As Safir Logo
المصدر:

مواقع إلكترونية كثيرة للسينما العربية في غياب مجلة سينمائية متخصصة مدونات للمهرجانات والسينما التجريبية.. والخفيفة تحظى بجمهور أكبر

فاسيلي كاندنسكي (1866 ـ 1944)
المؤلف: جرجورة نديم التاريخ: 2007-10-01 رقم العدد:10814

بعد أعوام قليلة على نشوء ظاهرة استخدام المواقع الإلكترونية الخاصّة بالشأن السينمائي في العالم العربي، برزت مؤخّراً ظاهرة جديدة تُعرف باسم المدوّنات. وإذا كانت المواقع قريبة من المجلات الورقية، شكلاً ومضموناً، فإن المدوّنة ذاتيّة، تُقدّم للقارىء المهتمّ مادة مكتوبة بنَفَس شخصيّ وحميم، وإن تناولت المادة مواضيع تهمّ المتلقّي المتابع (أو الراغب في متابعة) شؤون الفن السابع العربي والعالمي. بين المواقع والمدوّنات، ازدادت مساحة الحرية في التعاطي مع النتاج السينمائي نقداً وتحليلاً ومعلومات وحوارات وأخباراً. فعلى الرغم من أن مواقع ومدوّنات مختلفة مالت إلى التجريح والنميمة من دون أدنى اهتمام بالقضايا السينمائية العربية المختلفة، إلاّ أن مواقع ومدوّنات أخرى التزمت الفن السابع خطّاً ثقافياً لا تحيد عنه أبداً، إذ اعتبر أصحابها أنها حيّز للنقاش والتواصل المعرفي بين المهتمّين بالشأن السينمائي، كأنهم (أي أصحاب هذه المواقع والمدوّنات) يحاولون تعويض نقص تعانيه المكتبة السينمائية العربية: غياب مجلة سينمائية متخصّصة قادرة على الوصول إلى القرّاء العرب في بلدانهم الأصلية أو في مغترباتهم ومنافيهم الغربية والعربية. في حين أن المواقع والمدوّنات تنتشر في أصقاع الدنيا من دون حواجز الرقابة الأمنية والدينية والاجتماعية والثقافية. تطوّر تقنيّ لا شكّ في أن التطوّر التقني الهائل سيفٌ ذو حدّين: فهو خارج الرقابة الصارمة، التي تقتل الإبداع وتمنع العقل من التطوّر العلمي والمعرفي، وتمارس حجراً على الوعي. لكن التفلّت التام من القيود كلّها يُمكن أن تسيء إلى المعنى الإبداعي للحريات والديمقراطية، لأنها تتيح للجميع من دون استثناء فرصة قول ما يريد من دون رقيب أو حسيب، على مستوى المجتمع الأهليّ تحديداً. فالحريات العامة والفردية محتاجة إلى قواعد اجتماعية وثقافية منفتحة وعصرية ومتطوّرة، والمواقع والمدوّنات الإلكترونية تمنح مستخدميها مثل هذه الحريات، مع فرق واحد: غياب قواعد اجتماعية وثقافية تحمي الحريات من الفلتان الأخلاقي، وتحدّد الخط الفاصل بين الحرية الإبداعية والتجنّي أو التحامل أو الاعتداء المعنوي. كما أن غياب ضوابط لهذه المواقع والمدوّنات يُمكن أن يؤدّي إلى كمّ هائل من الأخطاء في المعلومات والمعطيات، إذا لم تتمّ غربلتها بشكل نقدي وعلمي سوي. وهذا ما جعل البعض يذهب بعيداً في استخدامه التقنيات الحديثة، من دون أن يبالي بالضوابط الأخلاقية على الأقلّ في الكتابة، التي تحوّلت مع هؤلاء إلى تجريح وشتم واعتداء معنوي، أي إنها لم تعد مرتبطة بمعنى كتابة النقد أو المعلومة أو الخبر أو الحوار إلخ. بعيداً عن التنظير الثقافي للمكانة الإبداعية الخاصّة بالمواقع والمدوّنات الإلكترونية، فإن المشهد السينمائي العربي بات أكثر تورّطاً في هذا المنحى الجديد. عددٌ من النقّاد والصحافيين السينمائيين العرب وجد فيها منبراً أكثر تحرّراً وأقدر على التواصل من أي مطبوعة خاصّة أو عامة في عالم عربي قابع في المنع والمحرّمات. أشكال مختلفة لمواقع ومدوّنات غلب على بعضها الطابع الفردي (النتاج المكتوب لصاحب الموقع أو المدوّنة)، وتمتّع بعضها الآخر بمزج الفرديّ بالعام (كتابات خاصّة وأخرى لنقّاد وصحافيين منشورة في صحف ومجلات عربية متفرّقة، إلى جانب مقالات مكتوبة خصّيصاً بهذا الموقع أو تلك المدوّنة). والمواضيع متشعّبة أيضاً: مقالات نقدية متعلّقة بأفلام وكتب وقضايا، معلومات، حوارات، استعادات خاصّة بالأفلام والسينمائيين معاً، إلخ. بمعنى آخر، فإن نقّاداً وصحافيين سينمائيين عرباً أرادوا، بإنشائهم مواقع ومدوّنات، الاستفادة القصوى مما يتيحه التطوّر التقني الهائل في مجال شبكة إنترنت ، لتفعيل حريتهم وتطوير أدوات التواصل فيما بينهم ومع المهتمّين بالشؤون السينمائية العربية. في إجابته عن سؤال السبب الكامن وراء إطلاقه موقعه سينماتيك (cinematechhaddad) قبل أربعة أعوام، قال الناقد البحريني حسن حداد إن السينما استفادت كثيراً من فضاء إنترنت وتكنولوجيا المعلومات، وهو فضاء واسع من المعرفة والثقافة (يحصل عليهما المرء) بمجرّد الضغط على زر صغير يفتح أمامه عالم مذهل . فقد وجد حداد أن ال إنترنت العربي كان فقيراً جداً في مطلع الألفية الجديدة، بالنسبة إلى السينما والفنون والآداب في مقابل الاهتمام الغربي الكبير بهذه الجوانب الإبداعية، فاعتبر أن تأسيس موقع سينمائي عربي ضرورة ملحّة: في البدء، كان الهدف شخصياً، أي أن أحفظ كل ما كتبته في السينما في مكان واحد ومتاح لأي شخص يريد الاطّلاع عليه، ثم تحوّل إلى المساهمة المتواضعة في نشر الثقافة السينمائية وخدمة الزائر المهتمّ بالسينما . من جهته، قال الزميل المصري أشرف البيومي إن شبكة السينما العربية (أسّسها مهرجان الفيلم العربي في روتردام وأطلق بثّها في أيار ,2006 www.cinearabe.net) تهدف إلى تشجيع الإبداعات السينمائية العربية عبر شبكة إنترنت ، لتكون حلقة وصل غير تقليدية بين السينما وعشّاقها العرب، تقدّم لهم المعلومات والأخبار، وترشدهم إلى السبل المختلفة للتواصل . وأكّد البيومي أن هذه الشبكة منبر للتعبير الحر، مستقلّ ومفتوح للتيارات والأجيال كلّها . ورطة من جهته، قال اللبناني محمد رضا (أطلق قبل شهرين اثنين مدوّنته shadowsandphantoms.blogspot.com): إنها ورطة كما الحياة، أو كما قال الروائي جوزف كونراد: هذا كابوس من اختياري . لكنها ورطة أمارسها بالاهتمام نفسه الذي أمارس به الكتابة الورقية ، وأشار إلى أن المسألة بدأت بهدف تجربة شيء جديد وجدته ينتشر بسرعة متحوّلاً إلى محاولة لإرساء مدوّنة تختلف عن المدوّنات المنتشرة من دون أن تهتمّ بأن تكون بديلاً أم لا . ورأى أن المدوّنة انعكاسٌ لرغبتي في الوصول إلى مزيد من القرّاء، خصوصاً جيل جديد إذا لم نبادر بالوصول إليه، فإن الثقافة السينمائية التي نمارس لن تستمر . ولعلّ السوري المقيم في باريس صلاح سرميني لا يختلف كثيراً عن رأي رضا، إذ قال إن الهدف من إنشاء مدوّنته سحر السينما (cinemagie) عن طريق مكتوب ، كامنٌ في أن تكون وسيلة تواصل إضافيّ مع القارىء المهتمّ بالثقافة السينمائية، وجذب اهتمام قرّاء جدد في الوقت نفسه أيضاً . ذلك أن إنترنت بالنسبة إلى سرميني وسيلة مثلى للأرشفة وتخزين المعلومات، التي يسهل الحصول عليها فيما بعد . وأضاف أنه يُمكن للمدوّنة أن تكون وسيلة تعبير مباشرة وتفاعلية مع القارىء، كما أنها قادرة على أن تستوعب كتابات شخصية لا يُمكن أن تُنشر في أية مطبوعة ورقية . انضمّ المصري المقيم في الكويت عماد النويري إليهما، بقوله إن المدوّنة بشكل عام (أنشأ مدّونته سينما اليوم www.cinemaalyoum.blogspot.com في أيار الفائت) اختراع عصري وحضاري يُمكن من خلاله التواصل أكثر مع الذات والآخر ، معتبراً أنه إذا ابتعدت المدوّنة عن التربّص والمراقبة فمن المؤكّد أنها ستكون رئة صحية للتنفّس في مساحات أكثر حرية . أجمع الزملاء الخمسة على مسألة التواصل مع القرّاء، ومحاولة جذب قرّاء جدد. محمد رضا قال إنه يُقارن بين أعداد الذين يتحلّقون حول بعض الشبكات والمواقع والذين يزرورن موقعه، فيطرح على نفسه سؤال مدى قدرة المدوّنة كوسيلة اتصال على جذب القرّاء: إذا لم يكن عدّاد بعض تلك المواقع غشّاشاً (لا أعرف كيف يكتب البعض مرّة واحدة في الأسبوع وأحياناً كل أسبوعين، ويُسجَّل له حضور يومي كبير!)، فهذا يعني أن النسبة الغالبة تميل إلى القيل والقال والمهاترات المفتوحة بين بعض النقّاد. ليست المواقع السينمائية العربية الناجحة خفيفة، لكن الواضح أن إجراء مقارنة بين الإقبال على المواقع الخفيفة والأخرى الجادّة يكشف أن الإقبال كبير لصالح الخفيفة. لست مندهشاً. فالإقبال على أفلام من نوع كركر و فول الصين العظيم مثلاً أعلى من الإقبال على أفلام ذات قيمة . من جهته، رأى حسن حداد أن التعامل مع هذا الفضاء الواسع من المعرفة والمعلومة قادرٌ على أن يجذب اهتمام المتلقّي المهتمّ بالشأن السينمائي والثقافي عامة، وذلك لسهولة تناول هذا الوسيط السهل (إنترنت) والمتوفر لدى غالبية الناس حالياً. ثم إن الإمكانيات التقنية الموجودة على شبكة إنترنت (صُور، ملتيميديا) ساهمت في انتشار هذه الوسيلة من التواصل مع الفن السينمائي . أما عماد النويري فأكّد أن المدوّنة بسبب تخصّصها (وهو يحرص على أن تكون كذلك) (قادرة على جذب قرّاء مهتمّين بالشأن السينمائي ، مشيراً إلى أن المسألة محتاجة إلى جهد ومتابعة وإعلان للآخرين في بداية انطلاقة المدوّنة، وبعد ذلك، هناك قدرة محتواها على الجذب، وهذا أمر لا أستطيع التنبؤ به . في حين رأى صلاح سرميني أن المهتمّ بالشأن السينمائي يقرأ الكتابات سواء بمدوّنة أو من دونها: لكن، في حالة النشر الإلكتروني، يُسهّل الموقع والمدوّنة بحث المهتمّ، وربما يجذبان أيضاً اهتمام قارىء عاديّ لفت انتباهه عنوان ما. إن المهتمّ يعرف ماذا يريد وماذا يقرأ ولمن يقرأ وأين يقرأ . قضايا متفرّقة في هذا الإطار، هل يعتقد هؤلاء الزملاء أن الموقع أو المدوّنة كوسيلة تواصل أفضل من المطبوعة الورقية ؟ أجمع رضا وحدّاد والنويري وسرميني على أن المطبوعة الورقية مهمّة وأن الموقع والمدوّنة ليسا وسيلة تواصل أفضل: ليس الموقع/المدوّنة أفضل ، كما قال رضا، مضيفاً أنه إذا صحّت توقعاتي، فإن الثورة التكنولوجية ستتوقّف بعد نحو عشرة أعوام لأن المرحلة وصلت إلى أقصاها الآن، والمستقبل لا يبدو مزدهراً أمامها. هذا ما قرأته في فايننشال تايمز ذات مرّة، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً ، مشيراً إلى أن العمل الإلكتروني ضروري اليوم ليتمّ جذب قرّاء جدد يعتقدون العكس . ورأى حدّاد أن المطبوعة الورقية مهمة، لكنها محدودة قياساً ب إنترنت . لذلك أفضّل أن تكون هناك مواقع خاصّة حتى للمطبوعات الورقية لتأكيد وصولها إلى المتلقّي في كل مكان، لأن التوزيع في الوطن العربي، خصوصاً بالنسبة إلى المطبوعات الأدبية والفنية، أكثر من سيء . في حين أن النويري استخدم التعبير نفسه لرضا، إذ قال إن وسيلة التواصل الإلكترونية هذه ليست الأفضل ، متوقّفاً عند مسألة أن لكل وسيلة قرّاءها ، ومعتبراً أن المدوّنة جريدة أو مجلة عصرية قادرة على التواصل مع عدد أكبر من المهتمّين بالشأن السينمائي . بينما مال سرميني إلى المطبوعة الورقية: لكن، من التعسّف تفضيل وسيلة التواصل هذه عن تلك. لكل وسيلة خصوصيتها ودورها وفائدتها وانتشارها ومتصفّحوها. ألم يُسبّب التلفزيون انتشار السينما وإيصالها إلى المنازل؟ مع ذلك، لم يصبح التلفزيون أهمّ من السينما . هناك أخيراً مسألة القضايا السينمائية التي تثير اهتمام صاحب الموقع أو المدوّنة: قال عماد النويري إن (الوسط السينمائي العربي محمَّل بأثقال قضايا كثيرة(، متوقّفاً عند أمثلة عدّة: التوزيع والإنتاج المشترك والمهرجان والهوية والتقنيات وغيرها. أما حسن حداد فقال إنه ليست هناك قضية محدّدة: القضايا المثارة في أي وقت لا بُدّ من متابعتها للإطلاع أو المشاركة. هناك ملفات خاصّة بأبرز المهرجانات (كان، برلين، قرطاج، القاهرة، دبي...)، خصوصاً مهرجان كان ، فمنذ إنشاء الموقع هناك تغطية شاملة لكل شيء يحدث فيه . من جهته، ولاهتمامه الشخصي بالسينما التجريبية، فقد خصّها صلاح سرميني بأولوية متابعاته في مدوّنته: عندما بدأت الكتابة عنها، لم يكن أحد يعرفها أو يهتمّ بها أو يتذوّقها. اليوم، بعد سنين عدّة، بدأت تأخذ مكانها في المهرجانات العربية والدولية . في حين أن محمد رضا، الذي اعتبر أن شهرين اثنين فقط على تأسيس المدوّنة تحول دون طرح القضايا، فقد قال إن ما يثير (اهتمام القارىء) أكثر كامنٌ في طرح قضايا عربية. مثلاً، لو كتبتُ حول (لماذا عاد يوسف شاهين من مهرجان البندقية من دون جائزة؟ ، فإن كثيرين يقرأونه لأنهم يريدون أن يعرفوا. أما إذا كتبتُ عن أندريه تاركوفسكي، فلن يقرأه أحدٌ، لأن القارىء ليس لديه ما يقوله في أفلام مخرج راحل لم تُعرض أفلامه في الصالات فلم يُشاهدها . وانتهى إلى القول: نحن نتعامل مع جمهور يعرف دائماً أقلّ مما نعرف، وهذه مشكلة مهمّة في النقد السينمائي العربي، المنشور في الصحف والمدوّنات معاً . أما أشرف البيومي فقال إن شبكة السينما العربية( لا تتبنّى إيديولوجيا محدّدة، بل تلك التي يُحدّدها الكاتب من خلال كتاباته: (ترتكز الشبكة على فكرة استكشاف التيارات كلّها، ودعم الأفكار والرؤى والتصوّرات التي تبني المجتمعات الإنسانية بشكل فاعل، وتضخّ الدم الجديد في الحياة الفكرية المعاصرة بعيداً عن القوالب الجاهزة، وتحمل بين سطورها معالم الغد الإنساني الذي يطمح إليه العالم العربي وفق رؤى موضوعية تنتقد بشكل حياديّ، وتضع ملامح هذا الغد بما يخدم قضايا صناعة الفن السابع العربي والمجتمع المحيط بها .

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة