية في سنة .1948 أما العصر الذهبي لدور النشر اللبنانية فقد بدأ في ستينيات القرن العشرين بعدما تحولت بيروت الى ملجأ للمثقفين العرب ورجال السياسة المنفيين اليها. لم يكن لبنان في ثلاثينيات القرن العشرين ليختلف كثيراً عن الدول العربية المحيطة به مثل سوريا او فلسطين، بل ان فلسطين كانت أكثر ازدهاراً منه بأشواط. فلبنان، في تلك الفترة، كان عبارة عن مجموعة متناثرة من القرى الجبلية الجميلة، والمدينة الوحيدة المزدهرة فيه كانت بيروت، وذلك بفضل مينائها الذي أوقف خدماته التجارية على دمشق والدول العربية الأخرى، وبفضل النشاط التعليمي للإرساليات التبشيرية الغربية. ولم يبدأ الازدهار اللبناني فعلاً إلا بعد نكبة فلسطين في سنة .1948 ففي هذه السنة تدفق على لبنان أكثر من مئة ألف فلسطيني حملوا معهم نحو 150 مليون جنيه استرليني مرة واحدة (ما يعادل 15 مليار دولار بأسعار اليوم). وأطلق هذا التدفق فورة اقتصادية شديدة التأثير. فاليد العاملة الفلسطينية المدربة أسهمت في تنمية السهول الساحلية اللبنانية، والرأسمال النقدي أشاع حالة من النشاط الاستثماري الواسع. وكان لقفل ميناء حيفا ومطار اللد شأن مهم في ازدهار ميناء بيروت وفي الشروع في انشاء مطار بيروت الدولي بعدما كان مطاراً صغيراً في منطقة بئر حسن. وفي عامي 1957 و1958 استقبل لبنان آلاف السوريين الذين انتقلوا بأموالهم الى مصارف بيروت هرباً من الاضطرابات السياسية وللحيلولة دون تأميمها في سوريا؛ فكانت القفزة الثانية في الازدهار. وفي مطلع ستينيات القرن العشرين راحت أموال النفط تغرق المصارف اللبنانية، فكانت القفزة الثالثة. ولاحقا أنعشت نفقات م.ت.ف. الاقتصاد اللبناني في بعض قطاعاته، ولا سيما قطاعات التجارة والعقارات والمصارف والطباعة وتجارة الورق... الخ. في موازاة هذا الازدهار العمراني انتعشت دور النشر اللبنانية انتعاشاً كبيراً، ولا سيما في ستينيات القرن العشرين فصاعداً. وكانت ذروة الانتعاش في عقد السبعينيات، حينما جرى تأسيس العشرات من دور النشر العربية في لبنان. وهذه الحيوية إنما كانت تعكس الاتجاهات المختلفة للحياة الثقافية والسياسية في العالم العربي. فظهور الحركة القومية العربية (البعث والناصرية) ثم صعود اليسار، ثم انبثاق المقاومة الفلسطينية وأفكار الكفاح المسلح، أدى، ذلك كله، الى تدشين مرحلة السجال الفكري والنقدي في العالم العربي. وهذه المشاريع السياسية الكبرى حملت معها أفكاراً شديدة الجاذبية. وكانت الصحافة ودور النشر هي الميدان الطبيعي لنشر هذه الأفكار وللترويج لها في آن واحد. وفي معمعان هذه المساجلات الفكرية والسياسية والعقيدية انبثقت حركة التجديد في الشعر العربي المعاصر في بيروت بالتحديد، فظهرت مجلة شعر على أيدي مجموعة من الشعراء السوريين المهاجرين الى لبنان هم: يوسف الخال وأدونيس ومحمد الماغوط ونذير العظمة وفؤاد رفقة وكمال خير بك ورياض نجيب الريس علاوة على أنسي الحاج وشوقي أبو شقرا وعصام محفوظ. ثم أصدر توفيق صايغ، وهو فلسطيني من أصل سوري، مجلة حوار لتحتل مكانة مهمة في حركة تجديد الشعر العربي المعاصر. ولعبت مجلة الآداب التي أصدرها اللبناني سهيل ادريس دوراً مهماً في المساجلات النقدية في لبنان. وفي هذا المناخ الحيوي والتجديدي صارت بيروت مثل روما بعد سقوط القسطنطينية، أي مدينة كوزموبوليتية ازدحمت فيها أسماء كبار مثقفي العالم العربي ومبدعيه. فمن السوريين: قسطنطين زريق وادمون رباط ونزار قباني وعمر أبو ريشة وغادة السمان وصادق جلال العظم وخالدة سعيد وجورج طرابيشي ورفيق خوري وبطرس ديب وعبد الله المشنوق ومنير بشور وجميل صليبا وقدري قلعجي وجبرائيل جبور وحليم بركات ويوسف إيبش وغيرهم كثيرون، ومن الفلسطينيين: وليد الخالدي ومحمد يوسف نجم واحسان عباس ونقولا زيادة وبرهان الدجاني وزين نور الدين زين ونبيل خوري وأحمد شفيق الخطيب والياس صنبر وصلاح الدباغ وفايز صايغ ويوسف صايغ وأنيس صايغ وغيرهم كثيرون أيضاً. في هذا الفضاء الحر من الإبداع باتت بيروت مرصودة للمشاريع الفكرية الكبرى، فظهرت فيها موسوعة الفلسفة وموسوعة تاريخ الفن و موسوعة السياسة و الموسوعة العسكرية وهذه الموسوعات الأربع أصدرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر. وكذلك ظهرت الموسوعة الفلسطينية ، فضلاً عن عشرات المعاجم المتخصصة. وكان من الصعب جداً أن تظهر مؤسسات البحث العلمي في أي مكان آخر في العالم العربي بالصورة التي ظهرت بها في بيروت، حيث أُنشئت، على سبيل المثال، مؤسسة الدراسات الفلسطينية (1963) ومركز الأبحاث الفلسطيني (1966) ومركز التخطيط الفلسطيني (1969) ومركز دراسات الوحدة العربية (1976) ومعهد الانماء العربي (1977). واللافت ان هذه المراكز نشرت كوكبة من المجلات الشهرية والفصلية التي اعتُبرت الأكثر رقياً وتأثيراً في لبنان طيلة حقبة الستينيات من القرن العشرين وما بعدها، وشكلت إضافة نوعية إلى المجلات اللبنانية الأخرى أمثال الطريق و الثقافة الوطنية و الآداب و دراسات عربية وغيرها. وهذه المجلات هي: شؤون فلسطينية و مجلة الدراسات الفلسطينية و المستقبل العربي و الفكر العربي و الفكر العربي الاستراتيجي و الفكر العربي المعاصر . على أن هذه الحرية المميزة التي تمتع بها لبنان بعد استقلاله خرّقتها بعض الشوائب المنفّرة التي تمثلت بمنع بعض الكتب ومحاكمة مؤلفيها وناشريها. وعلى العموم وقفت جهات دينية وراء الحملات الهوجاء ضد كتب بعينها مثل كتاب نقد الفكر الديني لصادق جلال العظم (1970) ورواية حديقة الحواس لعبده وازن (1993)، علاوة على كتب الصادق النيهوم مثل إسلام ضد الإسلام و الإسلام في الأسر و محنة ثقافة مزورة ، وكتاب نزهة الخاطر في الروض العاطر للشيخ النفزاوي، و شيفرة دافنشي لدان براون، و تاريخ القرآن لنولدكه، و عندما صار اسمي 16 لأدونيس العكرة. لبنانيون وعرب منذ أن دشن السوريان خليل صايغ وشقيقه جورج صايغ مكتبة لبنان في سنة 1944 توالى ظهور دور النشر في بيروت، فظهرت دار العلم للملايين في السنة نفسها (منير البعلبكي وبهيج عثمان)، ثم ظهرت دار الثقافة في سنة 1953 (خليل طعمة) ودار الآداب في سنة 1956 (سهيل ادريس) ومنشورات عويدات سنة 1957 (احمد عويدات) ودار الطليعة سنة 1959 (بشير الداعوق)، ثم دار النهار سنة 1967 ودار الفارابي سنة 1967 ايضا ودار ابن خلدون سنة .1972 وبينما كان عدد دور النشر في لبنان سنة 1962 نحو 95 داراً (ومعها 250 مطبعة) أصبح عددها في سنة 1985 نحو 490 داراً (ومعها 500 مطبعة)، وارتفع في سنة 2004 الى 640 داراً (ومعها 700 مطبعة). وفي هذه الحقبة شهدت بيروت فيضاً من دور النشر العربية التي إما جرى تأسيسها في هذه العاصمة طلباً للحرية، وإما أنها كانت فروعاً لدور عربية طلباً لسهولة المعاملات في الطباعة والتصدير واستعادة المرتجعات. ومن بين أشهر دور النشر الفلسطينية التي أسسها فلسطينيون في تلك الحقبة: دار العودة (1970 محمد سعيد حمدية) والمؤسسة العربية للدراسات والنشر (1970 عبد الوهاب الكيالي) ودار القدس (مازن البندك) ودار الفتى العربي (نبيل شعث) ودار الراتب الجامعية (أحمد قبيعة). وأبرز دور النشر التي أسسها سوريون هي: المكتب الاسلامي (1963 زهير الشاويش) ودار الفكر المعاصر (1967 صفوان جبري ومحمود سالم) ودار ابن رشد (1977 سليمان صبح) ودار الكلمة (1978 حسين حلاق) ودار التنوير (1981 محمد الزنابيلي) ودار الحقيقة (ياسين الحافظ والياس مرقص) ودار ابن كثير (1986 علي مستو) ودار الحقائق (أحمد منصور) ودار النفائس (1970 أحمد راتب عرموش) والشركة المتحدة للكتاب (1992 رضوان دعبول) ودار النضال (جوزف الياس) ودار ابن حزم (زهير قصيباتي) ومؤسسة الأبحاث العربية (هاني الهندي) ومنشورات نزار قباني ومنشورات غادة السمان، علاوة على دار الكتب الشرقية ودار الكتاب الحديث ودار رياض الريس للكتب والنشر ومركز الإنماء القومي (مطاع صفدي). أما دور النشر العربية الأخرى فكان ابرزها: دار المدى (فخري كريم) ودار الكنوز العربية (عبد الرحمن النعيمي) ودار الغرب الاسلامي (1980 الحبيب اللمسي) ودار الملتقى ودار الكتاب الجديد ودار المدار الاسلامي. ولاحقاً، او الى جانبها، ظهرت دار الساقي والدار العربية للعلوم ومؤسسة الانتشار العربي والمركز الثقافي العربي ودار بيسان ودار الفرات ودار الجديد ودار نلسون وغيرها بالطبع. حركة تتسع وأسواق تضيق حركة النشر في لبنان حركة عربية الى حد بعيد؛ فهي تعتمد، في نموها، على الأسواق العربية بالدرجة الأولى، وعلى المؤلفين العرب بدرجة أقل. كما انها شديدة الحساسية للأوضاع المتبدلة في العالم العربي. ومع ان عدد دور النشر يتزايد باستمرار في لبنان فإن الأسواق العربية تضيق بالتدريج. وهذه مفارقة عجيبة حقاً. فقد كان ثمة خمس أسواق رئيسة في العالم العربي في السبعينيات هي مصر والعراق والسودان والجزائر والكويت، وكانت ليبيا أيضا دولة مشترية للكتب بكميات كبيرة. وقد أدت الأوضاع السياسية الداخلية والخارجية المضطربة الى خروج العراق والسودان والجزائر، ولو مؤقتاً، من مكانتها كأسواق قارئة رئيسية، والاكتفاء بهوامش قليلة من الكتاب العربي. وفي الكويت أدى خروج الكتلة البشرية الفلسطينية منها جراء ملابسات الاحتلال العراقي الى انكماش عدد القراء الى حدود متدنية جداً. أما في مصر فإن نسبة تداول الكتاب اللبناني، والعربي عموماً، ضئيلة؛ لأن المصريين يكتفون، في الغالب، بما تنشره دور النشر المصرية. ويبلغ عدد دور النشر المسجلة في لبنان نحو 640 داراً، أي ان لبنان يمتاز، عن غيره من الدول العربية، بوجود أكبر عدد من دور النشر، مع ان دور النشر الفاعلة والأكثر نشاطاً لا تتجاوز الخمسين داراً، وهو يتقدم بذلك على مصر. وتأتي بعد لبنان ومصر في هذا الميدان سوريا فالأردن. وتصدِّر دور النشر اللبنانية نحو 2700 عنوان جديد في كل سنة بما في ذلك الكتب المترجمة. أي ان لبنان يُنتج وحده أقل بقليل من 30? من مجموع العناوين الصادرة في الدول العربية كلها البالغة نحو عشرة آلاف عنوان في السنة، أي أقل من بلجيكا وحدها. بينما تُنتج مصر 2500 عنوان جديد سنوياً وسوريا 2500 والأردن 1000 والمغرب 750 والسعودية 500 والجزائر 350 واليمن .250 أما العناوين التي تطبع في لبنان سنوياً فتصل الى نحو 7500 عنوان، وهي تتضمن الكتب الجديدة علاوة على إعادة طباعة الكتب الصادرة سابقاً. وبسبب ضيق الأسواق العربية القارئة فإن الانتاج الكبير الحجم يبدو معدوماً لدى دور النشر اللبنانية. ومعدل عدد النسخ المطبوعة من الكتاب الواحد يتراوح بين 1000 و3000 نسخة فقط. أما الكتب التي تُطبع أكثر من ثلاثة آلاف نسخة فهي المعاجم وكتب الأطفال والمراجع المقررة في الجامعات فقط. وربما تُستثنى كتب كبار المثقفين والشعراء والكتاب أمثال محمد حسنين هيكل ودواوين محمود درويش ونزار قباني وأدونيس وروايات غادة السمان ونوال السعداوي والقليل من الكُتاب العرب الآخرين، ويُستثنى من ذلك الكتب الدينية والمدرسية وكتب التجميل والخرافات والأبراج. إن حال الكتاب في لبنان هي مثل حال العالم العربي تماماً: اضطراب وبلبلة وعدم استقرار. لأن الانتاج العلمي والفكري والأدبي والفني مرتبط، ارتباطاً وثيقاً بمستوى التقدم العلمي والرقي الحضاري. ومن البدهي ان يعاني الكتاب العربي في لبنان من عوامل كثيرة تعيق انتشاره، وأبرز هذه العوامل: 1 الأمية: إن العالم العربي يرزح تحت وطأة 70 مليون أمي من بين 280 مليوناً من السكان. والعجيب ان عدد سكان العالم العربي كان يبلغ في مطلع القرن العشرين 50 مليوناً، وفيه ثلاث جامعات فقط. وكانت دور النشر تطبع من الكتاب الواحد ثلاثة آلاف نسخة. واليوم صار عدد السكان 280 مليوناً، وفيه 200 جامعة، وما زالت دور النشر تطبع من الكتاب الواحد ثلاثة آلاف نسخة. 2 الرقابة: إن الرقابة في العالم العربي تُصنف في ثلاث جهات: رقابة الجهات الدينية، ورقابة الجهات السياسية، ورقابة الجهات الأمنية. وتتضافر هذه الرقابات لتجعل انتقال الكتاب من لبنان الى القارئ العربي عسيراً بعض الشيء، ولا سيما ان العالم العربي لا يشكل سوقا واحدة قط؛ فهو عبارة عن 22 سوقاً تختلف كل سوق عن الأخرى بقوانينها ولوائحها الرقابية، مع ان بعض الدول مثل الامارات العربية المتحدة وعُمان وقطر أزالت الرقابة الى حد كبير. 3 القدرة الشرائية: إن القدرة الشرائية لمعظم الفئات الاجتماعية في العالم العربي متدنية جداً ما يجعل الكتاب سلعة غالية الثمن. فالكتاب اللبناني الذي يبلغ سعر النسخة الواحدة منه عشرة دولارات على سبيل المثال يساوي نحو 5? من الدخل الشهري للموظف المتعلم في سوريا، وأكثر من ذلك بكثير للموظف نفسه في مصر والعراق. وهذا العامل يشكل عائقاً مهماً أمام انتشار الكتاب اللبناني في الدول العربية. 3 غياب مؤسسات التسويق: على الرغم من ان قطاع النشر في لبنان هو قطاع حيوي ومهم من قطاعات الإنتاج الاقتصادي والثقافي معاً، ومع ان صناعة الكتاب قديمة العهد في لبنان، الا انها لم ترقَ، حتى الآن، الى مصاف الصناعة بالمعنى المعاصر لهذه الكلمة. فلا توجد شركات كبرى للتسويق، او مؤسسات عصرية للتوزيع، الأمر الذي يضيف أعباء ثقيلة على الناشر نفسه الذي يتولى، في الكثير من الحالات، تسويق انتاجه بنفسه عبر معارض الكتب في الدول العربية، ومن خلال الصلات المباشرة مع أصحاب المكتبات في العالم العربي. في القرن التاسع عشر كان نشر الكتاب في لبنان مرتبطاً بالمطبعة مباشرة. فالمطبعة هي الناشر وهي الطابع في الوقت نفسه. وفي ما بعد، مع تطور صناعة النشر، ظهرت دور النشر المستقلة عن الطباعة، أي ان الطباعة صارت مهنة وحدها، والنشر بات مهنة مختلفة، وإن كانت المهنتان تشتركان في بعض الجوانب وتفترقان عن بعضهما في جوانب أخرى، وبهذه الصفة صارت دار النشر زبوناً لدى المطبعة. ومع اتساع الأسواق وازدياد الطلب على الكتاب منذ 1946 فصاعداً بات إنتاج الكتاب يتم في قطاعات منفصلة هي دار النشر ثم المطبعة ثم شركة التوزيع. وقلما تمكن قطاع النشر في لبنان من الوصول الى طراز من التكامل الأفقي او الرأسي، أي ان يكون الناشر، على سبيل المثال، شركة كبرى تتولى شؤون الطباعة والتوزيع واستيراد الورق والأحبار والأفلام والصفائح في الوقت نفسه. ومن المؤكد أن التكامل الرأسي كان غائباً أيضاً إلا في حالات محدودة جداً. مستقبل حركة النشر في لبنان كان للحرب التي اندلعت في لبنان في سنة ,1975 واستمرت حتى سنة ,1991 تأثير كبير في قطاع النشر، فجرى تدمير العديد من المطابع، واضطر بعض دور النشر إلى الانتقال من مراكزه القديمة إلى مراكز جديدة أكثر أمناً. ومع ذلك فقد نما هذا القطاع نمواً متسارعاً حتى في ظل الحرب على الرغم من ان الكثير من دور النشر اللبنانية اضطر الى الانتقال الى عواصم خارجية. ولعل هذه الأوضاع ساهمت في نشوء العديد من دور النشر في سوريا والأردن والخليج العربي، ما جعل المنافسة بين دور النشر اللبنانية ودور النشر العربية تزداد. ومع ذلك فما زال لبنان يتميز بأن أفضل الكتب العربية هي التي تصدر في لبنان، أكان ذلك في التقنيات الطباعية المستخدمة، أم في الإخراج، أم في التحرير، أم في دقة الترجمات، أم في المستوى الرفيع للمعاجم والقواميس والموسوعات التي تنشرها دور النشر اللبنانية في مختلف فروع العلم والمعرفة. وبهذه الصفة، وعلى الرغم من المعوقات الكثيرة، فإن هناك العديد من دور النشر العربية، ولا سيما السورية والأردنية، افتتحت فروعاً لها في لبنان لسهولة تصدير الكتب منه واستعادة المرتجعات، وبساطة المعاملات الرسمية في هذا المجال. إن لبنان، بتكوينه التعددي، وبشيوع الحريات فيه، ولا سيما حرية التعبير، مرصود لأن يكون مركزاً مهماً جداً، بل من المراكز الأكثر تقدماً في العالم العربي على صعيد الثقافة والإعلام والنشر. ولا ريب في أن هذا البلد الصغير الذي يحتوي في أرجائه نحو خمسين جامعة، بينها أقدم جامعتين في العالم العربي هما الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية، مؤهل لأن يتصدر طليعة العواصم العربية في مضمار الطباعة والنشر. وحتى اليوم فما زالت أفضل الكتب تأليفاً وجمالية وطباعة وتحريراً وإخراجاً تصدر في بيروت بالتحديد، مع ان قطاع النشر في لبنان ينوء بأعباء كثيرة في الوقت الذي لا يتلقى فيه أي دعم حكومي. ولا شك في ان هذا القطاع يمكنه ان يقفز قفزات متتالية، خصوصاً في مجال النشر الالكتروني، لو بادرت الدولة اللبنانية الى ازاحة بعض العوائق التي تعترضه. والدولة اللبنانية، والدول العربية كلها قادرة، بالفعل، على اتخاذ بعض الاجراءات من العيار التالي: 1 إلغاء الرسوم الجمركية المفروضة على استيراد الورق بجميع أنواعه والأحبار والأفلام والصفائح وآلات الطباعة وجميع المواد الأولية لهذا القطاع. 2 خفض تكلفة البريد والشحن الجوي للمطبوعات كلها، وتذاكر السفر للناشرين. 3 قيام الوزارات والمؤسسات بشراء كميات من الكتب ذات القيمة العلمية او الأدبية او الفكرية او الفنية. المصادر والمراجع أبي صعب، فارس، صناعة الكتاب في لبنان ، في الصناعات الثقافية في لبنان ، بيروت: المركز اللبناني للدراسات، .2002 حمود، عدنان، النشر في لبنان: واقع ومرتجى ، في الكتاب والنشر في لبنان: الواقع والسياسات ، بيروت: المركز اللبناني للدراسات، .2003 هاشم، مود اسطفان، تجارة الحرف المطبوع (ترجمة: خليل أحمد خليل)، بيروت: دار الساقي، .1993 ميرمييه، فرانك، الكتاب والمدينة: بيروت والنشر العربي (ترجمة: يوسف ضومط)، بيروت: دار مختارات، .2006 وهي ترجمة تعتورها أغلاط كثيرة جداً مع أن الكتاب فائق الأهمية.