As Safir Logo
المصدر:

تراثنا الفكري بين الرؤية السلفية والتنوير المعرفي

المؤلف: تقي الدين سليمان التاريخ: 2007-11-10 رقم العدد:10848

لم تطرح قضية في الربع الأخير من القرن العشرين على جدول أعمال الفكر العربي كما طرحت قضية التراث و المعاصرة . لم تأتِ المسألة افتعالا او من فضاء صاف كانت تنقشع من خلاله رؤية المستقبل. جاءت من أزمة الحاضر المثقل بإخفاقات ظهرت في الاجتماع والسياسة ودلت على أزمة حضارية عميقة. فالاشكالية الفكرية فرضت نفسها مجددا بعد قرن تقريبا من بدايات النهضة العربية. وهي بهذا المعنى عود على بدء في أسئلة النهضة ذاتها. وأسئلة النهضة كما هو معروف تتسع لمروحة واسعة من العناوين والمهمات. لماذا تأخر العرب او المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟ (شكيب ارسلان). ما هي هوية هؤلاء المجاميع من الناس وما الذي يمكن ان يجمعهم او يميزهم عن سواهم من بني البشر؟ ما هو تراثهم الفكري وما دوره في تقدمهم وتأخرهم؟ هل السلف الصالح هو الذي يجدد مجدهم الغابر وقوتهم. وهل من حاجة الى البناء على نهج الأقدمين أم تخطيه؟ أي رؤى هي الأصلح لذلك، الاستمداد من التراث أم القطع معه منهجيا. هل التاريخية او التاريخانية وسيلة الوعي المطابق (تعبير ياسين الحافظ) والموضوعي أم التجاوزية الحداثية؟ ما العلاقة الجدلية او البسيطة بين الفكر والواقع الزمني، وماذا يبقى من التراث تحت غربال العصر، في ضوء معارفه العقلية ونتاجه المادي وأخلاقه الوضعية؟ هل من توفيقية توليفية تؤدي الى مصالحة حرية بالجهد ام هي في المحصلة تلفيقية، تسووية عاثرة، تستعيد مشكلات الفلاسفة العرب والمسلمين في الملاءمة بين النقل والعقل؟ (د. طيب تيزيني). هل نحن في أزمة حضارية أم في أزمة فكر اجتماعي لطبقة محكومة بالنظام الكولونيالي (مهدي عامل)، وهل تاريخنا يمكن اخضاعه لاشكالية الانتقال من الاقطاع الى الرأسمالية الحداثية ومعه الفكر البرجوازي الليبرالي التنويري؟ أم أننا في نظام من الاقطاع الشرقي، أم الاستبداد الآسيوي المحكوم بسيرورة انتقال مختلفة في عصر الامبريالية؟ هل ثقافة الشرق الاسلامية يمكن ان تتصالح مع الرأسمالية قيما وآليات انتاج وبالتالي مع الاشتراكية، أم أنها ثقافة تناهض هذه وتلك؟. (اشكالية اشتغل عليها مكسيم رودنسون...). هل نحن بحاجة الى ثورة برجوازية بكل معنى الكلمة، أي الى علمانية تؤدي وظيفتها في فصل الدين عن السياسة، أم نحن بحاجة الى مشروع مدني آخر، وما هي ملامحه ومرتكزاته وأدواته؟ (د. هشام جعيط). هل نقد الدين عندنا مقدمة لكل نقد، أم أن في الدين عناصر نستغلها ضد ثقافة الاستغلال والقهر والظلم؟ (د. صادق جلال الدين العظم). هل ثمة مجال للتمسك بمبدأ الثقافة القومية والارتكاز على مصطلحاتها فنجد فيها الأشباه والنظائر لقيم العصر الحديث، كالأخوة والمساواة والحرية والديموقراطية والاشتراكية، وهي عندنا الرحمة والمحبة والنصرة والعدل والشورى؟. هل تراثنا تراث حربي عسكري عنفي، هل هو السيف أصدق إنباء من الكتب ؟ هل الجهادية نزعة قومية ام دينية أم نزعة سياسية خاضعة لاعتبارات الاجتماع السياسي (المرحلة الصليبية غزوة نابوليون + المرحلة الاستعمارية). لا أظن أنني استنفدت جميع الاسئلة بعد، التي يتصل أغلبها، كما قلت، بما تعارفنا عليه عصر النهضة العربية ، ويتصل بعضها الآخر او يتجدد مع تحديات المرحلة الراهنة وخصوصياتها. لكن الأسئلة في ما نزعم قد نتجت بالدرجة الأولى، مع كل الاعتراف بالاستقلال النسبي الواسع لحقل الفكر (كما يشدد محمد عابد الجابري)، نتجت عن تحديات سياسية . ولعل هذا ما أشار اليه أحد الرواد المعاصرين من سلسلة النهضويين الجدد، عبد الله العروي، اذ قال في مدخل كتابه الايديولوجية العربية المعاصرة : نادرا ما يتجدد الفكر الا من تأمل في السياسة المعاصرة . والسياسة هنا أرقى فنون العمل الانساني، لأنها اختصت بادارة المجتمعات وقيادتها. وهي تصدت لمهمات ثلاث في عالمنا العربي: الاستقلال، او التحرر من التبعية، الوحدة القومية، أي بناء الدولة الأمة بوصفها تحقيقا للهوية من جانب، واكتمالا لعناصر القوة من جانب آخر، والتنمية الانسانية بأبعادها المختلفة، أي الحرية ببعديها او بجناحيها، الاجتماعي والاقتصادي، والحرية ببعدها السياسي، أي المشاركة والديموقراطية. ولأن العالم العربي، سواء تعاملنا معه كأمة ناجزة التكوين، او أمة في طريق التكوين (كما قال العلماء السوفيات وبعض الماركسيين العرب)، او كعالم قاري، او كمجال ثقافي موحد، باللغة ام بالعنصر ام بالدين (كما في منوعات الفكر القومي العربي)، كان يعاني من الاخفاقات الثلاثة، من هنا جاءت الأسئلة بالقياس على الماضي والحاضر، بالمقارنة والمفاضلة، بالمقابلة بين عناصر القوة، وبالتأكيد أسئلة فجرها التحدي الخارجي، لكنها كانت ممكنة في مرآة التاريخ والماضي، من حيث كان لهذه الجماعة تاريخ وتراث ونهضة وتقدم وقوة ومنعة وهوية وعلوم وثقافة وقيم. فلم يكن ممكنا أصلا ان يكون السؤال تأسيسيا، منقطعا عن السياق التاريخي، منفصلا عن هذا التراث، لا من الناحية النفسية ولا من الناحية العملانية البراغماتية. لأن التحدي بذاته قد فرض عنوانا أساسيا له لا يمكن نكرانه، هو تحدي الهوية، بأشكال مختلفة وبأساليب متفاوتة، لكنها بالتأكيد هدفت الى تفكيك هذه الهوية. قد نجد المثال الساطع على هذه الاشكالية في مرحلة التتريك او فرنسة الجزائر. (وصيدٌ على الاتراك قيل موجّه ولكن لصيد الأمتين حبائله) (شكيب أرسلان). في ذلك الصدام التاريخي بين العرب والاستعمار، تحدث لينين، بلسان ماركس، عن البعد الجدلي لهذا الحدث بالقول: آسيا المتقدمة وأوروبا المتخلفة . أي تحدث عن الجانب الثوري من عناصر التخلف او الضعف الذي يواجه القيم الاستعمارية، لأن تلك القيم الاستعمارية لم تقدم نفسها فقط في اطار الحرية، بل أيضا القمع. ولعل أدونيس الحداثوي صاحب الثابت والمتحول قد عبّر عن الموقف نفسه في لحظة الصراع بين الثورة الايرانية والغرب بالقول: وجهك يا غرب مات! . ولست هنا لأستعيد وأبرر موقف النهضويين القدماء التقليديين او التوفيقيين او السلفيين كما يرى البعض من مثل موقف الامير شكيب أرسلان، الذي رأى الى هذا التناقض العميق في وجه الغرب بين تقدمه المادي وفقره الروحي، (وهذه نظرة هذا التيار وليس نظرتي أنا)، لكن ذلك كان في أساس الشعار السياسي الذي عدّل فيه لينين مقولة ماركس: يا عمال العالم اتحدوا ، ليضيف اليها، و يا شعوبه المضطهدة . وقد نظم آنذاك مؤتمر باكو لشعوب الشرق (1920) للتصدي للمسألة الاستعمارية. لن أعود وأفصل في اجابات عصر النهضة العربية الأولى . سأنطلق الى محاولات النهضة المعاصرة او الحديثة، كي أضيء على فكرة. فالقضية في السلفية والتنوير، او السلفية والمعاصرة، هي قضية معقدة ومركبة. لسنا نحن وحدنا، أيا كانت مسمياتنا، من يتحكم بها. انها تجليات لتاريخ له ذاكرة قوية. فسيظل هناك سلفيون، وسيظل هناك تنويريون، ما دام هناك تحدّ بين الشرق والغرب هكذا بهذا التبسيط، او ما دامت البشرية لم تطوِ بعد المرحلة الاستعمارية التي تتجدد اليوم بأبشع صورها في عالمنا العربي. في هذه المواجهة أصلا، التي يفرضها الغرب بالعنف، تقف السلفية لتقارع الأصولية الغربية (وفق جدلية السيد والعبد التي تحدث عنها هيغل)، فيما نحن نبحث عن جسور الحوار والتواصل، وفيما نحن نستكشف العناصر الانسانية المشتركة بين التراثات، أي بين الثقافات والحضارات، وبرؤية تنويرية لتراثنا الفكري. أقول هذا بشكل مباغت، أي أنني أقفز الى استنتاج فكري سياسي قبل أن أعيد التذكير مثلا ببعض الاجابات المعاصرة، أي التنويرية لا القراءة السلفية. لكنها تبدو جانبية حتى لا أقول هامشية في المسار العام للاحداث الدائرة على أرضنا ومن حولنا. ولعلني أشير هنا ايضا الى ان الفكر الماركسي، في منهجيته الديالكتيكية، وفي اطروحته المادية التاريخية كان مهيمنا على ثقافة هذه المرحلة (نصف القرن الأخير) بصرف النظر عن بعض الانحرافات عن الخط العام او عن التدخل بينه وبين المناهج والافكار الاخرى المتعددة، ولأخلص أيضا الى ان هناك قراءتين سلفية وتنويرية حتى لتراث الماركسية نفسها. ان تراثنا الفكري تمت قراءته قراءة تنويرية بمستويات مختلفة. اذكر هنا سلسلة كتب أخرى عناوينها هي: محمد: نظرة عصرية، علي نظرة عصرية... الخ. وطبعا مؤلفات تناولت تجربة ثورة الزنج و القرامطة و ابي ذر الغفاري واخرى تناولت المعتزلة ، و ابن خلدون و ابن رشد ، وغير ذلك الكثير الذي تعج به مكتباتنا العربية وهو يحتاج الى تأريخ وتبويب ونقد واعادة تقديم للناشئة في العالم العربي لنردم الهوة بين الثقافة والحياة العامة والحياة السياسية بخاصة. وربما هناك حاجة الى التذكير بكتابات رودنسون عن امكانية الطريق العربي للاشتراكية. وهنا يطرح السؤال عن وسائل الاتصال بين الثقافة والمثقفين والناس، والى أي مدى استطاعت الجامعة مثلا ان تنافس الجامع. او استطاعت وسائل الاعلام الحديثة ان تنافس الشيخ الواعظ والخطيب الديني او السياسي؟. ولنطرح من ثم سؤالا يتعلق بالمثقفين أنفسهم، كيف أمكن لرجال النهضة في اوروبا ان يعمموا أفكارهم ولماذا فشل مثقفونا في تعميم أفكارهم؟ ولماذا لا يحظى كتاب الاستبداد للكواكبي بنفس الجماهيرية لكتاب الأمير لمكيافيللي؟ ولماذا يصر مثقفونا على تحقيب التاريخ كله على التقويم الاوروبي، ولا يبتدعون تقويما للافكار عندنا يوازي سلم التقدم التاريخي الخاص بالعرب والمسلمين. ولماذا يظل الشعر (المتنبي ونزار قباني) له مرجعية أقوى في مفردات التفكير والخطاب الثقافي اكثر من جميع المفكرين والفلاسفة؟ ثم من يقول شردنا عن الموضوع. وأنا أقول ان هذا في صميمها. أي مهمة القراءة التنويرية للتراث وتفعيل الوعي به لتتحول الافكار الى قوة مادية كما كان يقول لينين. اشكالية اخيرة أريد أن أتحدث عنها وهي مقولة ماركسية أصلا. النظرية رمادية أما شجرة الحياة فدائما خضراء . ومنها فكرتان. التراث هو التراث، نعيد قراءته فنغنيه ونوصله بالمعاصرة. حيث حوار الحضارات وحوار التراث والمعاصرة في أبهى صوره. أما الفكرة الثانية، فأن المدخل الاساسي لتغيير أوضاعنا هو ثقل المعرفة المحصلة لدينا من التراث ومن التنوير ومن المعاصرة الى السياسة. الثورة السياسية ما زالت أهم مدخل لنا الى التاريخ. وعندي لذلك النموذج الروسي الذي قام به لينين، والنموذج الصيني الذي قام به ماوتسي تونغ. كيف صارت ثقافة الفلاحين جزءا مكونا من أرقى ثقافة في عصرهما ثقافة الثورة الصناعية الاوروبية. انها دعوة اذاً الى قراءة تنويرية لتراث القرن العشرين وثوراته الكبرى وأفكاره، واعادة قراءة لتجربتنا نحن في هذه المرحلة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة