يقترن جمال المدن معظم الاحيان بوجود الماء. مشهد الماء نهرا او بحرا او بحيرة يضفي على المدينة حلة جمال اخرى. مهما كانت المدينة جميلة سيزداد جمالها بوجود النافذة المائية. الشباك المفتوح على الماء هو اجمل الشبابيك، والشارع المطل على الماء هو ابهى الشوارع، وطالما كان ملتقى العشاق والمكان الاثير لديهم. قلما يفشل مقهى او مطعم اقيم عند الماء. انك ستجده على الاغلب مليئا بالزبائن عند الشروق وعند الغروب وما بينهما، والكرسي الاثير فيه هو كرسي في مواجهة الماء. للماء علاقة تاريخية بقيام المدن والحواضر، اقدم مدن العالم اقيمت على الماء وأروع مدن العالم أطلت على الماء. حضارات الانهار هي اعرق الحضارات وأقدمها، والمرافئ والموانئ، نهرية كانت أم بحرية، هي من اجمل المدن على الارض. ومن الصعب تخيل مدينة غير جميلة إن كان يمر بها نهر أو تقع على ساحل بحر. أما المدن التي يمر بها نهر يصب في بحر تقع عليه المدينه فهي مدن تحضى بالنعمتين، ولا بد انها تتمتع بجمال أخاذ: البصرة، الاسكندرية، هامبورك. قد تبلغ مدينة لا تقع على نهر أو بحر أو بحيرة درجة عالية من الجمال بسبب معمارها الانيق أو ارثها التاريخي الجذاب أو وفرة وبهاء الحدائق والمتنزهات فيها، ولكن نقص المشهد المائي يبقى نقصا لا يمكن تعويضه. أهدر تلوث الانهار في العصر الحديث بعض جمال المدن النهرية اذ حرم العيون من رؤية مشهد المياه الزرقاء، بعض الاحيان يحاول الانسان ادخال مشهد الماء الى المدينة، لذا ابتكر الانسان النافورة، أو لنقل صورة النبع في الطبيعه. فالنافورة هي الصورة المستنسخة للنبع في الطبيعه: ماء يصعد من الارض الى السماء ثم يهبط ليصعد مرة اخرى. زخرف الانسان النافورة بالضوء ليكتمل عرس الماء والنور في حضرة العناصر الأولى، وخاصة في الليل اذا تغيب اشعة الشمس فاسحة المجال امام الانوار الاخرى لتتحدث. حينما يغيب مشهد الماء من مدينة ما، فلا بد من نافورة أو نافورات. لم يتركني مشهد الماء منذ طفولتي المبكرة، عبر صباي وشبابي، والى الآن. وانا لم اتركه ايضا، بل انني اسعى اليه اذا غاب عني. البيت الذي ولدت فية كان يقع على جدول من جداول القرية ترتبط به ترعة ماء. اما البيت الذي سكناه في المدينة القريبة التي انتقلنا اليها فيقع مباشرة على النهر. شباك غرفة الضيوف، حيث اجلس وأقرأ غالبا، ينفتح على النهر ومنه ارى الضفتين والنهر. المشهد المائي لم يزل يعرش بذاكرتي ولم يتقادم ابدا بل انه يزداد حدة ووضوحا يوما بعد يوم وتغريني باستمرار استعادته، هناك شهدت ابهى الليالي القمرية، واروع هذا البهاء حينما يكون القمر بدرا والريح خفيفة تولد امواجا هادئة يتكسر ويلتمع عليها الشعاع البدري.اما ليالي الصيف حيث تصعد العوائل للنوم على سطوح البيوت فسيكون النهر اقرب وأكثر بهجة والتماعا، سنشاهده بمجرد ان نطل على الشارع عبر سياج السطح الذي يبلغ علوه حوالى مترا ونصف متر. اما الفتيان فكانوا يقصدون ضفتيه ويجالسونه طويلا، و لكثرة ما امضيت من اوقات رائعة طويلة وقصيرة وأنا في محراب النهر وحيدا ابث النهر وجدي او مع اصحابي نقرأ الشعر ونتحدث حول الأدب والحب والحياة. ومن تقاليد مدننا المرتبطة بالنهر وطقوس الماء يحضرني الآن تقليدان اعتز بهما واحبهما واتمنى لهما الاستمرار ما دامت الحياة. اولهما تقليد دأب عليه الطلبة في مذاكرة دروسهم عند ضفاف الأنهار وفي بساتين النخيل، اذ يخرج الطلبة بعد انتهاء الدوام المدرسي غالبا وبعد مكوثهم فترة في البيوت للراحة وتناول الغداء الى بساتين النخيل المطلة في معظم الاحيان على النهر،حاملين معهم كتبهم ودفاترهم ويبدأون بمذاكرة دروسهم وتحضير واجباتهم المدرسية لليوم التالي أو لامتحان قادم. ربما كان مرد هذا التقليد فكرة تقول ان القراءة في اجواء الطبيعة المفتوحة ستكون اكثر رسوخا في البال واكثر ثباتا في الذاكرة،هذا اضافة الى ان الهواء الطلق اكثر منفعة للصحة والجسد والعقل من هواء البنايات والمدن. يتخذ كل طالب مقعدا له تحت ظلال نخلة يجلس فيه كما يتخذ له ممشى بين صفين من اشجار النخيل ان اراد القراءة مشيا، ويتناوب معظم الطلبة في القراءة بين الجلوس والمشي. هناك سترى وأنت تذاكر دروسك السفن العابرة في النهر، والطيور السابحة فيه، وربما افقت على صوت ملاح سادر في الغناء وهو يردد اغنية شعبية او بيتا من الشعر العراقي الشعبي، وربما مر قارب يحمل مجموعة من الشابات الجميلات اللواتي جئن الى المنطقة من مدن اخرى للعمل كمعلمات في مدارسها فخصصت لهن المدينة بيتا في شارع الموظفين. بين فترة وأخرى ينظم بعض المعلمات هذه السفرة النهرية للتمتع بمشاهدة الماء وقضاء وقت ممتع بعد ان يدفعن ايجارا بسيطا للملاح وقاربه. كن على الاغلب شابات في بداية العقد العشريني او منتصفه، جميلات، أنيقات وطاغيات الانوثة، وكان مشهدهن في القارب ينور النهر ويلهب خيال الفتية من ابناء المدينة. لم ازل الى الآن، وعلى كثرة ما رأيت من نساء من بلدان وأعراق مختلفة، اتذكر بينهن الست انعام. وانعام هذه معلمة من بغداد جاءت الى مدينتنا بحكم عملها. كم يذكرني جمال هذه البغدادية بعشتار التي لم ارَ صورة لها ولكن بإمكاني تصورها. بين زميلاتها كانت انعام الأجمل والأطول: قامة هيفاء بلا هزال ولا امتلاء، بشرة صافية، عينان واسعتان وحادتان، هذه هي بعض مزايا جمالها... حينما تمر تبدو وكأنها الربيع ذاته أو الوعد الذي يمشي الى تموز... المصابيح تزين الانهار ليلا بلا شك، الا أن أروع المصابيح وأكثرها إشعاعا وتناغما مع النهر هن النساء الجميلات... لا يكتمل عرس المشهد المائي في اي مكان في العالم الا بوجود جمال وحب. شموع الخضر التقليد الثاني من تقاليد هذه المدن التي خلقتها تواريخ الماء وحنا عليها قلب الماء هو تقليد شموع الخضر أو الاحتفال بقدوم الربيع. توقد الشموع ثم تثبت على كرب النخيل أو على ألواح من الخشب أو في اطباق من الالمنيوم وتقذف الى مجرى النهر. بعد نصف ساعة سيكون المشهد خلابا، شموع عائمة ونهر مضئ وبشر منتظرون على الضفاف، وأمهات يعبّرن عن امانيهن. مشهد خالد عند الذاكرة يتوقف عنده الزمان طويلا عند عتبات ذلك اليوم... بقي هذا المشهد طويلا يستوقفني ويحيلني الى اسئلة كثيرة، متى بدأ هذا التقليد، وما هي دوافعه الاساسية واين انطلق اول مرة؟!!! الى ان عرفت فيما بعد انه طقس سومري بابلي قديم بدأ على ضفاف انهار بلاد الرافدين تمجيدا للماء والخصب والنماء، وانبثق عنه عيد الربيع أو عيد النوروز الاذاري، والذي أتخذته بعض شعوب المنطقة فيما بعد عيدا لها. أجاب هذا التقليد وطقوسه على بعض اسئلتي وفضولي لمعرفة كنه الاديان والعقائد الرافدينية القديمة، والطقوس التي كان يمارسها البشر على ضفاف دجلة والفرات: بماذا يفكرون، وما هي الاحاديث التي تدور بينهم وهم يسمرون على الضفاف وفي الحانات والمقاهي والمعابد السومرية والبابلية والاشورية، وما هي علاقتهم بالطبيعه وعناصرها الأولى: التراب والضوء والهواء والماء؟ فالديانة الصابئية، مثلا، وهي ديانة قديمة من ديانات بلاد الرافدين، لها ارتباط فكري وتأثر وتأثير بالديانات السماوية الاخرى، تبجل على الاخص عنصرين من عناصر الطبيعة هما الماء والضياء، وهذا ما يفسر إقامة الصابئة على مدى قرون بل ألفيات على ضفاف دجلة والفرات في جنوب العراق المشمس على مدار السنة تقريبا، حيث لا تغيب الشمس ولا تتكدر السماء إلا لأيام معدودة في الشتاء. أتذكر دائما قصائد الشعراء التي تتغنى بالماء، بالنهر والقمر، ومنها القصيدة التي يغنيها المطرب محمد عبد الوهاب، احاول ان اتذكر شاعرها، فهل هو علي محمود طه أو محمود حسن اسماعيل؟! تقول القصيدة في احد مقاطعها: يا ضفاف النيل بالله و ياخضر الروابي... هل رأيتن على النهر فتى غض الإهاب... كما اتذكر رائعة الجواهري عن دجلة والتي اسماها (يا دجلة الخير) والتي يقول فيها من ضمن ما يقول معبرا عن حنينه لدجلة أني وردت عيون الماء صافية... نبعاً فنبعاً فما كانت لترويني ويقول فيها ايضا: وأنت يا قارباً تلوي الرياح به... لَيَّ النسائم اطراف الأفانين وددت ذاك الشراع الرخص لو كفني... يحاك منه غداة البين يطويني في يوم من الايام اقترح علينا استاذ اللغة العربية في مرحلة الدراسة المتوسطة في درس الانشاء أن نكتب عن موضوع اسماه ( ليل وقمر ونسيم يداعب الوجوه). ورغم ان المدرس كان شاعرا وصديقا لأخي الكبير لم يشر الى النهر من قريب او من بعيد في العنوان المقترح، الا ان النصوص التي كتبها الطلبة لم تكن منفصلة عن الماء. لقد غزاها النهر دون ان تدري وتسللت اليها الجداول والسواقي من حيث لا تحتسب. طريق البحيرة سافرت مرة في الزورق البخاري من مدينة الجبايش حيث يقيم بعض اعمامي وأقربائي الى بيتنا في مدينة الفهود. المسافة بين الجبايش والفهود لا تتعدى الثلاثين كيلومترا، وطريق السيارات سالكة على الاغلب الا انها تنقطع أيام المطر الشديد ويستمر انقطاعها حتى بعد توقف المطر ليوم او يومين او اكثر اذا هطل المطر بغزارة، اذ يوحل الطريق الترابي فيصبح السفر بالسيارة مستحيلا، وينتظر المسافرون ان تجفف اشعة الشمس الطريق، الا ان بعض المسافرين لا ينتظرون وخاصة اولئك الذين يرتبطون بأشغال مهمة او مواعيد غير قابلة للتأجيل، لذا تراهم يسلكون طريق الماء عن طريق البحيرة التي تربط الفهود بالجبايش بمدن اخرى مثل القرنة في البصرة وسوق الشيوخ في الناصرية. هذه البحيرة التي تأخذ مياهها من دجلة والفرات، وتربط بين مدن عديدة في جنوب العراق اسمها (هور الحمّار). يمتد هور الحمّار من سوق الشيوخ شمالاً وحتى القرنة جنوباً محيلاً مدن المنطقة التي تقع على ضفافه الى موانئ نهرية رائعة ومدن مصدرة للاسماك ومنسوجات القصب والبردي و مادتيهما الخام أيضاً. يرتبط هور الحمّار ببحيرة عظيمة اخرى هي (هورالصحين) التي تقع على ضفافها بعض مدن وقصبات محافظة العمارة وتمتد هذه البحيرة حتى الحدود الايرانية حيث تسكن على الجانب الاخر قبائل عربية تتناظر في انسابها وتقاليدها وطبيعة حياتها مع القبائل العراقية في المدن المجاورة. كنت في السابعة عشرة يوم مخر بنا الزورق البخاري من مسناة مدينة الجبايش نحو الفهود، فضولياً، ومتطلعاً وعاشقاً للجمال ورومانسياً الى ابعد حد. كان يوماً شتوياً مشمساً ودافئاً فأتاح لنا فرصة الصعود الى سطح قمرة الزورق والتمتع بعوالم الماء. لم اصدق عينيٍ!!، ولم اعرف انني اعيش طيلة تلك السنوات قرب مكان مثل هذا المكان، بل انني في وسطه اذ تقع مدينتنا الفهود في منتصف المسافة تقريبا بين الجبايش جنوباً وسوق الشيوخ شمالاً. تحرك القارب وغادر ساحل المدينة فانفتح عالم مائي واسع لا يحد بصرك فيه سوى الافق. اينما تدير وجهك ثمة اسراب طيور وزرقة، وفي الافق البعيد يتعانق الازرق و الأخضر. اذكر ان وفداً عربيا أعلاميا أو صحفيا جاء على الاغلب من اقطار بلاد الشام قد سافر معنا في نفس اليوم على ظهر القارب نفسه. لكم سمعت منهم من آيات التهليل والانبهار ببهاء المكان. امطروني بالاسئلة عن المنطقة وطبيعتها وعن عادات وتقاليد السكان فيها حينما اتحدث الان عن تلك المنطقة، اشعر بالحزن والاسف، اولاً لانها عانت من ويلات الحروب والسياسة، ولم تترك لشأنها هبة من الطبيعة الى الحياة والناس، وثانيا لأنني تركتها دون ان اغوص تماما في متاهات جمالها وسحرها الاسطوريين. أمصادفة ان تكون اساطير الخلق قد تشكلت هناك؟ فهناك تيامات وأبسو ومردوخ؟؟!!! وأنت عابر في الزورق الماخر لا بد ان تستوقفك الطيور: اسراب الطيور المهاجرة من اسكندنافيا وسيبريا وبلدان الشمال الاوربي والاسيوي أو اسراب الطيور المقيمة أبداً في المياه الدافئة أبدا تلك. سترى طيور البجع والنوارس والاوز الوحشي والخضيري ودجاج الماء والبرهان وطيوراً اخرى لا يستطيع حصر انواعها واعدادها الأ علماء الاحياء البايلوجيون والصيادون من اهل المنطقة الذين اتخذوا من صيد الطيور والاسماك مهنة لهم. فلاحون وملاحون وصيادون، طيور واسماك وحيوات، نخيل وصفصاف وبردي وقصب وغرَبَ، انهار وجداول وبحيرات، قمر وشمس ونجوم، هذه هي بعض ثروات هذه المنطقة !!! [[[ متطلعا الى الافق، ارى الصبي الذي كنته! الوقت فجراً، وانا اتجه الى بساتين النخيل المحيطة بمدينتنا، أو الى الحقول المديدة التي تقابلها والتي تزرع في موسم الذرة، او في مواسم الحبوب. لم تتبدل الاماكن في ذاكرتي الى الان. بساتين النخيل تتقابل على النهر الذي يشطر المدينة الصغيرة الى ثلاثة اشطار. بيتنا يقع في الصوب الذي توجد فيه الحقول الممتدة باتجاه الافق. واذ تنتهي الحقول تنفتح بحيرة واسعة من جهة وتتأهب الصحراء للانفتاح من الجهة الثانية. لو وقفت على النهر في شطر مدينتنا الذي يقع فيه بيتنا، وأدرت ظهري الى الضفة متطلعا باتجاه الافق لكان الترتيب كالأتي: بساتين النخيل التي تقف على النهر وتمتد بمحاذاته، بعض بيوت، حقول مديدة، برٌ ممتد هل اسميه صحراء؟ وبحيرة واسعة وأفق. كنت أصر على ان توقظني امي فجراً ايام الامتحانات كي اتأهب لمذاكرة دروسي باكرا. سمعتهم يقولون ان ما يقرأه الانسان فجراً يرسخ في الذاكرة مديدا، وربما الى الابد. صدقت ما قيل! اما امي فكانت تتراجع بعض الايام في ايقاظي فجرا. حينما اعاتبها على هذا تقول، انها تراني في عز نوم الصباح، فتتصور انني متعب وبحاجة الى النوم، فتشفق علي وتتركني لمنامي. من الطلعات الفجرية خبرت بهاء منظر الشروق، كيف ترتفع الشمس شيئاً فشيئاً وكأنها طالعة من رحم الارض، من حافتها القصية! وكوليد مضرج بدمه، تخرج رويدا رويدا، وتستحيل حمرتها هنيهة بعد هنيهة الى ذهب مشع ثم الى فضة براقة. لا ادري لماذا احس الان اكثر من أي وقت مضى، احس وأؤمن ان الحياة ابتدأت بالفعل من هناك بعد اشراق ما من هذه الاشراقات، ابتدأت وعلمت الانسان معنى الحياة. كل شئ في ذياك العالم يشير الى عذرية ما، الى طهر ما، الى بكارة لم تفض بعد رغم تعاقب الازمان عليها، كل شئ احتفظ في بداية ما، هكذا، منذ البداية البعيدة والموغلة في البعد... تلك الصباحات التي علمتني ابجدية الشروق وسحره لم تزل ترافقني وتتحفني بالوجد والحنين الى كل ما هو بدئي وسرمدي. زمانان يعجبني استرجاعهما من ضمن الوحدة الكلية للازمان. زمانان تتشابه فيهما الالوان بعض الشئ وتختلف فيهما المعاني بعض الشئ، زمن الشروق وزمن الغروب. زمن يعلن بداية جديدة وزمن يعلن انتهاء جديدا. وفي الحالتين تصطبغ الشمس بالاحمر الدامي، في حدة تخف وتشتد، وتشتد وتخف. زمنان يحيلان دائما الى الاسئلة الكبيرة وهما يرتبطان بتلك المشاهد: اسئلة البدء، اسئلة الكون، اسئلة الوجود وأسئلة المصير. الالوان التي تظهر عند شروق الشمس وعند غروبها في تلك الاماكن الساحرة المسحورة هي نفسها تقريباً، بيد ان اتجاه تسلسلها معكوس تماما، فحينما تجنح الشمس للغروب يتبدل لونها من الفضي البراق الى الذهبي الى الاحمر البرتقالي ثم الى الاحمر البرتقالي القاتم، اما في الشروق فيبدأ لون الشمس بالاحمر البرتقالي القاتم ثم يتجه عبر نفس التدرجات اللونية للغروب ولكن بمسار معاكس الى الفضي البراق. احيانا تبزغ في السماء الوان اخرى. اتذكر هذا في الغروب على وجه الخصوص،اذ يمكنك ان ترى الابنوسي والبنفسجي والاصفر والازرق. ولطالما فتنت هذه الالوان الغرباء عن المكان، اولئك القادمين من اصقاع بعيده باحثين عن الدفء والجمال وعن مآرب اخرى! قيامة من الالوان تبهرج السماء بأطيافها عندما تغرب الشمس فوق الارض السومرية. هوادج اعراس لونية تتلقف عيون البشر عابرة بها من فضاء الى فضاء. شلالات نور قزحي يهطل فوق هامات مكابرة