As Safir Logo
المصدر:

مظفر النواب شاعر الأطلال السياسية

المؤلف: الركابي عبد الزهرة التاريخ: 2007-11-02 رقم العدد:10841

من محنة جسده المتعب وقلقه المزحوم بالرحيل ونواح قطاراته في تيه المنافي، نطرح هذا التساؤل: هل وصلت رسالة أو وصية مظفر النواب بعدما وصل الى عتبة الخريف في حسابات العمر والأرقام والمرض: (يا حامل وحي الغسق الغامض في الشرق على ظلمة أيامي، إحمل لبلادي حين ينام الناس سلامي)؟ أكثر من ربع قرن من الزمن وأنا أتابع وأرصد الكتابات التي تناولت شعر مظفر النواب، حيث وجدتها كتابات إطرائية تبدأ بإشادة حماسية وتنتهي بمديح استعراضي أو كرنفالي، بينما مدلولات الشعر في جوانبها الفلسفية والفكرية وجامعها الجوهري ظلت بمنأى عن هذه الكتابات التي جاءت بدافع ودي (حبي)، وخصوصاً ان شعر التعرية السياسية يلقى صدى لدى الجماهير والقاعدة الشعبية في المنطقة العربية، من واقع ان هناك انفصاماً روحياً بين شعوب المنطقة والنظم السياسية القائمة فيها، وهو انفصام استطاع النواب من خلاله الاندفاع بجرأة وحماسة على سبيل رفع الأستار عن وجه النظم الكالحة وإسقاط ورقة التوت عن عورتها الفاضحة. وإذا كان شعر مظفر النواب طافحاً في الاطار السياسي المتمرد والناقم والمستذكر والمؤشر للواقع المريض في الجانب الفصيح، كان في الجانب العامي ينحو منحى تراجيدياً وفي صور رثائية وتشاؤمية وقنوطية، وهذا مرده الى ان هاجس الشاعر كان استباقياً وإستنتاجياً في التوصيف والاعتقاد بعدما ارتكز على إيحاء عميق تتشكل ألوانه من الحزن والحنين والافتقاد والغربة والأنين، وهذه الألوان عاشها وعايشها الشاعر طيلة حياته الحرة والمقيدة (السجن)، ولربما يكون لترحاله الديناميكي دور في وضوح هذه الألوان، وصحيح ان أكبر إقامة له كانت في سوريا، لكنه أرتحل أيضاً الى لبنان وأرتيريا وظفار (عمان) وليبيا وفرنسا واليونان وبعض بلدان أميركا اللاتينية، ومن الطبيعي ان هذا التجوال في المنافي كان له الطابع المترع بالحزن، ومن هذا فإن شعره العامي تجاوز طابعه الآيديولوجي الذي لم يكن ملتزماً به في حقيقة الأمر من جراء إيقاع حياته المتجول أو لكون الطابع الآيديولوجي قد يحرمه من آفاق رحبة وذات تلاوين طيفية كان يرنو الى ولوجها، وهو المعروف عنه شخصياً تمرده ورفضه للقيود والخطوط والحدود. ولهذا، سوف أتناول في هذه الكتابة جانباً واحداً ومختزلاً في صورة واحدة، هو الجانب الرثائي ومن خلال قصيدة (الريل وحمد) التي تعد أشهر قصائده في الشعر العامي أو الشعبي وفق ما هو شائع في تسمية الشعر العامي في العراق، وخصوصاً ان هذه القصيدة (تنبأت) بوقت مبكر للوضع الراهن في العراق أو هي كانت صورة وصفية لمأساة العراق الحالية، وقد باح الشاعر عن ظروف كتابتها بالقول: الريل يعني في لهجة جنوب العراق القطار، وقد كتبت هذه القصيدة ولم يكن يدور في ذهني اني سأطبعها في يوم ما، او انها ستنتشر هكذا، وتثير كل هذا الاهتمام، كتبتها لأنني شعرت بها، شكلت لي بهجة داخلية، غناءً وجدانياً، وكنت اكتبها في ظروف خاصة واضعاً القلم والورقة تحت وسادتي ناهضاً ليلاً لأدون بعض المقاطع في الظلمة ثم أنام، كتبت هذه القصيدة عام 1956 وأكملتها عام ,1958 وأخذها علي الشوك من دفتري ثم نشرها دون علمي، وكتب عنها الشاعر سعدي يوسف وقال ما معناه ان شعرنا العربي تسيطر عليه الهوية العالمية وهذه القصيدة زهرة نادرة في بستان شعرنا العربي، وأعتقد ان سعدي يوسف لخص قضية أساسية هي ان طبيعة هذه القصيدة لها هويتها، وهي ليست هوية الشعر العالمي او القصائد المكتوبة بالفصحى او القصيدة العامية التي كتبت في السابق، واعتبرها نقلة من القصيدة العامية التقليدية الى مناخ جديد، لقد فتحت (الريل وحمد) بمفرداتها المتداولة بين الناس أبواباً جديدة أمام القصيدة العامية، ومن العوامل التي أثرت في كتابتها ممارستي للرسم، والأجواء العائلية المشبعة بالموسيقى كان والدي يعزف على العود، ووالدتي على البيانو والأجواء الكربلائية ، كل هذه العوامل لعبت دورها في بناء القصيدة، وتشكيل عالم مختلف في (الريل وحمد) عن غيره في القصائد العامية الأخرى. الريل وحمد وإما بالنسبة للقصيدة الفصحى فسوف نتناول قصيدة (وتريات ليلية)، مع التنويه في نفس الوقت الى أن القصائد الأخرى لا تخلو من مثل المدلول الذي نعنيه في هذه الكتابة، بيد ان إنتقاءنا هذا جاء لاعتبارات صميمية تتعلق بتماثل الظروف الحالية مع رثائيات الشاعر المبكرة. في القصيدة العامية (الريل وحمد) بدت الرثائية تتجلى من مستهلها: (مرينه بيكم حمد، وأحنه إبغطار قطار الليل، وإسمعنه دك إكهوه وشمينه ريحة هيل.. يا ريل يا قطار صيح إبقهر صيحة عشك ياريل). في هذه القصيدة كانت (ديرة حمد) تمثل الوطن، وكان الشاعر في هذه القصيدة يعرض صورة تراجيدية، نخالها عند مروره بالطائرة عبر أجواء قريبة أو مجاورة أو حتى عبر البر، حين يستنشق رائحة هيل القهوة ويسمع دق (هاون) طحن القهوة، فكان يطلب من قطاره أو طائرته أن تصرخ صرخة عالية أو تصيح صياحاً عالياً ومقهوراً، وهي صيحة الحب والاستذكار مثلما هي في التعبير صيحة وصراخ الرثاء، ولا شك ان الوطن هو الفردوس الأرضي المفقود والمفتقد للشاعر في هذه الصورة المعبرة، كما ان الشاعر في هذه القصيدة يكون قد استطلع المواقف بشكل مبكر لما آلت إليه الامور وتنعكس في إيحائها على حلفاء الاحتلال من العراقيين، وهم الذين كانوا في حقبة ما يسعون الى إنقاذ الوطن من الديكتاتورية، لكنهم بعدما لعبوا دور (ضواحي الاحتلال العراقية) قد أفصحوا عن غشهم وخداعهم ومواربتهم للشعب والوطن: (ياريل طلعوا دغش والعشك جذابي (كذابي). دك بيّ كل العمر مايطفه عطابي.. نتوالف ويه الدرب وإترابك إترابي). وهنا، كأن الشاعر كان يخاطب (الريل) القطار في محاورة أنيسة، والقطار هنا يمثل للشاعر المنفى الجوال، بعدما ألف الإثنان طريقهما الواحد وأصبح ترابهما واحداً في ظل غياب الوطن عن الشاعر أو العكس، وقد جاء في هذه المحاورة هو قول الشاعر للقطار: مهما بقيت تدق بيّ أو تتحرك بيّ، فسوف أستمر بالترحال طوال العمر ولن تُخمد نيراني الحارقة (العطاب)، وهو ما يعني ان الشاعر افتقد الوطن مبكراً ما حدا به الى رثائه والبكاء عليه عن بعد أو قرب، وهذا الفقدان هو حالة موت آنية أو تشاؤمية لم يتوان الشاعر في الإعلان عنها مبكراً، وقد جاءت أحداث العراق الراهنة متطابقة مع هذا الرثاء، وهذه القصيدة العامية ليست الوحيدة التي يعمد فيها الشاعر الى إظهار صورة الرثاء فيها، إذ هناك أيضاً قصيدة (عودتني) التي جاء فيها: (اترك إبيتك بطاقة عيد وموعد، وأكتب ابابك إذا إمسافر جلمتين كلمتين .. ولكيتك ولقيتك سافرت من غير رجعة.. وعودتني). والواضح ان النواب قد دأب على هذا المنحى في القصيدة الفصحى أو الفصيحة، على الرغم من أن هذا المنحى واجه بروزاً ومساحة أكبر لمنحى (التعرية السياسية) الذي وجد إشارة وتناولاً في أكثر كتابات الدارسين والنقاد، وأزعم ان هؤلاء الدارسين والمتابعين توجهوا في كتاباتهم هذه نحو الإثارة والاستعراض، في ظن منهم ان هذا المنحى يشكل الوجه السياسي الأشمل للنواب، بينما هو في حقيقة الأمر يشكل جزئية تصادمية لدى الشاعر، وهو بالتالي لا يطغى على المنحى الأهم لدى النواب وهو (الرثاء) بمدلوله السياسي والدراماتيكي في آن، وقد يكون منحى (التعرية السياسية) عزاءً لمنحى (الرثاء السياسي) الذي أغفله هؤلاء المتابعون بقصد أو غير قصد: (ياغرباء الناس، بلادي كصناديق الشاي مهربة، أبكيك بلادي، أبكيك بحجر الغرباء، وكل الحزن لدى الغرباء مذلة، إلامَ ستبقى يا وطني ناقلة للنفط، مدهنة بسخام الأحزان، وأعلام الدول الكبرى، ونموت مذلة؟!). الرثاء السياسي والرثاء السياسي عند النواب ليس بالمفردة المباشرة على الرغم من صراحته في التوجه والمخاطبة والتعرية والكشف والبوح، فالشاعر يستثير في كل هذا وهج الليل وإشراق النهار، كي يجهز بأدواته الشعرية المتمكنة والمندفعة على مكامن الخلل المستشرية في الجسد العربي، من واقع ان هذا الرثاء يأتي بتسميات الحزن والبكاء والأموات والأحياء والاستذكار والردة، وغيرها من مفردات جسدت هذا المنحى ومنحته إيماضات متوهجة عمقت التواصل بين الشاعر وبين المتلقي: (والله أنا في شك من بغداد الى جدة، هل عرب أنتم وأراكم تمتهنون الليل، على أرصفة الطرقات الموبوءة، أيام الشدة؟، قتلتنا الردة... قتلتنا الردة، ان الواحد منا يحمل في الداخل ضده). من هذا، كان الرثاء السياسي في الصورة الشعرية لمظفر النواب، يجسد حالة تنويرية وتثويرية معاً، للمواقع التي يخشى الشاعر إصابتها بأعراض المواقع الموبوءة!، وهو من هذه الحالة ينطلق الى أداء دور تحريضي واستنهاضي وتذكيري وتحفيزي، كدور تعبوي على صعيد الشعر السياسي للمقابلات القادمة، حيث ان الضعف في قاموسه هو الموت الذي يستجلب الرثاء، وهو بالتالي يدعو الى تجاوز هذا الضعف من خلال الضرب على وتر هذا الرثاء في هاجس تكراري، حتى يكون بمقدور الأمة استنهاض مكوناتها وقدراتها المعطلة أو المستخدمة في مكامن الخوار والإلهاء: (غادرت الفردوس المحتل، كنهر يهرب من وسخ البالوعات حزيناً.. أحمل من وسخ الدنيا، ان النهر يظل لمجراه أمينا). إذاً، مظفر النواب كان سياسياً دينامياً في صوت شاعر، مثلما هو كان شاعراً طوافاً على راحلة سياسي ثائر، وهو في كلا الحالين أدى الدور وقام بالمهمة من دون تكليف آيديولوجي، ماعدا أفق الحرية الذي كان وطنه المتحرك والمتجول منذ أن أحس بغياب أو رحيل الوطن عنه قسراً، ما جعله يلجأ الى الرثاء السياسي بمدلوله العميق في قصيدته العامية والفصيحة على حد سواء، وهو رثاء يتموج في طريق الاجترار والثورة، ولم يكن شعره في السياق الكلاسيكي لشعر النواح والمراثي، بل كان شعراً سرمدياً في استذكار الفردوس المحتل (الوطن) والحنين إليه، ولربما هو الآن في سباق المرحلة الأخيرة لاستعادته والعودة إليه، ولا ندري من سيكون المبادر في هذا المنحى، الشاعر أم الفردوس أم كلاهما معاً؟ (كاتب عراقي)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة