As Safir Logo
المصدر:

<موتى مبتدئون> و<السلالم الرملية> روايتان لسليم بركات: قراءة في التضاد

المؤلف: سـلمان بيـان التاريخ: 2007-11-09 رقم العدد:10847

كتب سليم بركات روايتين تنطلقان من تضاد بين معنيين بدءاً من العنوان. ففي موتى مبتدئون، حالة ما تسمى بالأوكسيمور، أي كلمتان تشيران لحقيقتين متضادتين، وهو وجه من أوجه البلاغة، يوظفها المؤلف غالباً لجذب انتباه القراء. فإن افترض الموت نهاية فب مبتدئون يتمم إنجاز خطوة أولى نحو قمة، طريق، فعل ما وكأنه هدف لا بد من الوصول إليه. في موتى مبتدئون نتلمس الربط السيروي مع المؤلف سليم بركات فمساحة بياض مقدم على أساس جغرافية حقيقية ليست إلا تعديلاً روائياً لواقع معاش من قبله، فالسيرة الذاتية المطعمة بسرد خيالي من خلال أشخاص مختلقين ينشأ ذلك الرابط المصيري، حيث المؤلف يعيد استنساخ سيرته بتضمين روائي خفي. استخدام الشخصيات للغة خشنة توائم فضاء الأحداث المختارة، ثم تكدس العنف وظهوره بغتة وكأننا قضينا مرحلة سابقة من أحداث جرت لنتواجد من بعد في عمقها. الكتابة الروائية توفر مساحة خارج الزمن، خارج الواقع يتيح العيش في حلم مبني من خلال الكتابة أو يبيح الهرب من الواقع واتخاذ أحداث الرواية ملجأ آمناً. من الجدير بالذكر في عصرنا الحالي أن السينما والتلفزيون والموسيقى والى حد ما الانترنيت توفر هذا الأفق وهو ما يميز الكتابة المتخيلة عن تلك المستمدة عناصرها المتجسدة من الواقع، وهو ما يعرف بالكتابة الوثائقية والتي تعلم القارئ بشكل بديهي بمعلومات وأحداث ووقائع رغب الكاتب من خلاله نقله وإعطاء رأيه حول ما يذكر ومنه أيضاً تحليل للأمور والأحداث من وجهة نظره الشخصي لتزويد القارئ المتعطش للإطلاع ومعرفة رأي آخر غير رأيه حول حدث أو واقعة ما، يشاركه فيما اختبره هو شخصياً أو أحد آخر وربما مجموعة من الأشخاص وأحياناً شعب بأكمله، حتى هنا يمكن ذكر الوسائل السمعية والمرئية التي طوّرت رؤية الفرد نحو الأحداث من خلال ما يقدم له، مثله مثل الرواية. من هنا الرواية تخيل وأن وظف فيه عناصر من الواقع البداية اختلاق. النهاية اختلاق . (ص 51) وما جملة رمى الآخرون بأوراقهم إلى اللهب... (ص 52) إلا حرق لليوميات والكتابة المتعلقة بسيرة كل منهم الذي يلخص سيرة المؤلف الباحث عن الإبداع من خلال المتخيل، وما التهديد ب سأفرغ خيالك، أيضاً من الصور (ص 88) إلا محاكاة لصور ينتجها الخيال الخصب القادر على الخلق، إضافة إلى أن التهديد الضمني بالتفريغ هو تجريد المؤلف من أدوات الخلق. سليم بركات بالعودة لبعض إشارات في روايته ثادريميس يعيد فكرة العودة الآلية لأحداث مضت قبلها بشفتي قلبه قبل انضمامه إلى أصحابه المائتين، الذين جروا السفينة بالحبال، عبر سهول دوسخو، إلى شاطئ بحر هيلاكريتوثينيس، الساكن، السحيق . (ص 93). الشخصيات مقتنعة بكونها أمواتاً، أشباحاً، والمضي في رقعة بياض ممتد يعمق مضمون الرواية وعنوانه تتصرفون كالأحياء. لماذا لا تقتنعون أننا موتى، أيضاً، مثلكم؟ (ص99). المتاهة هناك شيء من العبث في مثل هذه الكتابات المضمرة، فالراوي والمؤلف يتجانسان ويكونان مزيج السرد والشخصيات، نساء كانت أم رجالاً، يجدد المؤلف نفسه في ثوبهم. أما الأجواء الجليدية فهو تأطير لعالم واقعي يعيشه بركات حيث رغم الجمود السائد في رقعة مكان، ففي الكتابة أمل الخروج بكسر الأجواء السائدة: أحاولت أن تسلي أحداً أيها الغريب؟ أن تقنعه بجدوى خسارته في أن ينسى متاهته قليلاً؟ المتاهة أمل، أيها الغريب، في عودة الخيال مجدياً... ( ص28). هنا المتاهة تتخذ صورة إيجابية وتنير ضوءاً لتعين الرؤية، وبالتالي تؤدي لمنفذ، فالمتاهة هنا تنظيم ذكي وفذ وليس بالضرورة ضياع حين يتم امتلاك قوة الكتابة، وهنا تضاد فكرة: العودة، عبر المكان الأليف، حيلة قد تخذل . (ص37). الوقوف أمام الصفحات البيضاء، لحظات انعدام الكتابة أو التوقف الزمني في الكتابة التي تعبر عن قلق ينهش فكر المؤلف للبقاء في تماس مع ذاته ومع القراء، وإن وقع أحياناً في مسألة عبث ومدى جدوى الكتابة: قامرت بعقلي، وبخيالي، على غريب أسليه (ص25). رغم هذا فتشكيلة الشخصيات البركاتية بأسمائها المبتدعة تساهم في تلوين الحدث وتعميق التوتر المحسوس عند المؤلف: رسمت برأس مديتها القصيرة النصل رموز الخيال الأول في الثلج خيال المهجور: أربعة خطوط مائلة، متوازية . (ص25). فالكتابة على الثلج مدان بالزوال ومن هنا هاجس التواصل في الكتابة المتخيلة وهو مصدر شرعي لحث المبدع على الإنتاج الخلاق. التناقضات الفكرية والصراع المستديم للبقاء على قيد الحياة، بالرجوع للعنوان مرة ثانية وربطه بالموت، بالبياض، الكتابة من البدء وثم إعلان النهاية، هل المؤلف قادر على إعلان النهاية، حيث البداية هنا هي اللاشيء من فكرة سيادة البياض؟ فأول جملة في موتى مبتدئون يبدأ بفعل توقف! الإرث الفكري الجمود والصمود عند الحد الفاصل بين كتابة مبدعة وكتابة مستهلكة، الألم، التنوير، المسافات الممتدة، المسافات المنتهية، الامتلاء في الوقت نفسه شيء من المحاصرة بالجو السائد وألق النهاية الرفيعة تسمو لدرجة الترويح عن مكامن الشخصية الروائية. فالتسلسل الاستراتيجي للكتابة البركاتية، والتنوع في نقلات التحرك على رقعة النص بالتنوع في القتل للذات المكونة لشخصية واحدة وملابسات التقنية النفسية والإغراء الجامع للرغبات المستوطنة في أعماق شخصيات محكومين بالتجول في عمق طبيعة قاسية مؤطرة بالسمة الموحشة للمكان، لكن رغم القتل فلا تراجيديا تلوح في الأفق بل غياب هدف أفراد الجماعة الممثل بقلق مستتر فضيع يولد شيئاً فشيئاً من العنف، عنف داخلي أكثر مما هو ظاهر في رغبة القتل الذي ليس إلا صراع الإنسان مع نفسه وانعكاسه على الخارج كنوع من الكبت والتزمت إزاء تقاليد الطبيعة السائدة، المجبرة على تقبل شروطها أو توظيفها في أفضل الأحوال بما يلائم وضع الكائن. فالطبيعة كما في أغلب روايات بركات مؤنسنة، ففي موتى مبتدئون مساحة شبه قفرة، ساكنة، لها عادات وشعائر يرغم الشخصيات الالتزام بها رغم رعبهم منها: الهدوء علم اختزال الزمن كله... . (ص30). الراوي ينخرط في عالمهم وإن اتخذ مسافة منهم ليتحاوروا حول أشياء تبدو في الآن ذاته يومية، عادية وممتلئة بلغز فلسفي، ولكن لا شيء مميزاً لسرده أو لم يبق ما يسرد حين يبدأون هم بالكلام. فالغريب يتخلص من ذاكرة نحت فيها الدمار ويرميها كما قشرة: في كل خطوة أسقطت ذاكرتي بتواطؤ مني عليها. أسقطت ذاكرتي كقشر الفستق. قشر لن ينبت . (ص37)، التركيز على كلمة لن ينبت هي تأكيد التجريد المطلق لوظيفة الذاكرة المجترة لأحداث ربما تورط الشخصية في القيام بفعل ما. الراوي يراقب الحياة عن كثب مع الشخصيات ممزوجاً بحياة ثلة من الآدميين يبدون بدائيين يقتاتون من العزلة أكثر مما يبحثون عما يملأ جوفهم. فبالإمعان لكلام نيديداد: أحلم بشواء حتى لو كان من لحمي (ص6) وفي فصل آخر: أستطيع أكل رجل إذا أحببت، سآكل رجلاً، في الأرجح، بعد العودة من خليج مورتفيك (ص28)، نستنتج أن شخصيات بركات النسائية، شهوانيات ويرغبن بإتمام فعل كانيبالي، فمن وجهة نظر تحليل نفسي ومن خلال إنتاج صورة متخيلة عن النفس وعن الآخر تبحثن عن الالتهام الذاتي، ثم ذات الآخر، الرجل وهو ما يعني في الآن ذاته الوله والانتقام، أكل جسد الآخر وإنهاءه فسيولوجيا، ثم الانصهار الجسدي في جسد الآخر والاستيلاء على كل مواصفاته وسلطته، أما العزلة، فهي خليط من الذهاب لأعمق نقطة في داخل الشخصيات والتعرف عليهم وكشف غرضهم في الدوافع العدوانية. الكتابة فيها شيء من عدوانية، لأن فيها رأي مفروض بصورة ملفوظات تتردد على ألسنة الشخصيات. الطبيعة تتخذ صفة شخصية كالبشر وكشف مخابئها هي كشف مكامن وأسرار الذات البشرية، الذين يلعبون دوراً وليسوا مؤهلين لدورهم، رغم النشاط الظاهر عليهم كرمز معاندة مع قسوة المكان الطاحن للبياض كفراغ قاتل في قلب الذين يسايرون أنفسهم العيش وسطها. فحتى الأفكار المتداولة بين الشخصيات مختصرة ومتقطعة والكلمات الموظفة في التعبير عن المكان، لها ربط محكم مع الظروف التي تفرضها الجغرافية المحيطة بهم، وكأن الفراغ امتد لمساحات المخيلة وأجدب عطائها: لا أرى أثراً لمقيم عابر. هذا المكان لم يسكن، ولم يهجر. هذا مكان عقل ساكن؛ مكان لم يمتحن بخيانة . (ص58)، تتخذ الخيانة هنا سمة فتوحات، ليكون الفاتح نفسه وجه المتخيل الذي وظف الخيال ليسجل بها كتابة. في بعض الصفحات يداهمنا الإحساس بعدم وجود لغة معينة تتكلم بها الشخصيات، أو يستصعب علينا حقاً فهم ما ينطقون ويتداولونه من توريات وألفاظ، ربما قوة تخيل الأحداث عند القارئ يولد هذا اللبس المنبثق من إبداع بركات والتحايل على صفة واقعية اللغة المكتوبة بها النص العربية! فحتى أسماء الشخصيات المحالة على الأقنعة التي يضعونها يعود بنا لخشبة مسرح والديالوك بينهم تزيد من نسبة التمثيل المسرحي والتواجد في مكان قيس على مدى النص المكتوب أتشبه لغتهما شيئاً ما من علوم النهاية في كتابٍ، يا قناع الذئب يوها النبيل؟ ( ص101). القناع له ميزة إخفاء وصفة تستر ولا بد من الإشارة إلى الدور الذي يلعبه في إخفاء شخصية المؤلف خلف المتخيل من خلال الحوار التالي بين بعض الشخصيات: لماذا تحملون الأقنعة ذاتها أقنعة ارض السحلبية الزرقاء؟ ؛ على البعض أن يحمل الأقنعة ذاتها، من مكان إلى آخر. القناع اعتراف ؛ بما تعترفون، يا قناع الإوز- فيناكو الرائع؟ ؛ بأبوتنا؛ بالقناع الأصل. ؛ بل نعترف بكوننا مرايا. نحن مرايا، الآن (ص111). بالإضافة إلى الأقنعة، فالمرايا تزيد من حقيقة ما عبر عنها بالحوار السابق حيث المرايا انعكاس للواقع، وهو ينقل صورة من الحقيقي، ولكن ليست الحقيقي البت. شخصيات منقسمة الانطلاق من كليشيه كلمات محدودة، فالراوي حصر عالم الجمود باللغة وحدد مساحة المنطوق بمساحة المكتشف من المكان، فاللغة الخشنة كخشونة وقسوة الجغرافية التي يتواجد فيها الأفراد وكأنهم نقلوا لها عنوة، أيمكن قول إن المؤلف بركات قلع من جذوره في سوريا ويتواجد فقط بحكم سلطة اللجوء السياسي في استوكهولم حيث الأجواء السائدة نفسها في زمن معاصر، ولكن الراوي يدق وتد الأحداث في زمن بدائي ليزيل فارق العصور أمام قسوة الطبيعة؟ ربما من أهم مشاهد الرواية انطباقاً مع فكرة عبثية الكتابة وبالأخص الفراغ الكاسح المولد لكآبة ما بعد الانتهاء من عمل كتابي هو المشهد الخاص بحرق كتاب حين يجتمع الشخصيات، ستة نساء وستة رجال ليتقاسموا حرقها: تقاسموا كتاباً مهترئ الدفتين بعد تمزيقه رزماً متساوية، يلقي كل منهم برزمته إلى النار ورقة ورقة، بعد قراءة سطرها الأخير في ضوء اللهب. كتاب منجز بتمام غايته، كمال، هو النهاية. كل كتاب نهاية. لا نريد كتاباً (ص46)، التأكيد الدلالي لكتابة السيرة يستوضح هنا ونستنتج أحياناً صعوبة انتقاء أحد الشخصيات لوحده ليمثل ويقدّم ما يرغبه المؤلف الذي يتعدّى على صفة الراوي بانتحال جزء من كل واحد، من الشخصيات المقنعَّة. أما ما يخص رواية السلالم الرملية، فالسلالم شيء ثابت توصل بمكان ما، ربما للقمة، ربما لشيء معلوم والأغلب لشيء مجهول. حالة صعود، غير أن الرملية تضاد تلك الفكرة وتنهي الشك بخصوص الوصول وبالتالي بعدم الثبات، بالانهيار وبحتمية السقوط. الشخصيات الرئيسية مقسمة بين مكانين ولا تنتمي لعالم محدد بذاته، وما يحدث هو تعديل مكاني يؤثر في تعديل زمن الشخصيات، كما في الرواية الآنفة الذكر، التي تبدو متأقلمة مع وضع شبه مفروض عليهم. الجملة الأولى من الرواية تبدأ بعملية بحث أأنت تبحثين عني؟(...) أأنت تبحث عني؟ ( ص5)، والسلالم نفسها هنا، تتحول لحالة إرباك عقلي وريادة عبثية الشك التي تزداد حدة، لتعيد الأحداث نحو حدث جوهري وهو انتظار نبي على العشاء. بركات بهذه السلالم الرملية يسلط الضوء على فكرة انتظار نبي على العشاء لتقابل بشكل ما فكرة في انتظار غودو لصامويل بكيت. فالقارئ ينتظر بشغف وصول نبي معلن من الشخصيات الرئيسية وهم: زوجتا وأبناء وبنات يالوه، على عشاء مفترض يتحول فضاؤه في النهاية لصراع أخوة. عالم هؤلاء رغم مدنية ظاهرة فهم ينتمون لعالم الأساطير ونقلوا لعالم الواقع عنوة من خلال أحداث متخيلة. إذ تحصر الشخصيات في محطات مختلفة لقطارات الأنفاق، غارق في حساب غيبي لا يكشف تلابيبه إلا من بعض إشارات رمزية لرسوم تتواجد على جدران الأنفاق، رسوم أنجزت على أنقاض رسوم قديمة (...) وعليها حروف مقلوبة، أو متداخلة، من لغة منسية (ص5)، هذا الوصف الجداري يحيلنا لعملية بالمسيست، حيث كتابة تخفي كتابة، رسوم تخفي رسوماً وإن تم تكشيط بنية الشخصيات فستظهر جذور ممتدة لمكان آخر ولعالم غير موجود البتة رسوم جديدة هي التي سلخت، بشفرات اللون، جلود الرسوم القديمة، عن جداريَّ النفق الكبير. قضمت لبها. أفرغتها . (ص17)، فهنا النفق الكبير إشارة لزمن الكون الذي لا يتوقف بموت أحد ما إن الموتى يعاقبون الزمن (...) أنتم الأحياء من يعاقبون الزمن(...) الزمن متوازن(...) لذلك نعاقبه (ص16). هذه السطور تنبع عن حوار قلق بين الألم ومسألة الزمن، فحتى الشخصيات اللامسماة، العابرون من محطة لمحطة أخرى يقعون في فخ الأخذ والرد بالتساؤل، مما يرسم خطاً عريضاً عن وضع الإنسان عامة وهو محكوم بمسألة الوقت. الوقت الوقت يأخذ أكبر مساحة من رواية السلالم الرملية، فالأحداث كلها بشقيها: المتواجدين في غرب متخيل لا ينتمي لحقيقة الغرب وهؤلاء الستة الذين على الأغلب ينتمون لشعب من المغول، في حالة حركة شبه مستمرة، لا توقف فيها تقريباً وتتخذ يوماً واحداً، الوقت فيها كاهن (ص6)، التكهن بشيء ما محكوم بزمن مغلق، مؤطر بفكرة وصول الأشخاص الستة من جهة واجتماع أفراد أسرة يالوه في جهة أخرى. والقطار هو الحركة الأبدية التي تدير المشاهد وتتوقف عند شخصياتٍ بصدد الصعود والنزول، وهم بالتالي مدانون بمجاراة حركتها اللامتوقفة وصل القطار المبشر باعتراف الكمال بين يديّ الوقت الكاهن. انزاحت الأبواب، بانزلاقة غاضبة إلى جانب هيكله المديد(...) وصل القطار أنيقاً بأبوابه الخجولة في ارتدادها جانباً لينزل النازلون، ويصعد الصاعدون . (ص67) الوقت المعلن والوقت المنتظر لوصول نبي محكوم بفضاء تلك المحطات التي لا يهمنا فيها تغير أسمائها مادام هناك من يصعد فيها ليصل لموعد عشاء مثبت مسبقاً. فحتى لوحات تعيين ساعات وصول القطارات تظهر شيئاً من مراقبة محسوبة لمصلحة فكرة الانتظار. التصنيف الزمني الخاص ب البارحة خطأ اليوم(...) الغد خطأ، سهواً، من أخطاء الغد الذي يليه. الزمن، برمته، خطأ في حساب لن يتم تصحيحه إلا بالنسيان (ص15)، ملازم لسجية الشخصيات التي يحكمها الزمن وتتمسك بوهم أن الزمن متوقف عند تلك المحطات التي لا تتوقف إلا ليصعد فيها احد من المدعوين على العشاء. في ذلك أيضا نوع من العد العكسي للأحداث التي تثير التشاؤم وترفع من درجة قلق الشخصيات. فدورة الزمن في هذه الرواية مغلقة، محكومة بعدم التكامل، ففي مكان آخر حيث الأنفار الستة يعايشون زمناً آخر وقد اتخذوا طريق الصحراء برفقة جمال. الفصول فيها ناقصة، متآكلة الربيع الجديد، وليد الدورة الناقصة (...) حتى يقظته التالية من قيلولة هي صيف وخريف متآكلان، مرتثان، مهترئان من ركل الغبار لأيامها .( ص12) التناقض بين هذين العالمين ربما يرمز لها ب(وها هو نواهين قد اعتلى منصته الصغيرة، ... الذي تقع على جهتيه سكتا قطارين متعاكسين . (ص15)، فالسعة والاتجاه يحكم مسار الزمن وتضاد مسار عالمين ممثلين في الرواية، عالم تتمطى الجمال للوصول وعالم يتخذ القطار، اتجاهان لا تلاقي بينهما، فحتى الجري بين أكيلون وبارسيس مرموزاً بمطاردة بالسهم هي خدعة انتقال أدوات بدائية لها صفة أسطورية في السرعة أكثر مما في التصويب ونيل الهدف. يمكن التنويه بأن تناقض هذين العالمين يكمن بأن راكبي الجمال أكثر واقعية من الراكبين في القطارات، فهؤلاء الأخيرين يعيشون ساعة انتظار قاتلة ابتدعوا بواسطتها فكرة نبي منتظر. الأسطورة هنا تتوسع معناها حين يختلق فكرة نبي في عالم يفترض به العقلانية، ولكن الوهم يسود وتعكس الأمر لمصلحة راكبي الجمال الذين برقعة الشطرنج المحمولة وبطريقتهم البدائية (ولكن طريقة ذات جدوى) في معرفة الزمن والمسافة، يجردون المنتظرين لنبي على العشاء كل صفة واقعية لمصلحتهم، فهم الحقيقة والآخرون نسخ طفرت من الأسطورة. المكان هو الحيز الذي يتحول لمرساة تربط علاقات جماعية نسجت عبر الزمن والطبيعة الخارجية ما هي إلا تسليط الضوء على ذاكرة جمعية غائبة/ حاضرة في الوقت نفسه عند الشخصيات، فراكبو الجمال يصورون كالوجه المستنسخ للآخرين في أنفاق القطار، المنتظر، ذهاباً، دون علامة للإياب، فهناك توجه نحو الهدف انتظار نبي على العشاء والعلاقة هنا تتمحور في مكان مغلق، جرد من الذاكرة والزمن هو وحده زمن متحكم به من قبل القطارات المتشابكة السكك، تتوقف في حالة مدروسة، جامدة لا ديناميكية فيها، لتلتقط من بين العشرات، ذلك الذي ينتظر بلهفة للصعود ثم الوصول. هناك تقطيع متخذ صفة مونتاج سينمائي تتركز على اتخاذ اتجاه واحد وتقطيع المشاهد المتتالية. ففي كل مشهد حيث يعنون الفصل بلغة أجنبية متخيلة، لا صلة لها بلغة حقيقية، تركز على شخصين أو واحد من أفراد أسرة يالوه ولا نعرف شيئاً عن ماضيهم وسوابقهم بصورة كافية للحكم عليهم، فاللغة غير مدركة والشخصيات تشك حتى بلغة النبي المنتظر بأية لغة سنكلم النبيِّ القادم إلى عشاء يألوه أبي؟ ( ص64). وهذا في ذاته نقطة أخرى تضيف الغموض على الشخصيات وكأنهم رمي بهم من فوهة ما دعمتها نسج أسطورة الولاء للغيب، لنبي غائب وحاضر بشكل مطلق في فكر وإيمان تلك الشخصيات. فلحظة الظهور هي لحظة بدء الحدث نفسها: بحث، ترقب، انتظار، شيء من البلبلة المصادفة في النفق، مجيء المترو، صعود، ذهاب، لا أثر لوصول فعلي. تنتهي تلك المشاهد من أنفاق القطار على مشهد داخلي في بيت يالوه، شخصية محورية بطريركية، حيث مجموع الأفراد يظهر وبهذا تم تقطيع المشهد الفعلي من لحظة صعود القطار ولحظة الظهور في البيت حيث تمثل اختصاراً بالوصول المضمر. المشاهد أو الفصول المعنونة بالعربية تتناوب مع تلك المكتوبة بلغة أجنبية، العناوين باللغة العربية كونكريتية، مفهومة، تعبر عن صفة الفصل المتداول، بعكس العناوين بالكتابة اللاتينية، فهي لا تنتمي للغة موجودة، فالقارئ العربي لا يلم بمثل تلك الحروف الأجنبية، لذا لا تدل على شيء ولا يمكن فهمه أو معرفة السلالة التي تنتمي لها، ليضفي ذلك صفة أكثر غموضاً على الأحداث. فنحن ندخل الفصل دون معرفة معناه، ولكن نخرج لنبدأ فصلاً آخر معنوناً، له دلالة تطور الحدث الذي يأخذ مساره المرسوم، الخط الآخر الموازي لهذا العالم، هو رحلة الأنفار الستة، فهنا ليس المهم تقديم ذلك العالم على أنها عالم مخصي من خلال شخصيتيّ تالماجور وباكلبا، بل الزمن هو المحور والمكان لعبة لا تقل أهمية عن رقعة الشطرنج المحمولة معهم، ما الشطرنج؟(...) الاحتكام إلى اللامتوازن. التبعية للغضب. اللا نجاة. دخول إلى الحصار بلا أمل للخروج منه. الشطرنج إقامة في المهجور، الذي لا تعرفه حروفك اللقيطة، يا بيغون . (ص36-37)، رقعة استعارية لتمثيل المكان بها وتوجيه مساره الزمني في الآن نفسه، في لعبة رياضية دقيقة ومحسوبة وهي الجانب المضاد للقدرية. الاستيلاء على الشطرنج، فقدان سلالم الوصول وإنهاء اللعبة بشكل كلي نقل الرجل الطويل بصر عينيه المشقوقتين عيني أمم الريح إلى صندوق الشطرنج (...)، لا تسلبونا متاعنا هذا، بحق المغيب عليكم(...) أعيدوا إلينا متاعنا، أو اقتلونا (...)، لا نقتل من لم يتدبر لأنفسهم نبياً بعد. اختبلت النظم الصغيرة في صحراء لوكهين، وأغمي على النظم الكبيرة .( ص120). بالمقابل، فالأيام والسنين في ذلك العالم المواكب على ظهور الجمال، مقاس بدورة الشمس والقمر وشدة عزوف الرياح أبدى بالبور القصير (...) استياءً وهو يشد خطام جمله ليوقفه: دعونا من الخصى، يا عقلاء الصدوع. في أعمارنا تذبل الخصى كبعرة الماعز بين أرجل الخنفساء. كم هي أعمارنا؟ ساءلهم بعينيه المختبئتين في ثلمين معتمين . أتريد معرفتها بدورات الشموس، أم الأقمار؟ أم بعدد الرياح المكتملة العزيف؟، رد تاهشين . (ص 25). الشموس والأقمار بصفة الجمع، تفقد معناها كظاهرة طبيعية يصاحبها الغموض وتتحول لرمز له دلالة تلخص ذاتها بالزمن المتعاقب النهاية/ البداية، الماضي والحاضر والقادم في علاقة يتوخى منها المنطقية. فالشمس والقمر بالمفرد تصوير عادي إن لم يصاحب بما هو مكمل لدلالته من خلال الاستعارة اللغوية والصورية. وهنا الجمع نقلة حاسمة من الواقع، حيث شمس واحدة وقمر واحد، لعالم متخيل يكمن فيها الحلم بوجود شموس وأقمار فيجرد بركات ثوبها الواقعي ويلبسها الحلم الممكن. تاهشين هو الدليل الذي يملك المسافة، بمعنى ما فهو الذي يقود ويعد الوقت بعدد الغروب الممضي كم غروباً قطعنا من السهوب؟ خمسة؛ ستة؟ تساءل تالماجور الأعرج. (...) أنت دليلنا، أيضاً، يا تاهشين. ألا ترى خللاً في سيرنا؟ (...) لم أعبر السهوب صوب جبال كاكونت منذ سبعة رياح مكتملة العزيف. كلما كبر الأدلاء، وشاخوا، يابلبور العزيز، غدت المسافة أكثر فتوة: تتمطى؛ تضاعف نفسها؛ يلد من الشبر الواحد خمسة أشبار . (ص26). الشخصيات في هذا العالم يستطيعون توجيه أنفسهم وهم ليسوا عاجزين، غير أنهم بمعونة عوامل خارجية يتخذون وجهتهم وهذا لا يقلل من شأنهم كتشكيلة بشرية تؤمن وتقتنع بما تملكه بين أيديها ولا تنتظر أكثر ولا تطمع في أكثر. يمكن اعتبار الصحراء فراغاً بالمقارنة مع المدينة، حيث قسوة الحياة تشد من حدة الحدث الجوهري المرتقب. الاتصال والقطع التراوح بين مكانين حالة ترتبط بالزمن الذي يمثل الاتصال والقطع، حتى الشخصيات من حيث الأسماء المسماة بها تتدفق منها الضبابية، أنهم متخيلون، هلاميون، سراب كأجواء غير مستقرة ومتوهمة في صحراء تستنفد قوى تلك الشخصيات وتقوقعها في مكان يبدو شبه متذبذب. شخصيات بركات عموماً لا تتأقلم مع المكان، فهي في انتقال رمزي وترحال إجباري تفرضه نفس مغتربة عن ذاتها. وجود الرسام في الأنفاق ومجادلة الشخصيات حول مدى صحة رسم أحدها أو رسمها على مراحل يتمم في كل مرة جزءا من الشكل، صيغة أخرى من شخصية المؤلف المقتبس الذي يرسل إشارات مضمرة عن تمثيله نفسه من خلال شخصياته، وإن كانت امرأة. فالمؤلف يكمل العمل الروائي بمراحل ويعطي النسخة النهائية للطبع والنشر. فالحوار بين هيدجيرا وسالوميا حول الرسام ومع الرسام نقطة ارتكاز مهم حول العمل المنجز ربما يرسم الأشخاص على مراحل، اليوم جزء من الوجه، يليه جزء آخر في اليوم التالي(...) لماذا ترسمني؟ قالت هيدجيرا بصوت تشنج وتره، فردّ الكهل: هذا جزء أول منك، الجزء الأول الذي يشبهني . (ص51-57). الجزء هو جزء من الكل فكي يتمم اللوحة يفترض تكملة الأجزاء الأخرى. ولإعطاء بعد أكثر شراسة من وجهة نظر بعيدة عن المؤلف، فإن حوار الأختين تستمر لدرجة نعت سالوميا أختها هيدجيرا بأنها تستعير لسان المهرج (ص53) فالمهرج أداة مرح وتسلية ولكن أداة تورية أيضاً، فهو يتمكن من إخفاء الشكل، الحركة، اللغة وحتى الصوت للتضليل والتوهم وثم ارتباطه بالأصل وكأنه نسخة من البشر وليسوا حقيقيين، بهذا المعنى هو استعارة من الواقع ولكن لا ينتمي للواقع. فالشخصيات هنا بجانب صفة غرابة وغموض تكتنفها جميعاً دون استثناء حالة تجريد شخصي وتشريد غريزي عن المكان، فالذي يبهر في هذه الرواية هي لعبة المعرفة بالوقت! الشخصيات تتصرف حسب وقت تحكمها وتعرف بالتحديد أن دورها مرسوم بشفافية كبيرة تجعلها عبثية، مدركة أن لا أحد منها يمثل البطل الحقيقي للرواية فالكل ينتهي دوره بمجرد انتهاء الفصل والبطل الحقيقي هو النبي المنتظر على العشاء، والذي لن يظهر أبداً في الرواية. فكل عناصر السرد تتوجه في وجهة واحدة، بخط أفقي، بشقيّ السرد، الرجال في الصحراء وأفراد أسرة يالوه الذين يدخلون المشهد كما فوق خشبة مسرح بمجيء القطار ينتهي المشهد وتسدل الستارة. المكان إطار مادي حيث تدور فيه الأحداث ويلزم به تواجد الشخصيات، فبهذا المعنى المكان يتحول لمرساة علاقات جماعية والطبيعة فيها هي التصوير الذي يلقي الضوء على الذاكرة. ذاكرة جماعية في دأب البحث عن المعنى، أكثر مما هو ظاهر في انتظار نبي. لماذا تختلق الحاجة لنبي؟ هناك جري ماراثوني للوصول للهدف وأنفاق القطارات تتحول لبقعة جغرافية غير محددة إلا بصفتها كنفق. نفق ينتظر منه أن يؤدي لمكان معين، لشخص ننتظر منه صدمة اللقاء، لنبي مختفٍ ومتستر في ثوب هذيان الانتظار. كل شيء يتأخر، حتى لا يقدم اللحظة، حيث لا لحظة حقيقية أصلاً، بل افتراضية يسوق وهم الشخصيات لتتأكد فيما بينها، إنه لا نبي حقيقياً، ربما أب بطريركي في ثوب نبي، ينتظر جمع شتات أفراد أسرة غريبة التكوين. قلبك أجر متأخر؛ قطار متأخر؛ وجود متأخر؛ حكمة متأخرة؛ حصاد متأخر... (ص90). (كاتبة عراقية)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة