As Safir Logo
المصدر:

سبتة ومليلية

المؤلف: سعادة وسام التاريخ: 2007-11-07 رقم العدد:10845

لن تجد نفراً واحداً من أهل سبتة ومليلية تمكنه المصادقة على المطالبة المغربية باسترجاع المدينتين. يجمع على ذلك أهل سبتة ومليلية بصرف النظر عن اختلافاتهم الدينية، اذ يتوزعون بين مسيحيين ومسلمين ويهود سفارديم وهندوس، وعرقياً بين ايبيريين وأمازيغ. ما يسعى إليه أهل سبتة ومليلية هو المزيد من الادارة المحلية الذاتية لمصالحهم، اذ أقرّت اسبانيا للمدينتين عام 1995 ما يرضي خصوصيتهما التجارية والكوزموبوليتية فجعلتا في مرتبة وسطى ضمن الفدرالية الاسبانية. بيد أن أهل سبتة ومليلية يعملون أيضاً لأجل تكريس الانتماء لاسبانيا، ومن خلالها للاتحاد الأوروبي، ففي ذلك الضمانة للديموقراطية القائمة في المدينتين، وللعمل الجاري على تقليص الفوارق الاقتصادية بين المجموعات العرقية المختلفة، كما أنها الضمانة لخصوصية كل منهما، على تباعد موقعهما، فسبتة مدينة واقعة في محاذاة الساحل الشمالي الغربي للمغرب، وعلى بعد 15 كيلومتراً من السواحل الأندلسية. أما مليلية فواقعة في أقصى الشمال الشرقي للمغرب. ليس من الدقيق اذاً تصوير مشكلة سبتة ومليلية في العام 2007 على أنها مشكلة محض استعمارية ، وأن زيارة العاهل الاسباني استفزازية فقط. فمثل هذه الأحكام السريعة لن تصدر إلا على قاعدة اسكات ارادة سكان سبتة ومليلية أنفسهم، بمسيحييهم ومسلميهم. ثم أنه، أعجبنا الأمر أم لم يعجبنا، فان أهل مليلية تحديداً، هم أكثر يمينية من اليمين الاسباني نفسه. من هذه المدينة انطلقت حركة الجنرال فرانكو وصولاً الى مدريد. وفي هذه المدينة ينال اليسار أدنى نتائجه الانتخابية مقارنة باليمين. كما لا يعود التاريخ الاسباني لسبتة ومليلية الى حقبة الاستعمار الاسباني للريف المغربي، كي يكون بالإمكان القول بأن الحق في استرجاعهما هو من صلب حق الشعوب في تقرير مصيرها. فمنذ عام 1415 حكم البرتغاليون سبتة، وعندما رزحت البرتغال تحت الوصاية الاسبانية في نهايات القرن السادس عشر انتقلت السيادة على سبتة الى اسبانيا. حتى اذا عادت البرتغال فاستقلت، كان شرط عهدة الاستقلال، أو معاهدة لشبونة في العام ,1668 اعتراف البرتغال بحق اسبانيا في سبتة. ويوم حاول مولاي اسماعيل من السلالة العلوية الشريفية فتح سبتة أسوة بمدن أخرى، قاومته المدينة، وتحطمت محاولاته عند أسوار قلاعها. كذلك فشلت بريطانيا العظمى في احتلالها، مع أنها نجحت في جبل طارق. تعتبر اسبانيا المعاصرة أنها معنية بالانسحاب من كل بقعة استعمرتها في الشمال المغربي، بعد فرض الحماية الفرنسية الاسبانية بموجب معاهدة ,1912 ولا يسري ذلك على مدن تعود السيادة البرتغالية أو الاسبانية عليهما الى ما قبل العصر الحديث. فاذا اعتمد المعيار المغربي لاسترداد سبتة، وهي الواقعة تحت حكم الايبيريين منذ مطلع القرن الخامس عشر، يمكن اعتماد المعيار نفسه للمطالبة باستعادة العرب لغرناطة والأندلس. ولئن كان صحيحاً اليوم بأن الرأي العام المغربي، والجمهور الفتي في منطقة الريف تحديداً، تنتابه موجة غضب غير مسبوقة مع زيارة العاهل الاسباني لمدينتين تخضعان لتاجه، فإن كل مواطن مغربي مأخوذ على حدة، سيتمنى لو يصير بقدرة قادر مواطناً كامل الحقوق في سبتة أو في مليلية، أي في الاتحاد الأوروبي. أهل المغرب مجتمعين يريدون سبتة ومليلية. أهل المغرب مأخوذين فرادى يريدون أن ينضموا هم الى سبتة ومليلية. مدينة مثل طنجة كانت لا شك تتمنى لو أنها كانت ثالثة سبتة ومليلية. وهي كما يخبرنا بن جلون في رواياته تحترق أعصاب فقرائها وهم ينظرون الى الجنة التي تتلألأ أضواؤها من مدينة طريفا الاسبانيا التي تقابلهم. طبقاً للقانون الدولي ثمة مناطق غير مستقلة في انتظار جلاء المستعمر ، وهذه تحددها لائحة دولية تعدّدها، تضم مثلاً كاليدونيا الجديدة، والجزر العذراء وجزيرة سانت هيلانة، وجزر المالوين. لكنها لا تأتي على ذكر سبتة ومليلية، مع أنها تشير الى جبل طارق والصحراء الغربية. بخلاف سبتة ومليلية، فقد أدرجت الصحراء الغربية في هذه اللائحة بطلب من المغرب عام .1963 أما سبتة ومليلية فلم يصر الى اعادة تحريك قضيتهما الا على سبيل المناورة السياسية إبان المسيرة الخضراء التي أطلقها الملك الراحل الحسن الثاني في 6 تشرين الثاني ,1975 لأجل استعادة الصحراء الاسبانية، ما أسفر عن اتفاقية مدريد القاضية بنقل السيادة على الساقية الحمراء للمغرب، وعلى وادي الذهب لموريتانيا، وكان ذلك في آخر أيام الجنرال فرانكو الذي فارق الحياة في 20 تشرين الثاني من العام نفسه. لم تكن سبتة ومليلية، من يومها، إلا ورقة تستحضر للضغط على اسبانيا والغرب لتمرير الموقف المغربي بصدد الصحراء الغربية. حناجر فقراء الريف المغربي تهدر وتحطم بوابة حدودية هنا أو هناك. أما أنظار المخزن المغربي فتبقى مسلّطة على الصحراء الغربية وقضيتها، ولا تستحضر سبتة ومليلية الا لأجل فرض السيادة المغربية على كل من الساقية الحمراء ووادي الذهب.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة