حينما اغتيل يوليوس قيصر، سارعت الغوغاء إلى الشوارع تفتش عن القتلة. بحث الحثالة عن كل من يشك به. شاهدوا الشاعر سينا واقفاً. صرخ أحدهم إنه أحد المشاركين. استنكر سينا ذلك ورد عليهم بأنه شاعر! هتف آخر اقتلوه إنه شاعر رديء! العراق يخلو من أسلحة الدمار الشامل! وليس لديه علاقة مع القاعدة! شنق الديكتاتور. أبيدت الدولة. انتهك الجميع. لا بد من تقسيم العراق. إن العراق شاعر رديء. كان عام 1915 هو الذي بدأ فيه عملياً رسم الخرائط في المنطقة التي سميت بالشرق الأوسط. ولأن الإنكليز كانوا منذ القرن السابع عشر قد وجدوا في العراق الممر الأساسي الاستراتيجي إلى الهند، وعبر الخليج العربي، فقد ارتسمت في أذهانهم العلاقة المباشرة والوثيقة بين الخليج العربي من جهة والعراق و الدول المحيطة به من الجهة الثانية. وفي أواخر القرن التاسع عشر حين تفرغ الكابتن البحري الأميركي ألفرد ثايرماهاك لدراسة الخليج العربي، أطلق لضرورات طوبوغرافية سياسية على المنطقة الممتدة من افغانستان إلى العراق بالشرق الأوسط . ويؤكد مايكل بالمر مؤلف كتاب حراس الخليج أن ونستون تشرشل هو الذي وسع هذا التعبير ليمتد ويشمل مصر! كان الاحتلال البريطاني للعراق مرتبطا مباشرة باندلاع الحرب العالمية الأولى. وعين العقيد أرنولد ويلسون حاكماً عسكرياً عاماً للعراق وكلف برسم الخريطة الجديدة للعراق. كان ويلسون يعتقد من خلال ثقافته اليونانية بأن البصرة هي سومر القديمة. لذلك قرر أن تأخذ بريطانيا البصرة وتضمها إلى الهند، وأن تترك ولايتي بغداد والموصل إلى السلطنة العثمانية. وبادر السير موريس دي بونسين إلى تشكيل لجنة وزارية في لندن لتأكيد هذا الموضوع ورسم خريطة بذلك. كان ويلسون يريد البصرة أن تكون مثل بورما! جزءاً من الهند! عبد الطرق ونظف الأنهار وجمع الضرائب وربط المحاكم الإسلامية مع الهند. لكن أنباء هذا العام كانت سيئة جداً عسكرياً. انهار الجيش الهندي على أعتاب الكوت، ومات قائد البعثة تاونسند، وتبع ذلك هزيمة شنعاء في معركة غاليبولي. تقاعد على أثر ذلك وزير الخارجية الليبرالي أدوارد غراي وانتقل ملف السيطرة على العراق إلى الحديقة الخلفية لداوننغ ستريت حيث يسيطر رئيس الوزراء اسكويث، كان في هذه الحديقة مجموعة من مثقفي المستعمرات، في مقدمتهم السير مارك سايكس، هذا المتعجرف يمقت الشرق وشعوبه ويكن الود الخاص لليهود، وقد وصف العرب في كتابه (دار الإسلام 1904) بأنهم جبناء، مرضى قراءة الشعر، وجاهزون للشغب والفوضى ويكرهون الغرب! وكانت المراسلات بين الإنكليز والشريف حسين بن علي قد وصلت إلى الذروة. كان الشريف يريد العراق! لكن بريطانيا رفضت ذلك بوضوح. وكان التبرير بأن العراق بحاجة إلى إدارة خاصة. في مطلع عام 1916 التقى سايكس مع نظيره الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والروسي سازانوف ليوقعوا اتفاقية (سايكس بيكو سازانوف) الشهيرة وليتقاسموا جلد الدب العثماني قبل اصطياده! وشدد سايكس على ضرورة أن تبقى القدس والمناطق المحيطة بها تحت الإدراة العالمية وأن يصبح اليهود جزءاً من الشرق المحتل. والدراسة القانونية الفريدة للضليع الفلسطيني موسى المزاوي تؤكد أن هذه التقسيمات هي جزء من مفهوم الملكية العقارية الكولونيالية والتي هي مكملة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً للنظام الاستعماري العالمي وإعادة تقسيم الكوكب. بعد الاتفاقية وبداية ما يسمى بالثورة العربية، دخل لورنس إلى الصورة الجديدة. واقترح فوراً على المكتب العربي في القاهرة تقسيم المنطقة إلى ثلاثة أقسام: العراق الأسفل، العراق الأعلى، وسوريا. ويحكم هذه المقاطعات أولاد الشريف حسين بالترتيب: عبد الله، زيد، فيصل. ويبقى الشريف حسين ملكاً على الحجاز. تغيرت الأمور بعد الحرب بصورة دراماتيكية. استرجع الإنكليز الموصل من الفرنسيين، لقاء حصة 75,23? من نفط الشركة البريطانية التركية. وطويت كل المقترحات السابقة، وتنصلت بريطانيا من عهودها إلى الشريف حسين. وتعاون ويلسون مع لورانس في ضرورة أن يكون العراق شيئاً ما!! وحين عرف الأميركيون بتفاصيل الاتفاقية التي فضحها البلاشفة حين استولوا على السلطة عام ,1917 اعترضوا على هذه المستعمرات الجديدة! وكتب العقيد أدوارد هاس مرافق الرئيس الأميركي وودرو ويلسون: إنهم يصنعون الشرق الأوسط أرض تفريخ للحروب القادمة! بادر أرنولد ويلسون إلى استعمال قوائم دافعي الضرائب العثمانية في العراق لتحقيق تصويت غريب! هل يبقى العراق محمياً بواسطة بريطانيا؟ أو يخضع إلى نظام مغاير؟ صوت عرب العراق على بقاء بلدهم تحت الحماية البريطانية! دخلت الآن الآنسة غرترود بل إلى الصورة. وكانت تحمل أفكاراً خاصة حول كيف يصبح العراق شيئاً ما! كانت قيادية يخضع الجميع تحت إبهامها. كان مارك سايكس عدوها الخاص فقد كانت على الأقل تحترم العرب!. أقنعت مس بل لورنس باندماج الولايات العراقية في إطار جغرافي سياسي واحد. في نظرها، وبعد أن أنشأت المتحف الوطني العراقي، بأن العراق هو الدولة الوحيدة الذي تم تشييده بعد متحفه الوطني! وفي عام 1920 اندمجت شركة ماكانزي مع شركة لينش أخوان وشكلوا ميس بيرس، أي شركة الرافدين فارس. وبسرعة قياسية أصبحت استثمارات الشركة في بغداد تعادل ذلك في البصرة. مما جعلها تفقد فرصها المحلية، حيث استولت شركة أميركية، هيلس بروذرز، على تجارة التمور هناك. ونتيجة منافسة الحكومة في سكك الحديد، انهارت نشاطات الشركة النهرية. من الجلي أن الفعاليات العامة ذات الطابع الإمبراطوري أقوى من النزعات الإقليمية والمحلية. إذ كان القنصل البريطاني في بغداد، قبل الحرب، يزود الدولة العثمانية بكل ما تريد من الهند. كان يعتقد بأن المهم هو التعاون من أجل تنمية القوة الشرائية بالتوازي مع فتح خطوط الملاحة الجديدة، وتحديداً مشروع جورج كورزون في شط العرب. كان يصرخ بأن تربط المدن العراقية، ومنها بغداد، مع شط العرب، وبعد ذلك إلى الخليج، حيث تشيع الازدهار في شركات القطن في لانكشاير والمصانع الهندية. وساهمت ماكنزي أيضاً في مشروع نهر الكارون، ولها دور مهم في استكشاف المناطق الفارسية الجنوب غربية. إن تردد ماكنزي خلق لها مشاكل جمة. وكانت هذه الشركات تثق بالسياسات العامة للحكومة البريطانية وقدرتها على تلبية مصالحها الاقتصادية وتحقيق الاستقرار السياسي في المنطقة. لكن ذلك لم يحدث أبداً. هكذا شكلت ثورة 1920 ضربة قاصمة لطموحات هذه الشركات. كان قانون التطور المشترك، قانون ذاتي ينبع من التخطيط الاستعماري الخاص، هو الذي فرض على هذه الشركات عمليات الاندماج والتخلي الرويدي عن مراكزها المحلية. ولأن النتائج أصبحت لاحقاً ذات طابع عراقي على جانب من شط العرب، وفارسي على الجانب الثاني، فإن القانون الموضوعي، التطور المتفاوت، هو الذي حمل على عاتقه كل الصراعات الجيوسياسية اللاحقة ولا سيما بعد الدخول في الحقبة النفطية، وتحول البصرة إلى التوأم الند لعبادان في المسيرة الجيونفطية الدامية. في آذار عام 1921 عقد مؤتمر القاهرة، ليقرر فيه برئاسة ونستون تشرشل وبالتعاون مع برسي كوكس مس بل لورنس وضع العراق، المنتدب بريطانياً من قبل عصبة الأمم، تحت نظام ملكي دستوري يحكمه فيصل الأول. تم العفو الشامل عن الثوار، ما عدا الشيخ ضاري وصحبه، وأخذ قرار تسفير طالب النقيب، الطامح إلى عرش العراق من خلال زعامته البصرية إلى الهند، ثم القضاء على رغبات الشيخ خزعل في حكم البلاد، وألقي القبض عليه أيضاً. وكتب شاس ويلس رئيس شركة ميس بيرس، أن الحكومة المركزية العراقية الجديدة قضت على أحلامنا البصرية! إن الأهمية الآن للقطر الموحد! التاريخ يعيد دورته الآن. فالعراق أصبح محتلاً من الناحية الفعلية منذ الحصار عام .1991 وشط العرب، الشريان الأساسي للمنطقة عانى كثيراً! في الحروب والحصار والاحتلال. إنه ديلتا ضخمة تشرف على النفط والنخيل. يمتد من القرنة إلى المصب في الفاو على الخليج العربي لمسافة 190 كم. تآكلت جوانبه الآن وغرقت فيه ملايين الأطنان من الحديد. موانئ الشط الآن مهدمة ومهجورة الا من العصابات الطائفية المسلحة والشركات الأمنية وحثالات النهب والتهريب، ولا سيما ميناء أبو فلوس الشهير. ويشكل ميناءا البصرة وخور العمية أساس تصدير النفط العراقي إلى الخليج. أما الشاطئ الإيراني من النهر فإنه يبدأ من جزيرة أم الرصاص، 30 كم جنوب البصرة، ويقابلها ميناء المحمرة الإيراني، ويستمر حتى رأس البيشة، قرب الفاو، حيث ينتهي الشط. خط الثالوك الدولي هو الفاصل بين الملاحة العراقية والإيرانية ضمن اتفاقية الجزائر الجائرة عام 1975 والتي تنازل فيها النظام السابق الكثير إلى نظام الشاه. وبسبب الطمي والترسبات الكثيفة في نهر الكارون وترعة بهمشير، فقد أدى ذلك إلى انحراف المجرى الأدنى لشط العرب في منطقة المصب بزاوية حادة باتجاه خور عبد الله. وهذا يجعل ميناءي البصرة وخور العمية يزحفان باتجاه الجانب الإيراني من الشط. لقد بذلت جهود سابقة لحل هذه الأزمة القاتلة. لكن الحصار الظالم والحرب والاحتلال أوقفت كل هذه الأهداف التي كانت ترمي إلى ربط ميناءي البصرة وخور العمية النفطيين بالساحل العراقي في منطقتي الفاو ورأس البيشة. إن حادثة احتجاز البحارة البريطانيين المثيرة للجدل من قبل قوات الحرس الإيراني، أعادت مرة ثانية مسألة تقاسم المياه في شط العرب من جديد، وطرحت أهمية وجود اتفاقيات بحرية لتحديد المياه الاقليمية بين العراق وإيران والكويت. وغني عن البيان أن البصرة منذ عام 1936 أصبحت من المدن النفطية الهامة في العصر الحديث. والأطماع الإيرانية باتت جدية للعيان. حتى أن الخرائط الإيرانية تشير إلى شط العرب باسم إيراني جديد هو نهر اروند ! والقنصلية الإيرانية في البصرة هي التي تحكم البصرة في كل شيء. والأحداث الأخيرة في البصرة تؤكد أن الصراعات المسلحة القائمة هناك هي مؤشر مركزي حول إمكانية اندلاع الحرب الشاملة، لا سيما بعد تصاعد التوتر المسلح على الحدود التركية العراقية والقرار الرسمي للبرلمان التركي باجتياز الحدود العراقية. الاحتلال الأنكلوأميركي في البصرة يبذل الطاقات من أجل إغراق النفوذ الإيراني هناك في مستنقع الصراع المسلح ذي الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المركبة. والاحتلال الأميركي بدأ بتسليح العشائر العربية أيضا فارضاً أجندة جديدة عنوانها: أن الخطر الإيراني الداهم هو الأكثر أهمية من الاحتلال الأنجلوأميركي. وأن القضية المباشرة الآن المطروحة هي التصدي لمشروع المجلس الأعلى حول إقليم الوسط والجنوب والذي جاء متناغما مع قرار الكونغرس الاميركي بتقسيم العراق ومترافقا مع التهديدات التركية بالغزو وإصرار حلف ميليشيات الدعوة بدر على الاستمرار في التطهير الطائفي المسلح في بغداد، وتصعيد الهجومات المسلحة في المناطق الوسطى والجنوبية والمحاولات المبذولة من أجل السيطرة على محافظات كربلاء والنجف والبصرة وتصفية التيارات الشيعية المعادية لحكومة الاحتلال والنفوذ الإيراني هناك من أجل الهيمنة على المرجعية والنفط. ([) سياسي وكاتب عراقي