لم يرسم الفنان جبر علوان المرأة التي في مخيلة جواد الأسدي، ولا جواد الأسدي مسرَحَ المرأة التي في لوحة علوان، إنما التفاعل بين الإثنين، أو بين المخيلتين قد يغني كلاً منهما. تلك هي خلاصة تزاوج معرض جبر علوان ومسرحية جواد الأسدي في استلهامهما مسرحية لوركا بيت برناندا ألبا وتحويلها إلى نساء السكسو..فون ، التي تعرض مسرحاً وتشكيلاً في مسرح بابل في بيروت، وقد افتتح المسرح رسمياً بها أمس الأول. لم تكن تجربة جبر هذه مع مسرح الأسدي هي الأولى، إذ تعاون معه من قبل في مسرحية حمام بغدادي ، وقبل ذلك تعاون مع سعد الله ونوس في مسرحية تحولات ، لكن العلاقة كانت كل مرة مختلفة. إلى ذلك، كانت لجبر تجربة في إيطاليا رسم فيها على عزف فرقة موسيقية. صحيح أن تجربة التزاوج بين فن وآخر، أو بين المسرح والفن التشكيلي ليست جديدة، إلا أن لكل تجربة درسها الخاص، ومستواها المختلف، وجمالياتها المتفردة. ونساء جبر علوان في هذا المعرض لم يخلعن أبداً ألوان نساء لوحاته السابقة، إنما هو أضاف، في لوحاته الجديدة، بحثاً جديداً في رسم جماليات المرأة والرقص، بل بحثاً جديداً يجيب عن أسئلة شعرية اللين التي لا تنتهي، فقدم شخصيات واضحة، تاركاً الألغاز تنتشر في غيوم الألوان ووشوشاتها، وعند مفترقات اصطدامها، وتحولها من حالة في المسرح والنص والأفكار العابرة، إلى حالة أخرى متخيلة، خارجة من ذاكرة قاسية تصطدم بطموح الرغبة والحب، ومن ألوان العراق تصطدم بطفح ألوان الحياة في عواصم العالم، ومن حزن طفولي يصطدم بكهل لا يشبع من اللهو والمرح وملاحقة الجميلات. التقينا جبر علوان في مسرح بابل ، وتحدثنا معه عن مسرح الرقص الذي لا يفارق لوحته، وعن السر في تألق ألوانه، وموقفه من التجارب الشبابية الجديدة في العالم، فكان هذا الحوار. تعاملت مع جواد الأسدي في هذه المسرحية، وربما تتعاون مع آخرين. كيف تفهم فكرة تزاوج المسرح والفن التشكيلي، بل كيف تبلورت هذه الفكرة بالتجربة؟ } مساحة التعبير في اللوحة ضيقة عموماً، فيها سطح ولون، وهي تحمل فكرة أحادية الجانب. وتنسجم مع التشكيل التقليدي الذي يختصر اللوحة بالمادة المستخدمة. ففي كثير من الأحيان تستطيع اللوحة أن تتحمل لحظة الفكرة. كذلك الموسيقى، بينما في المسرح والسينما تكون عناصر التعبير فيه متعددة، إذ تتحول من حروف على الورق إلى أشخاص ممثلين يعبّرون عن الفكرة بأكثر من تلك اللحظة التي تعبر عنها اللوحة. في المسرح يوجد ديكور يساعد الممثل في التعبير عن الفكرة، كذلك السينوغرافيا والموسيقى. قديماً ارتأى الفنانون التشكيليون العمل ليس فقط في تمثيل فكرة المسرحية، وإنما الدخول إلى المسرحية كبناء المشاهد، وتصميم الديكور والعمل على ملابس الممثلين. والكثير من الفنانين الأوروبيين انطلقوا أو عملوا في المسرح بهذه الصيغة. قسم منهم رسم القاعات الخارجية التي ليس لها علاقة بخشبة المسرح، مثل شاغال وميرو وآخرين، وبعض الفنانين تناول اللوحة بحد ذاتها ومسرحها ، مثل المسرحي الإيطالي داريو فو الذي تناول حياة كرافاجو الإيطالي وفنانين آخرين على المسرح، فكان يطرح حياة الفنان من خلال لوحاته. بهذا المعنى ليس الأمر جديداً. لكنه جديد في منطقتنا، خصوصاً أن النوعين يقدمان النص نفسه، ويعرضان في وقت واحد، والعملان يحملان العنوان نفسه، لكنهما مستقلان وبينهما تداخل. بما أننا اشتغلنا معاً أنا وجواد، فقد كنا نتزاور، هو يزور مرسمي وأنا أزور مسرحه، فيحدث تبادل بيننا. في أي حال، كان عملك مع الأسدي متوازياً، وليس متداخلاً. صحيح أنك رسمت وجواد مسرح العنوان نفسه، لكن كل في حيزه. إلا أن مفهوم الفنون المتداخلة اليوم له تعريف آخر، فالتداخل بين الفنون يحدث في الحيز الواحد. } في بولونيا اشتركت مع عازفين موسيقيين في عمل كانوا هم فيه يعزفون وأنا أرسم مباشرة على إيقاعات العزف وما يوحيه لي. كان العزف شرقياً وأنا رسمت لوحة كبيرة ( 4 * 2م). دام العرض ساعة ونصف الساعة تقريباً، أكمل خلالها اللوحة على المسرح أمام الناس، وكان فضول الجمهور رؤية فنان يرسم أمامهم، إذ لم يعتادوا ذلك، في حين هم يرون دائماً الموسيقيين على المسرح. مسرح اللوحة هذا أيضاً يمكن وضعه في حيز التوازي بين الفنين. } لم أكن أرسم فقط، إنما كنت أمسرح حركتي، أشرب نبيذاً، وأتنقل وأتحرك بحيث أني أقدم استعراض رسم لوحة. لم تكتمل اللوحة تكنيكياً، لكن المهم أن يرى الجمهور كيف يوضع اللون بالترافق مع حركة الموسيقى. فالعازف لا يستطيع أن يترك آلته ويرسم مثلاً، يقوم فنان بهذه المهمة، فتكون المشاركة على هذا الشكل. في تجربتك هنا، رأينا المسرح في لوحتك. كيف أدخلت لوحتك إلى المسرح؟ } سبق وتعاملت مع مسرحية تحولات لسعد الله ونوس. كان سعد الله أثناء مرضه، وكانت الحياة لا تزال تضج فيه. قرأت المسرحية، ولم أشاهدها. كنت أرسم وأقدم ما أنجز، أولاً بأول، لسعد الله. حينها رسمت بعض شخصيات المسرحية. هذه المرة الأمر مختلف، أنا والمخرج والممثلون نتبادل الملاحظات والأفكار، ومن تأثير ذلك ظهر المسرح في لوحتي، ظهرت خشبة المسرح وشخوص المسرح، في حين كان الأمر مختلفاً من قبل. ظهر في لوحتي الضوء بإسقاطات غير مباشرة، كما ظهر المكان في لوحة واختفى في أخرى. نفهم أنك عندما ألغيت المكان في لوحتك انحزت أكثر إلى عالمك الخاص وهجرت المسرح؟ } نعم. تستطيع القول إني حولت المسرح إلى حالة مجردة. وقد تكون طبيعة الشخصية هي التي تأخذني إلى ذلك. في بعض لوحات المعرض هذا بدا المسرح ملغى تماماً، بحيث تبدو الراقصة كأنها ترقص في اللامكان. وهذا موجود في عدد لا بأس به من أعمالك عموماً. لماذا تلغي المكان؟ } لأنني أتناول دائماً الفرد وأحاول قراءته سيكولوجياً، وبالتالي أحاول أن أركز أو أبحث عما يدور حول الفكرة أو الشخص. في هذه الحال لا ضرورة للمكان. أحياناً أضطر أن أجعل الشخص يتكئ على كرسي أو كنبة مثلاً، فيظهر جزء من المكان. ظننت أن لغياب المكان علاقة بالمنفى، أي فقدان الوطن، وأن وجودك خارجه يشعرك دائماً بفقدان المكان؟ } أحياناً أشعر بانتماء إلى المكان الذي أكون فيه فأتكيف معه، وأحياناً أخرى أكون بعيداً عن هذا الشعور، خصوصاً أنني لم أتملك في أي بلد ذهبت إليه. فأنا لا أملك بيتي ولا مرسمي في روما، ولا دمشق والقاهرة وبيروت من قبل. لا أستطيع أن أشعر بارتباط صارم بمكان محدد. أرسم في كل الأماكن، وبكل الألوان، ولا يعني لي المكان كثيراً، وهو لا يستطيع أن يخطفني، فقبل التعود عليه أهرب منه وأسافر إلى مكان آخر. كيمياء اللون؟ وهل ترى، بشيء من الرومنسية، أن لوحتك هي وطنك البديل، أو المكان الذي تشعر بالدفء فيه؟ } نعم. لوحتي هي المكان البديل، هي وطني. من خلالها أقرأ حالتي. في معرضك هذا، وإن انقطعت إلى المسرحية وفضائها، لم تبدُ غريباً عن نفسك، بقيت لوحتك هي نفسها، وراقصتك هنا تشبه راقصاتك هناك؟ }جئت أرسم ما هو أنا عليه. لم أرد أن أحدث انقلابات، أو تغييراً كاملاً في شكل اللوحة الذي درجت عليه. ومع ذلك فبناء اللوحة اختلف بعض الشيء. لماذا التركيز على الألوان نفسها: الأحمر والأسود والأزرق والأخضر عموماً، تنقلها معك من مكان إلى آخر. ألا تغير الحالات والمدن ألوانك؟ } تتقارب اللوحات في أكثر الدول التي رسمت فيها. أحياناً أرسم اللوحة في روما فتكون مختلفة بروحها عنها في دمشق، وكذلك في بيروت والقاهرة. هناك فروق، لكن لا بد من وجود خيط يربط بعضها بالبعض الآخر، رغم أن سيكولوجيا التشخيص تختلف بين بلد وآخر. كيف؟ تقصد أن الأشكال تختلف أم السيكولوجيا؟ } الحالة السيكولوجية. أنا أتناول حالة المرأة في غالبية الأحيان. المرأة التي أرسمها في الغرب تختلف عن المرأة الشرقية. في الغرب الألوان تكون أكثر اختزالاً، أما في الشرق فتوجد كثافة ألوان وتتناقض في ما بينها. وحتى لو رسمت المرأة نفسها في الشرق والغرب يختلف توزيع الألوان في اللوحة بين بلد وآخر. وهكذا. نسمع كثيراً تعبير كيمياء الألوان في الكتابات النقدية، من دون أن يعني ذلك شيئاً محدداً. بصفتك ملوناً بارعاً، كيف تفهم ذلك؟ } أنا أعرف كيمياء اللون بالمعنى الصناعي، فاللون صناعة كيميائية، لكن الفنان يتطلع إلى اللون كشكل لا كصناعة. عند الرسم تدخل حالة روحية نفسية ومزاجية لا كيميائية. أنا لست مع هذا المصطلح. ما الذي يهمك أثناء التلوين؟ علامَ تركز أكثر؟ } أحاول أن أرسم اللوحة لي، فأكون أنا المتفرج الأول، وهذا يتطلب مني حالة اغتراب عن ذاتي، يعني أجرد حالي من كل ما أعرفه. تقصد أنك تجرد حالك من المعرفة الأكاديمية لتكون أكثر حرية؟ }نعم، من الأكاديمية والوعي المسبق والأفكار الجاهزة والصنعة. فأكون حراً بكل أحاسيسي. حينما أرسم، على أذني أن تكون منسجمة مع الفرشاة. يعني أسمع الموسيقى فتترك تأثيرها في اللوحة. المعرفة الأكاديمية قد ترد بالصدفة وتتداخل مع التلقائية والعبثية أحياناً، فيندمج الواقع بالخيال. كل المؤثرات تكون في داخلي عندما أرسم، في حالة الفرح تكون الموسيقى راقصة، وإن كانت الحالة تأملية أترك المجال للمشاعر الأخرى لتعبر عن نفسها. فانا أوظف كل الألوان في الحالة التي أرسمها، وبالتالي فهذا يتطلب مني جهداً إضافياً كي أجرد الألوان. أنت تجرّد في لوحتك وتشخّص في آن معاً؟ هل تبدأ بالشخص، ثم تجرد المساحة بعد ذلك أم أن الشخص يولد من داخل التجريد؟ } عندما أبدأ تكون لدي مادة من الألوان المجردة على الطاولة، مصنوعة كيميائياً، ولدي سطح أبيض وفرشاة وفكرة ضبابية. أتوجه إلى اللوحة، وحينما أبدأ أحوّل هذه الأشياء المجردة إلى حياة على اللوحة، فيظهر شخص يتحرك وبيئة أو مكان مجرد. كتلة الشخص هي التي تسبق، لكن الشخص يتغير ويتحول أثناء الرسم، بل يتحرك من مكان إلى آخر. سأمثل لك الأمر. بعض الأحيان أتوجه إلى اللوحة كأنما أتوجه إلى حبيبتي لأنام معها. وعندما أبدأ ممارسة الحب معها لا أعود أعرف كيف تجري الأمور. أنت ترى الحبيبة وترى شفاهها، لكن عندما تقبّلها تغمض عينيك فلا تعود ترى شيئاً، وبعد ذلك قد لا تتذكر التفاصيل، لأنها أحاسيس أخرى. هل نستطيع أن نقول إن هذا التشبيه من وحي لوحات الإيروتيك التي تتكاثر في تجربتك؟ } أحب الإيروتيك بشكل عام. أنا رجل متفائل بطبيعتي وأحب الحياة، وأحب أن يكون كل شيء من حولي جميلاً. الإيروتيك والجسد الجميل والألوان الزاهية مع الأسود والموسيقى الموجودة في اللون كلها أشياء أحبها. من أين تأتي بكل هذه النساء التي ترقص حولك في اللوحات؟ } هي من تجارب شخصية مع بعض النساء. وأنا أحب الرقص بشكل عام، خصوصاً إذا كانت الراقصة جميلة، وأهتم أكثر بالباليه. أما حالات الإغواء (الإيروتيك) فهي من أجمل الحالات التي تتمتع بها المرأة. وهي تأسرني. ربما أكون منحازاً، لكنني لا أستطيع رسم امرأة إلا إذا كانت تمتلك مقومات الجمال. في لقاء سابق معك، قلت لي إنك تحمل في ذاكرتك ألوان ملابس النساء العراقيات. هل تحضرك تلك النساء، أم أن تاريخ هارون الرشيد يحضرك وأنت تتحدث عن نسائك (أضحك)؟ } (يضحك) ليس تماماً. قصدت أن هناك بشكل عام حرارة الألوان، فالأحمر أحمر، والأسود أسود، والأخضر أخضر في ثياب النساء العراقيات. حتى البيئة العراقية فيها تلك القسوة، ففي فصل الربيع، كنت أرى كل شيء أخضر في منطقتي، منطقة بابل على نهر الفرات، وفي الصيف يتحول كل شيء إلى أصفر ذهبي، كثافة ضوء الشمس في الصيف تكاد تلغي الألوان. أما الليل فسواده دامس. هناك إذاً تطرف في الألوان. هذا ما أستفيد منه في تجربتي، أي أن ذاكرة الطفولة في العراق تحضر في لوحتي الآن. غير الذاكرة اللونية، ماذا بقي في لوحتك من العراق؟ } جمال الريف وقسوته، عاشوراء، وقسوة الوضع السياسي أو السلطة السياسية. نشعر أحياناً بأن اللوحة الواحدة عندك قد تجمع بأحمرها وأسودها عاشوراء الألوان والإيروتيك في آن معاً. } استفدت من عاشوراء جمالياً وحولتها من حزن إلى فرح. في عاشوراء كان يُستعرض جسد الرجل، بينما المرأة تُغطى بالسواد. حذفت الرجل من لوحتي وعرّيت المرأة من سوادها. تتحدث كثيراً عن تحولات داخل اللوحة، كيف تقيم انعطافاتك؟ كيف تهرب من تعبير إلى آخر، أو من شكل إلى آخر أثناء الرسم؟ ما الذي يحدث؟ } أنا أحب هذه الانعطافات وأبحث عنها، فمثلاً أنا أهرب من جلسات النقاش السياسي الجدي ، التي تحضر فيها الذاكرة والتذكر (كان وكنا...) وأبحث عن الجلسات التي يسودها المرح والفرح والمتعة، وإذا كان في السهرة الرقص فهذا أجمل. هذا في الحياة، كذلك في اللوحة. هناك استثناءات، لأني حضرت مثل تلك الجلسات الجدية، ورسمت لوحات تتعلق بالحرب والدمار، لكنها قليلة. لماذا تقف ضد لوحة الحرب واللوحة التي تسمى وطنية. لماذا تهرب منها؟ } لست ضدها، لكني لا أستطيع التفاعل معها. ومشاعرك عندما تسمع بما يجري في العراق كيف تمنعها عن لوحتك؟ } اللوحة اليوم غير قادرة على التعبير عن الدمار والخراب كما تعبر شاشة التلفزيون مثلاً، تلك المؤثرة والواقعية أكثر. هي تؤثر في المشاهد بشكل أعمق من اللوحة. هذا لا يعني أنني لا أتألم لإنسان يتألم وأتدمر للدمار الذي يحدث وأشاهده. أما موقفي فواضح وأعبر عنه من خلال الاحتجاج بالتظاهر في الشارع، وبالمقابلات التلفزيونية، وبأي شكل آخر. هل تعتقد أن اللوحة لم تعد أداة من أدوات الاحتجاج؟ } أنا غير قادر على استخدام اللوحة لهذه المهمة. ألا تعتقد أن ذلك يندرج ضمن الانكفاء العام للمبدعين العرب في عصر الهزيمة؟ } هي ليست ظاهرة عربية فقط، القضايا كانت موجودة في الولايات المتحدة، وفي المكسيك وبيكاسو الأسباني رسم الغيرنيكا. لكني أجد أنه من زمن بعيد لم تعد اللوحة مؤثرة كأداة احتجاج. وأنا أرى لوحتي كذلك. أعتقد أن هذا الموضوع في اللوحة يمكن أن يكون مقحماً في هذا العصر. في عصور سابقة كعصر النهضة وما بعده رسموا الحروب والاحتجاج عليها. كانت اللوحة بالفعل أداة احتجاج. اليوم دخلت تقنيات الإعلام الحديثة التي تصور أبعد مما تقدر اللوحة على التعبير عنه. لهذا السبب هجر الفنانون التشكيليون مثل هذه اللوحة. الشعر ربما لا يزال يحمل أشكال الاحتجاج. باختصار لست مع اللوحة التحريضية ولا لوحة النواح والبكاء. اللوحة مستمرة حتى اللوحة التي ترسمها أنت باتت في منطق الفنون الجديدة تقليدية، فالشبان يتجهون نحو أشكال جديدة في الفن التشكيلي. هل تشعر أحياناً أنك عجوز فنياً؟ } أشعر بأن أدوات التعبير في هذا العصر اختلفت وانسجمت مع تكنولوجيا العصر الحديث، واستطاعوا أن يخلقوا موضوعات تحرك الذهن وتطرح تساؤلات على الآخرين، من التجهيز إلى تهشيم المادة، إلى فنون الكومبيوتر والفيديو. من الطبيعي أن يمارس أبناء هذا الجيل الفني الذي تربى مع التكنولوجيا هذا النوع من الفنون. وهو لا شك جيل مدينة لا جيل ريف، والأقرب بين هؤلاء إلى هذه الفنون هم أبناء الدول الصناعية المتقدمة. هم يعبرون بالتكنولوجيا أيضاً عن مفهومهم الفني الجديد. ماذا تنتظر من شخص مثلي غير قادر على فتح الكومبيوتر، وإذا استخدمه فضح تخلفه؟ كيف أعبر فنياً بآلة لا أحسن استخدامها. لهذا كله أعمل على تطوير بحثي في اللوحة التقليدية. هل تشعر بشيء من الهزيمة أمام العصر؟ } لا أحس أن المادة التي أشتغل بها معاصرة، ومواكبة لبقية اتجاهات الفن. الفن الشبابي الجديد لا يلغي فننا ولا العكس. كل الفنون اليوم تتماشى معاً. في كل تاريخ الفن كانت مسيرة الفنون تتخذ شكلاً عمودياً، تظهر مدرسة لتلغي سابقتها، هكذا حصل مع الرومنسية ثم الواقعية فالانطباعية فالتعبيرية. الآن الاتجاهات الفنية تسير بشكل أفقي. لكن السؤال أين هي العملية الإبداعية في المادة التي نشتغلها. السؤال نفسه يطرح على كل الاتجاهات الفنية. هناك امتداد لتراث بعيد في لوحتي التشخيصية، فهي استفادت من تراث الفن التشكيلي لكنها أوجدت شخصيتها. تخاف على مستقبل لوحتك؟ } الآن يعاد في أوروبا بناء الأكاديميات والتدريس التقليدي في الأكاديميات لاستعادة المهنية في العمل الفني، بعدما أضعفتها الاتجاهات الجدية في الفن. الأكاديميات لم تكن في السبعينيات تهتم بتدريس المهنة. الآن هناك ردة فعل إلى جانب التطرف في اللوحة. لا يمكن عزف الموسيقى من دون معرفة الآلات. وهذا يثبت أن اللوحة لم تنته كما أعتقد البعض. الموسيقى الكلاسيكية وتعلمها باق، ومعرفة بناء اللوحة التقليدية، كمسطح ولون، تدوم ولا تنتهي.