شامخة لنخيل عتيد وعريق يبدو خليقا بكل هذه الهدايا وجديراً بالنمو والبزوغ في ارض البدايات القصية. ترى كم شهدت هذه الاماكن من قصص وأخبار وأشعار وطقوس وأحداث ووصايا، وكم تعلم اناسها شجي الغناء ورهيفه من طيور مهاجرة ومقيمة، بل اني لأكاد اسأل: مَن علم الغناء مَن؟! هل علم الطير انسان هذه الاراضي الغناء، ام علم انسان هذه الاراضي الطير الغناء؟!! يقيناً انهما توحدا الطير والانسان لأزمان كثيرة في الغناء، مثلما توحدا في الحلم والنزوع الى الاعالي واستكناه اعماق الفضاء وسبر اقاصي الارض. يقينا انهما انشدا معا وتبادلا جميل البوح ومحزنه، ويقينا انهما هبطا معاً للماء مباركين ومتطهرين، فغسلهما الماء، ونشفهما النور، لذا أتساءل مستغربا ومصراً: كيف تستطيع الأدران بعد كل هذه التواريخ ان تلحق بإنسان تلك الارض؟! ما بين الفجر الوضيء الواعد والغروب الحالم الآسي تمتد حياة المدينة الصغيرة: الاضاحي والظهيرات وأوقات العصر، حوانيت ومقاه وسابلة ومشترون وشاربو شاي ورواة اشعار وأخبار وطرائف، وسوق وديع ضاج بالحركة الودودة، سوق اشبه بالسوق السومري القديم يتبع نظام المقايضة وان كان يستعمل النقود، باعة اغنام يبيعون اغنامهم في صفاة الأغنام ويتزودون بأثمانها بالبضائع الاخرى: الاسماك والحبوب والشاي والسكر. وباعة اسماك يبيعون اسماكهم ويمضون مشترين بضاعات لبيوتهم من دكاكين الخضروات والفواكه والبقالين. موظفون وعمال يقتطعون جزءاً من اوقات عملهم، تراهم برفقة ابنائهم وبناتهم امام دكاكين المدينة وحوانيتها، يشتري الاب البضاعة ويحملها الابناء او البنات الى البيوت. وتحضرني دائما تلك الطريفة الرائعة والنادرة يوم ارسل ابو نازك، وهو موظف قادم من مدينة اخرى في الفرات الاوسط او في غرب العراق، ابنته نازك لشراء اللحم من احد دكاكين القصابين في مدينتنا، وكانوا ثلاثة. وكانت العائلة آنذاك حديثة العهد بمدينتنا. ذهبت نازك الى الدكان الاول، نظرت الى القصاب ولم تشتر، ذهبت الى القصاب الثاني ولم تقدم على الشراء وهكذا فعلت حين رأت القصاب الثالث. عادت أدراجها الى ابيها دون ان تبتاع لحماً لغذاء العائلة، حينما سألها ابوها عن سبب رجوعها فارغة اليدين، اجابت بأن كل قصابي المدينة الذين رأتهم اليوم هم من ابناء الطائفة الصابئية! وحين سألها ابوها عن كيفية معرفتها لهذا الأمر، اجابت نازك ان الثلاثة كانوا من اصحاب اللحى الطويلة جداً. ولأبناء الطائفة الصابئية، والكبار منهم على وجه الخصوص، تقليد ترك لحاهم مسترسلة. هكذا تصورت نازك التي عرفت بشكل أو بآخر ان المدينة تحوي على بعض ابناء الطائفة الصابئية من ضمن سكانها، وهم على الأغلب صاغة ذهب وجواهر، ان القصابين هنا كلهم صابئة، وكانت قد عرفت من قبل بشكل او بآخر ان ذبح الماشية يجب ان يتم على الطريقة الإسلامية. لا ادري ان كانت هذه النادرة المليحة وليدة قصة حدثت بالفعل ام انها نكته من ترتيب (ابو نازك) الظريف، الا انها مشت في المدينة من فم راو الى فم ضاحك!!!! (برلين) (كاتب عراقي) [ فصل من كتاب للمؤلف لم ينشر بعد يحمل العنوان نفسه.