As Safir Logo
المصدر:

<كومبارس> لهيفاء بيطار قصص تكاد تكون أفكاراً

المؤلف: كحال لمى التاريخ: 2007-11-03 رقم العدد:10842

سدد الكاتبة السورية هيفاء بيطار في مجموعتها القصصية الأخيرة بعنوان كومبارس الصادرة عن دار الساقي ، ضربات موجعة معتمدة الجرأة في البوح من جهة، والأناقة في التعبير من جهة أخرى. فقد اختارت بيطار الوقوف وجهاً لوجه أمام سلوك المجتمع العربي المتخلف، مطلقة العيون الشاخصة على النفس الإنسانية المتألمة الخائفة والمتمردة، وموجهة السهام النقدية على مجتمع فاسد يجاهر بأفكاره البالية. وكما قال الكاتب الأميركي أرسكين كالدويل إن هدف رواياتي التي كتبتها هو أن أقدم مرآة ينظر فيها الناس ، فإن بيطار أيضاً قدمت في كتابها مرآة تظهر التشوه البالغ في المجتمع، وتظهر كمية الدمار الداخلي المعشش في نفوس البشر، وكم الذل والإهانة الذي يتعرض له الإنسان. ثنائية الجلاد والضحية إن ثنائية الجلاد والضحية هي العنصر الأساسي في القصص الست عشرة في كومبارس . وحتى غلاف الكتاب، استطاع أن يجسد هذه الثنائية، من خلال التباين الحاد بين اللونين الأبيض والأسود، يخترقهما الأحمر، لون الدم أو الغضب أو التمرد أو الحقد أو حتى الحياة. ولكل بطل من أبطال القصص سببه في حالة الهستيريا والهذيان التي يعاني منها. قد يكون المجتمع هو المسبب حيناً، وقد يكون الإنسان جلاد نفسه حيناً آخر. وللحظة، نجد أن هيفاء بيطار قد نصبت نفسها محامية لكل مظلوم معلنة الحرب الجريئة على الظالم. القضايا المطروحة في كومبارس كثيرة وشديدة الواقعية، لا يشعر من خلالها القارئ بالمفاجأة، لأنها تشبهه، أو تشبه الآخرين حوله، كما تنبع من محيط يعرفه تمام المعرفة. في الواقع، إن ما تحتويه صفحات كومبارس هو مجموعة من القضايا والأفكار أكثر من كونها قصصاً، أرادت بيطار أن تجسدها من خلال شخصيات مبتكرة تشبه أبطال الواقع. ومن القضايا المطروحة، المجتمع الذكوري، الذي يبلغ أقصى تطرفه في قصة ليلة الدخلة.. والمصباح الكهربائي ، حين يطلب العريس من عروسه في ليلة الدخلة ، وهو يحمل مصباحاً كهربائياً، فحص بكارتها ليتأكد من أنها غير مزيفة. كما تطرح مسألة السجن السياسي، والنفاق الاجتماعي، والأفكار الموروثة، وتحكم ذوي السلطة والنفوذ بالناس، والفقر. ومن القضايا أيضاً رفض الزواج من دين آخر، واندفاع الرجل نحو المرأة بمجرد الدافع الجنسي وهوس الشهوة الذي يحركه لامتلاكها. والفكرة الأبرز التي طرحتها الكاتبة هي تحكم الطبقة الحاكمة بالناس وكمية القمع والظلم والاحتقار الذي تمارسه في حقهم. المباشرة في البوح على صعيد الأسلوب وطريقة العرض، لا تحاول بيطار المراوغة، بل تقوم بإظهار المشاكل والقضايا ومكامن الخلل بشكل مباشر وبدون زينة أو تمويه. تتضح معالم الشخصية الرئيسة والحدث الرئيس في الأسطر الأولى من القصة، فيغيب بالتالي عنصر الغموض أو اللغز، ويتوصل القارئ إلى فهم فضاء القصة والمغزى الذي ترمي إليه، منذ البداية. إلا أن تقديم الفكرة بوضوح منذ البداية لا ينفي عن القصص صفة الجذب. فالجمالية في هذه القصص تكمن في سخونة القضايا المطروحة وفي الشخصيات والمشاعر الشديدة التطرف التي أرادتها الكاتبة لتنتهك بها المنظومة الاجتماعية الضعيفة، ولتنتهك بها قيوداً تكبل العقول المتحجرة في المجتمعات العربية. وتتجنب الكاتبة الوصف الساكن في بدايات القصص، مستبدلة إياه بالحركية التي تترك أثراً طيباً لدى القارئ. بالنسبة إلى المكان الذي تدور فيه الأحداث، فقد حددته الكاتبة في عدد من القصص، وهو سوريا، بينما تعمدت عدم ذكره في قصص أخرى. فالأمكنة المذكورة في هذه المجموعة القصصية تشبه عدداً من الدول العربية، ويمكن لأي من هذه الدول أن تدّعي شرف اقتنائها للآفات والمشاكل المطروحة في القصص. ومن بين هذه القضايا، مسألة الاعتقال السياسي. ومثال على ذلك، ما تذكره الكاتبة في قصة بين الألف والياء ، بقولها: بلد يمكن أن يغيبك في السجن طوال حياتك أو يسحقك كحشرة بمجرد أنك تفكر بطريقة مختلفة عما يفكر فيه هؤلاء الذين يدعون شرف حماية البلد . الشخصيات المنبثقة من الواقع تناولت الكاتبة الشخصيات بأبعاد مختلفة أبرزها الأبعاد النفسية والاجتماعية، من دون أن تبخل على القارئ بتقديم وصف خارجي للأشخاص. ويتسم عدد كبير من الشخصيات في القصص بالتمرد، حتى يشعر القارئ أن هذا التمرد المنبثق من الغضب، والمتولد بدوره من الظلم، قد انتقل إليه. هذه الشخصيات المتمردة تأبى بيع كرامتها مهما كان الثمن. إلا أن بعض الشخصيات الأخرى تبقى مستسلمة لوضعها، مثل يوسف بطل قصة كومبارس الذي يجسد الإنسان الذي يولد ويموت على هامش الحياة. فهو يعمل كومبارساً على الشاشة... وفي الحياة. هذا التناقض في الطباع بين أبطال القصص، مستمد من الواقع، حيث نجد في الحياة من يأبى الرضوخ، ومن يعيش حياته بأسرها متعايشاً مع ذله. ويتميز الأسلوب القصصي بالقدرة على رسم التطور النفسي للشخصيات. فالكاتبة تعرف شخصياتها جيداً، تعرف كل ما يعتمل في داخلهم من مشاعر وأفكار، كما أنها تدرك جيداً ماضي هؤلاء والخلفية الاجتماعية والثقافية والنفسية التي ينحدرون منها. وبالتالي، فنرى أن الكاتبة، بواسطة الراوي، هي التي تحرك الشخصيات، وتحدد انفعالاتها وتصرفاتها. وهي التي تفسر للقارئ الأفكار التي تدور في بال الشخصيات مقدمة وصفاً دقيقاً للمحيط الذي تعيش فيه الشخصية. أما بالنسبة إلى الحوار، فهو قليل نسبياً في القصص، وكأن الكاتبة تفضل أن تبوح بنفسها عن مكنونات أبطالها، لكي تحرص على إعطاء المواقف حقها. تظهر أناقة الأسلوب وجمال اللغة التي استخدمتها بيطار، رغم استعمالها الجمل الطويلة المقطّعة بالفواصل. فالأسلوب السهل والمتين في الوقت عينه، يرقى إلى مستوى الموضوع المطروح، ليصبح عنصراً أساسياً من عناصر تكامل القصة. إن عدم تعدد الشخصيات والأمكنة، ودقة رسم فضاء الرواية ساهما في وحدة الانطباع الذي يتولد لدى القارئ أثناء قراءة القصة الواحدة. ورغم أن المغزى الذي تريده الكاتبة يتفجر منذ بداية القصة، إلا أن الجمل الأخيرة تأتي كسكين، تطعن القارئ، وتحمل في طياتها الحالة الشعورية الكاملة والأثر الذي هدفت بيطار إلى إيصاله إلى القارئ. أعلنت هيفاء بيطار في مجموعتها القصصية كومبارس التزامها قضايا المظلومين، من نساء إلى أطفال إلى مواطنين. شنت هجومها القاسي حتى ليخلص القارئ إلى القول بعد الانتهاء من القراءة: حقاً، كم هو قبيح هذا العالم! وكم هو ذو تأثير هذا الأدب!

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة