(شاع في هذه الأيام في العالم العربي وخصوصاً في لبنان استعمال كلمات مثل الفوضى الخلاقة و الفوضى المنظمة من قبل أهل السياسة والمحللين السياسيين. ولما كنت على يقين أن لا أحد من هؤلاء يدرك ماهية هذه النظرية أحببت أن أعرض أصولها العلمية لئلا تعمّ التأويلات والتحليلات الخاطئة كما هو حاصل الآن. وقبل الشروع في المقال لابدّ لنا في هذا السياق من تبرير استعمالنا لكلمة خواء مقابل المصطلح العلمي الحديث chaos ، لا سيما أن هذا المصطلح تعدّدت ترجماته إلى العربيّة دون داعٍ. فالكلمة اليونانية خاوس التي هي أصل كل المصطلحات الأوروبيّة يقابلها في العربيّة الكلمتان خواء و قَواء المماثلتان للكلمة اليونانيّة ليس فقط في اللفظ بل أيضاّ في المعنى. إذ أن الكلمة اليونانية كانت في الأصل، مثل اللفظتين العربيّتين، تجمع بين معنى الفراغ والفوضى. ففي العربية قولك خوت القرية يعني أنّها فرغت أو أقفرت أو تهدّمت وتصدّعت. وبما أنّ الألفاظ الأجنبيّة المشتقّة من خاوس تخلّت تدريجيّاً عن معنى الفراغ، وانحصرت دلالتها على الفوضى، ولم تُستعمل بالمعنى العلمي الذي نحن بصدده إلاّ منذ ثلاثة عقود، لذلك يحسن تبني هذا الإنزياح الدلالي لكلمة خواء العربيّة، وقصر استعمالها على المعنى العلمي تاركين بقية المعاني لكلمات مثل: فوضى، فراغ، خلاء. أما عن لفظة شواش أو التشويش فهي تصلح بإزاء noise و bruit في المفهوم المعلوماتي للكلمتين. وثمة فرق بين الخواء والشواش. فيما الخواء يخضع للحتمية، يخضع الشواش للعشوائية.) إذا كان عقل ما، قادرٌ على أن يعلم ، في لحظة ما، كلّ القوى التي تُسيّر الطبيعة وكلّ مواقع الكائنات التي تؤلّف الطبيعة ، من الشمول بحيث يكون أيضاً قادراً على إخضاع المعطيات للتحليل، فإنّه سوف يستوعب بنفس الصيغة حركات أجرام الكون الكبرى مع حركات أخفّ الذرُات: فلا شيء يكون غير أكيد بالنسبة إليه، والمستقبل كما الماضي يكون حاضرا أمام عينيه . هذا البيان الذي أعلن عنه عالم الرياضيّات لابلاس Pierre Simon de Laplace يُعبّر بشكل صارخ عن مفهوم الحتميّة الذي شاع في العلوم في القرن الخامس عشر، وترسّخ مع فيزياء نيوتن في القرن الثامن عشر. فوفقاً للمذهب الحتمي determinism، كلّ ما يجري في هذا الكون يخضع لقوانين جازمة قائمة على مبدأ العلّيّة. فكلّ حدث أو فعل هو معلول لفعل أو حدث سابق، وعلّة لحدث وفعل لاحق. ولا شكّ أنّ قوانين نيوتن هي خير مثال على القوانين الحتميّة. إذ أنّها تقتضي أنّ كل ما سوف يحدث في المستقبل هو محتّم كلّياًّ بما يحدث الآن، وأنّ كلّ ما يحدث الآن هو محتّم كلّياًّ بما حدث في الماضي. كما أنّ قوانين نيوتن هي من الشمول بحيث تستطيع التنبّؤ بحركة منظومات مختلفة، بدرجة عالية من الدقّة. فهي، على سبيل المثال تستطيع التنبّؤ بمدارات الكواكب ومسارات القذائف وأوقات المدّ والجزر. من أهمّ الوسائل التي اعتمدها العلم الحديث تعيين الخصائص الفيزيائيّة بقياسات كمّية، وبالتالي التعبير عن قوانين الطبيعة بمعادلات رياضيّة. فبالرغم من أنّه بالأمكان تأدية قوانين نيوتن بألفاظ اللغة الطبيعيّة، إلاّ أنّه من أجل تطبيق هذه القوانين على مجال ما، لا بدّ من استعمال القوانين في صيغتها الرياضيّة. و هكذا تستطيع قوانين نيوتن الديناميّة أن تربط القيم العدديّة للقياسات في زمن ما بقيمها في زمن سابق أو لاحق. القيم العدديّة التي تنطلق منها القياسات لمعرفة تطوّر منظومة ما تُعرف باسم الشروط البدئيّة initial condition. وبما أنّ قوانين نيوتن هي قوانين حتميّة، فالانطلاق من نفس الشروط البدئيّة سيؤدّي بالضرورة لنفس النتائج. لكنّ ثمّة مشكلة في القياس نفسه، إذ من المبادئ الأساسيّة للعلوم التجريبيّة، أن لا قياس حقيقيّ هو بمنتهى الدقّة. بل كلّ قياس لابدّ وأن تشوبه درجة، ولو صغيرة، من اللايقين. فالقياسات الواقعيّة هي دوماً تقريبيّة. ومردّ ذلك إلى أن أيّ جهاز قياس، مهما بلغ من الكمال، لا يستطيع أن يسجّل سوى قياس متناهٍ. فمن غير الممكن إيجاد جهاز يستطيع تسجيل قياسات بدقّة لامتناهية، لأنّ ذلك يستلزم أن يكون الجهاز قادراً على تسجيل عدد لامتناه من الأرقام. بالطبع، يمكن، باستعمال أجهزة قياس أدقّ وأدقّ، التقرّب أكثر فأكثر من القياس المنشود، لكن من المستحيل التخلّص كلّياًّ من عدم الدّقة. وهذا يعني أنّه عند دراسة أيّة منظومة ديناميّة يستحيل تعيين الشروط البدئيّة بدقّة لامتناهيّة. وبالتالي، سوف ينجم عن النَقص في دقّة هذه الشروط ، نقص في دقّة التنبّؤ عن أحوال المنظومة في أزمنة سابقة أو لاحقة. مع العلم أنّ عدم الدقّة في التنبّؤ لا يتأتّى عن أيّة عشوائيّة في القوانين، إذ أن هذه القوانين حتميّة، بل فقط عن عدم دقّة القياس في الشروط البدئيّة. لقد ساد الإعتقاد في العلوم الفيزيائيّة الحديثة أنّه بالإمكان دوماً تقليص هذا الخلل في التنبّؤ وذلك باعتماد قياس أكثر دقّة في الشروط البدئيّة . فهكذا مثلا، في دراسة حركة القذائف، يمكن التوصّل إلى معرفة الموقع النهائي للقذيفة بدقّة أكبر بعشر مرّات، إذا تمّ تقييم الشروط البدئيّة عند الإطلاق بدقّة أكبر بعشر مرّات. كما شاع الأمل بأنّه مع تطوّر التكنولوجيا، سوف تُصبح أجهزة القياس أكثر دقّة، وبالتالي سوف تزداد دقّة التنبّؤات، عند تطبيق القوانين الديناميّة الحتميّة، بحيث أنّ هذه التنبّؤات سوف تقترب أكثر فأكثر من الدّقة المطلقة، دون، بالطبع، أن تصل إليها كلّياًّ. لكن، حوالي سنة ,1900 اكتشف عالم الفيزياء والرياضيّات هنري بوانكاريه Henri Poincare أنّ بعض المنظومات الفيزيائيّة لا يسري عليها المبدأ الذي كان سائداً، أي: تقليص اللايقين في التنبّؤ بتقليص عدم الدّقة في قياس الشروط البدئيّة. ففي بعض المنظومات، مهما كان الفرق بين قياس الشروط البدئيّة وبين الدقّة المطلقة بالغ الصغر، فسوف يتضخّم هذا الفرق، مع مرور الزمن، بشكل هائل. بحيث أنّه، في نفس المنظومة، قد تؤدّي مجموعتان من الشروط البدئيّة، يكاد عدم التمييز بينهما، إلى تنبّؤين مختلفين كلّيّاً. وهذا التضخّم لن يزول، حتّى ولو جرى تقليص عدم الدقّة في الشروط البدئيّة إلى أصغر مقدار يمكن تصوّره. فمهما جرى تقليص هذا الفرق في الشروط البدئيّة، أكان ذلك ألف مرّة أو مليون مرة، لن يتدانى عدم الدقّة في التنبّؤ. إذ أن أيّ فرق ضئيل بين قياس الشروط البدئيّة والدقّة المطلقة سيُؤدّي، بعد فترة من الزمن، إلى عدم يقين في التنبّؤ يكاد يكون مماثلاً إلى عدم اليقين في التنبّؤ القائم على محض الصُدفة، أي إلى التنبّؤ العشوائيّ. هذه الحساسيّة المُفرطة في بعض المنظومات تشكّل السمة الأساسيّة للخواء chaos. وبالتالي، بما أنّ التنبّؤات الرياضيّة، في المنظومات الخوائيّة القائمة على المعادلات الحتميّة، ليست أكثر دقّة من التنبّؤات العشوائيّة، فالمعادلات لا تسمح سوى بتنبؤات قصيرة المدى. فبينما بالإمكان التنبّؤ بكسوف الشمس بعد ألف سنة، أنّى للأرصاد الجوّيّة أن تُخبرنا بأحوال الطقس بعد خمسة عشر يوما فقط. في هذا الصدد يقول بوانكاريه: لماذا يشقّ على علماء الأرصاد الجوّية التنبّؤ بالطقس ببعض اليقين. لماذا يبدو لنا سقوط الأمطار وهبوب العواصف وكأنّهما طرآ بالصدفة، بحيث أنّ كثيراً من الناس يجدون من الطبيعي الصلاة من أجل الاستسقاء أو جلب الطقس الجميل، بينما يرون أنّه من المستهجن إقامة الصلاة من أجل إحداث الكسوف؟ نحن نعرف أن الاضطرابات الجوّيّة الكبرى تحدث عامة في جوّ غير مستقرّ. وعلماء الأرصاد يعرفون ذلك جيّدا، ويتوقّعون حدوث إعصار في مكان ما. ولكن أين؟ هم ليس بوسعهم أن يعرفوا ذلك. يكفي أكثر أو أقل من عُشر درجة حتّى يهبّ الإعصار هنا وليس هناك، ويُلحق الدمار بمناطق، كان بالإمكان المحافظة عليها. فلو أمكن معرفة هذا العُشر من الدرجة، لأمكن التوقّع بمكان هبوب الإعصار. لكن، بما أنّ الرصد ليس على مستوى كافٍ من الدّقة والإحكام، يبدو لنا كلّ شيء وكأنّه رهن بالصدفة. هنا أيضاً نجد نفس التباين بين سبب ضئيل وأثار جسيمة، قد تُلحق أضرارا بالغة . وفي الواقع أوّل ما تمّ التحقّق من نظريّة الخواء كان في مجال الظواهر الجويّة. ففي أحد أيّام الشتاء سنة ,1961 أراد العالم بالأرصاد الجوّية إدوارد لورنز Edward Lorenz أن يتفحّص متتالية من البيانات متعلّقة بالأحوال الجوّية، سبق أن أمدّه بها الحاسوب. لكن، توفيرا للوقت، بدلاً من أن يعيد الكرّة من البدء، استأنف العمل من مكان ما في وسط المتتالية، وذهب ليتناول فنجان قهوة. عندما عاد بعد ساعة فوجئ بما شاهده على شاشة الكمبيوتر. فالمتتالية تطوّرت بشكل مغاير لما كانت عليه سابقا، وأخذ الرسم البيانيّ الجديد ينحرف تدريجيّاً عن المسار الأصلي: فظنّ لأوّل وهلة أنّ ثمّة خللا أصاب الحاسوب. لكنّه سرعان ما أدرك الحقيقة. المشكلة كانت في الأعداد التي تمّ إدخالها عند استئناف البرنامج من الوسط. في الواقع كان الحاسوب يحتفظ في ذاكرته بأعداد ذات ستة أرقام، ثلاثة منها فقط كانت تظهر على الشاشة. ففي المتتالية الأصليّة كان العدد المحفوظ هو 0.506127 أمّا الظاهر على الشاشة فكان 506,.0 في الكرّة الثانية، أدخل لورنتس العدد المبتور، معتبراً أنّ الفرق الذي هو واحد على ألف لا يقدّم ولا يؤخّر في تطّور المتتالية. لكن ما حدث بالفعل هو أن هذا الفرق الضئيل هو الذي أدّى إلى الإختلاف الشاسع. إنّه الشعرة التي تقصم ظهر البعير! لمعرفة تطوّر الأحوال الجوّيّة، يلجأ علماء الأرصاد إلى وضع نماذج رياضيّة، هي عبارة عن معادلات تحاكي هذا التطوّر. من المعروف أنّ الرصد الجوّي يتطلب الأخذ بعين الاعتبار لعدد كبير من المتغيّرات، إلاّ أنّ لورنز انطلق من نسق مخفّض من اثنتي عشرة متغيرة، يحاكي، نوعاً ما، تطوّر الأحوال الجويّة التي تحصل في الطبيعة. ومن أجل حصر المحاكاة على اختبار الخواء، اكتفى فيما بعد بنسق system في غاية البساطة مؤلّف من ثلاث معادلات تفاضليّة تقتصر على ثلاثة متغيّرات: س لشدّة جريان الهواء، و ص للتوزيع الأفقي للحرارة، و ط للتوزيع العمودي للحرارة. هذا النسق البسيط هو نموذج تقريبي لانتقال الغاز أو السائل تحت تأثير الحرارة، أي لما يُعرف باسم الحمْل الحراريّ convection. إذ أنّ الحمل هو الذي يُحدث التيّارات في الكتل الهوائيّة. فعندما تستمدّ طبقة هوائيّة حرارة كافية من سطح الأرض المسخّن بالأشعّة الشمسيّة، تتمدّد وتصبح أقلّ كثافة. وبالتالي تأخذ بالصعود نحو المناطق العالية الأكثر برودة، حيث تؤول إلى التكثّف. وبما أنّها لا تقوى على النزول عبر الهواء المتصاعد تحتها، تتحرّك جانبياّ، وتشرع بالهبوط إلى أن تصل إلى سطح الأرض. فتستعيد حرارتها، وتبدأ من جديد دورتها صعوداً وهبوطاً. المنطقة الهوائيّة التي تقوم بهذه الدورة تُعرف باسم الخليّة الحمليّة convection cell: مع ازدياد حرارة سطح الأرض، تأخذ الخلايا الحمليّة بالتذبذب، إلى أن يدخل الهواء في مرحلة الهيجان. بالطبع هذا النسق من المعادلات هو بعيد كل البعد عن أن يصف التطور الفعلي للطقس، إنّما يشكّل نموذجا رائعاً لاختبار الخواء chaos. بما أنّ حالة الطقس في لحظة ما من الزمن تتحدّد بالقيم التي تتخذها المتغيّرات الثلاثة في هذه اللحظة، يمكن تمثيل هذه الحالة بنقطة في فضاء تجريدي ذي ثلاثة أبعاد، يعرف باسم فضاء الأطوار Phase space. وبالتالي يمكن تمثيل تطور أحوال الطقس عبر الزمن بالمنحنى curve الذي يلتئم من مجموعة النقاط التي تمثّل حالة الطقس في كل لحظة من الزمن. فبالنسبة لنسق لورنز، عند انطلاقنا من قيم محدّددة لكلّ من المتغيرّات الثلاثة، يرتسم لدينا في الفضاء الثلاثي هذا المنحنى الشبيه بجناحي فراشة: غريب مسار هذا المنحنى! فإنّه يفاجئك بانتقاله من جناح إلى جناح، حيث يأخذ يدور في كلّ جناح عدداً لا يمكن توقّعه من الدورات، وذلك دون أن يتكرّر أبداً أو أن يتقاطع في أيّة نقطة. فإذا انتقل من نقطة ما ، من جناح إلى آخر، فإنّما يقوم بذلك على سطح مختلف عن السطوح التي توجد فيها نقط يُمكن أن يتقاطع معها. بحيث أن السطوح التي يمرّ بها ما تنفكّ تنقسم إلى طبقات أشبه ما تكون برقاقات الحلويات من العجين المورّق. وبالتالي فهذا المنحنى يجول في الأبعاد الثلاثة، لكنّه، مع ذلك لا يكوِّن حجماً، إذ لا تتعدّى بُعديته الإثنين إلاّ بقليل. وهو بالطبع من الأشكال المتكسّرة fractal، فكلّ تكبير لأيّ مقطع منه سوف يؤدّي دوماً إلى تفاصيل متشابهة، دون أدنى تناقص في هذه التفاصيل. نسق لورنز هو شديد الحساسية بالنسبة للشروط البدئية، بمعنى أنّه مهما كانت النقطتان اللتان يتمّ الإنطلاق منهما، قريبتين، سوف ينحوان، عاجلاً أم آجلاً، نحو مواقع متباعدة. فأيّ تغيير طفيف في الجوّ قد يؤدّي إلى فروقات هائلة لم تكن بالحسبان. هذه الحساسيّة المفرطة تجاه الشروط البدئيّة شاع تمثيلها بالعبارة التي أطلقها لورنز فى إحدى محاضراته، وهي أنّ رفة جناح فراشة في البرازيل قد تُحدث إعصاراً في تكساس. لكن مهما تكن القيم البدئيّة التي يتم الانطلاق منها، ومهما يكن بالتالي الاختلاف في المسارات الناجمة عن هذه القيم، إلاّ أنّ الرسم الذي يَنتج دوماً عن هذه المسارات هو شكل الفراشة. هذا الشكل هو الجاذب attractor الذي تؤول إليه مختلف الشروط البدئيّة. وكون هذا الجاذب من المتكسّرات، فهو لا يستقر على حالة ثابتة ولا ينتظم في حالات دوريّة، بل ما يفتأ يتقلّب بشكل لا يمكن التوقّع به، ويُعرف لذلك بالجاذب الخوائي chaotic attractor، وأيضاً بالجاذب الغريب strange attractor . بسبب شَبَه الجاذب الخوائي بأجنحة الفراشة، والتعبير عن الحساسيّة المفرطة للخواء برفّة جناح الفراشة، أصبحت الفراشة شعاراً للخواء، وعُرفت الحساسيّة الخوائيّة باسم تأثير الفراشة butterfly effect. هذه الحساسيّة للتغييرات الطفيفة لا تصح فقط على الأحوال الجوّية، بل تنطبق كذلك على المجتعات البشرية. فربّ سلوك تافه أدّى إلى انقلابات على نطاق واسع. بخلاف العشوائيّة randomness التي قد تنتشر في كل فضاء الأطوار، دون أن تتخذ شكلا معيّناً، فالجاذب الخوائيّ، بالإضافة إلى كونه محكوماً بقوانين حتميّة، هو محصور في منطقة معيّنة من الفضاء ويمتاز بهيئة أو نمط خاص به، مثل شكل الفراشة بالنسبة لجاذب لورنز. وبالفعل، فتقلّبات الطقس، بالرغم من استحالة توقّعها، تبقى محصورة في حالات معيّنة لا يمكن تجاوزها. فقد ترتفع الحرارة في إقليم ما ولكنّها لن تصل إلى تذويب الرصاص، وقد تشتدّ سرعة الريح ولكنّها لن تتعدّى سرعة الصوت إلخ... وبهذا المعنى يشكّل الخواء نظاماً ضمن الفوضى. (من هنا جاء تعبير الفوضى المنظّمة، الذي جرى استعماله عند بعض السياسيّين العرب، وبالطبع دون أن يفقهوا معناه الحقيقي). يتجلّى السلوك الخوائي في كثير من الأنساق الديناميّة. لكن أكثر مجال ساهم في ترويج نظريّة الخواء هو ديناميّة الجماعات population dynamics. فقد استخدم كلّ من عالم البيولوجيا روبرت ماي Robert may وعالم الفيزياء ميتشل فايجنباوم Mitchel Feigenbaum معادلةً تُعرف باسم التطبيق اللوجستي logistic map كنموذج لدراسة نموّ الجماعات، مماّ أتاح لماي اكتشاف التغيّر المذهل للجواذب مع تغيّر قيمة البارامتر، انطلاقاُ من الجاذب النقطة point attractor حتّى الجاذب الخوائي، مروراً بكل أنواع الجواذب الدوريّة. كما أتاح لفايجنباوم اكتشاف ثابت يرد في صنف واسع من المعادلات الرياضيّة قبل وقوع الخواء. وبذلك أصبح التطبيق اللوجستي من أفضل النماذج على توضيح مفهوم الخواء، إذ أنّه يجمع بين بساطة الصيغة وتعقيد الديناميّة. أوّل وأبسط نموذج لنمو الجماعات هو الذي أخذ به عالم الاقتصاد الإنكليزي توماس مالتوس Thomas Malthus (1766-1834) ليُظهر العلاقة بين البؤس والإكتظاظ بالسكّان. يقوم نموذج مالتوس على أنّ عدد السكّان في جيل ما يتوقّف على عدد السكّان في الجيل السابق، وفقاً لمعدّل النموّ الذي يحدّد مدى تزايد أو تناقص عدد السكان. هذا ما يمكن تأديته بالصيغة: جماعة جديدة = معدّل النموّ * جماعة قديمة وإذا رمزنا إلى الجماعة بالمتغيّر س وإلى معدّل النموّ بالبارامتر ن، يمكن كتابة المعادلة على النحو الآتي: سجديد = ن سقديم أو أيضاً: س لاحق = ن س سابق وبالإختصار: س ز+1 = ن س ز حيث ز تُشير إلى الزمن السابق و ز+1 إلى الزمن اللاحق. هذه الصيغة تعني أنّ س تتغيّر من الزمن السابق إلى الزمن اللاحق وفقاً لقيمة ن. فإن كانت قيمة ن أكبر من واحد، سوف تزداد قيمة س مع التكرارات المتتالية. أماّ إذا كانت ن أصغر من واحد، فسوف تتضاءل قيمة س تدريجياًّ. لنفترض أنّ معدّل النموّ هو أكثر من واحد، لنقل 5,.1فانطلاقاً من جماعة من 16 فردا، تنمو الجماعة بشكل اُسّي على النحو التالي: 81 ,54 ,36 ,18 ، ...، كما يظهر في هذا الرسم البياني: وهكذا، مع ممرّ الزمن، سوف تنمو الجماعة نمواًّ غير محدود. لكن من الواضح أنّ هذا النموذج لا يتلاءم مع الواقع. إذ أنّ المجاعات والحروب والأوبئة ... إلخ تمنع من تكاثر الجماعات بهذا الشكل غير المحدود. لذلك لابدّ من إضافة عامل كبح على المعادلة السابقة. المعادلة اللوجستيّة الآتية تفي بالغرض: س ز+1 = ن س ز (1 س ز) في هذه المعادلة يجري تعيين قيمة س ، أي عدد الجماعة، بالنسبة إلى أكبرعدد يمكن أن تصل إليه الجماعة في المنظومة البيئيّة. وبالتالي فقيمة س لن تتجاوز الواحد، بل تنحصر في الأعداد الممتدّة من الصفر إلى الواحد. كما أنّ معدّل النموّ ن يتمّ قصره على القيم الممتدّة من صفر إلى أربعة، بغية إبقاء النموذج قريباً من الواقع الفيزيائي. وعليه، فالعامل الجديد (1 س ز) يحدّ من النموّ المتكاثر. إذ كلّما تزايد عدد الجماعة، أي كبُرت قيمة سز، تضاءلت قيمة العامل (1 س ز)، وبالتالي تضاءلت قيمة ن س ز (1 س ز) التي تحدّد عدد الجماعة الجديدة. وهكذا، بينما الصيغة ن س ز تشكّل، عندما تكون ن أكبر من ,1 تلقيماً مرتداًّ feedback ارتدادا موجباُ، تشكّل الصيغة (1 س ز) تلقيماً مرتداًّ ارتداداً سالباً. وبالتالي، فحاصل ضرب الصيغتين أي ن س ز (1 س ز) الذي يمثّل عدد الجماعة الجديدة، يمنع من التزايد اللامحدود. والسؤال المتوقّع: ماذا يحدث للجماعة س عندما تزداد قيمة البارامتر ن تدريجيّاً من الصفر إلى الأربعة؟ مهما كانت قيمة البارامتر بين الصفر والواحد، فالجماعة تؤول لا محالة إلى الفناء. لكن عندما يتعدّى البارامتر القيمة 1 تأخذ الجماعة بالإزدياد تدريجيّاً حتّى القيمة 3 للبارامتر. وفجأةً بعد ذلك تأخذ الجماعة في التأرجح بين مقدارين بشكل متواصل، كذا في زمن وكذا في زمن آخر. أي أن الجماعة تنقسم إلى شعبتين. وعند كل ازدياد معيّن للبارامتر يتضاعف تشعب الجماعة. فتأخذ الجماعة تتأرجح بين4 مقادير، ثمّ 8 مقادير، ثمّ 16 وهكذا دواليك إلى أن يصل البارامتر إلى القيمة 3.57 حيث يأخذ الخواء بالإنتشار حتى القيمة .4 وعلى وجه التفصيل، لمن أحبّ: ?0 ن 1 : في هذه الحالة، تنحو قيمة الجماعة س نحو الصفر، أي أنّ الجماعة تؤول إلى الفناء، مهما كانت قيمة الجماعة التي يتمّ الإنطلاق منها. وهذا واضح لكون التطبيق اللوجستي ن س ( 1 س) يعود إلى ضرب ثلاثة أعداد، كل واحد منها أصغر من.1 فإذا انطلقنا مثلاً من س = 0.8 واخترنا للبارامتر ن القيمة 0.6 ، يُظهر لنا الرسم البيانيّ الآتي، خلال خمسين كرّة أي خمسين جيلا، كيفيّة تناقص قيمة س من 0.8 إلى الصفر: