لا بد من بعض التسامح مع الملل المتلفز ، خصوصاً إذا كانت نهايته تغريك بفنجان في القهوة البحرية . هو نوع خاص من الملل الذي يرافقك في طريق خبرتها جيداً، فيغدو المنظر متموجاً مثل دودة تسابق الحافلة. ولا مجال للهرب منه إذا كنت نسيت كتاباً يحملك في الرحلة، وإذا كانت وزارة الإعلام ممتعضة من بعض أخبار الصحف العربية، فتمنعها، ولن تجد في كشك الجرائد إلا التطرف: إما صحفاً صارمة بربطات عنق، أو أخرى لو كان في إمكانها لنزعت عنها ملابسها الداخلية. عليك بالتسامح. سيكون هناك، في اللاذقية، بحر يجالسك مصغياً إلى اعترافاتك برحمة. بحر خريفي هو كاهن للاعتراف والغفران معاً. وستبحث هناك عن ذلك المقهى الذي صادفته منذ عشر سنوات، وصارت أغنية فيروز موسيقاه التصويرية. مشهد لن تفقد نشوته الأولى، خاصةً أن من شاركك إياه ليست حبيبة كي يتبدّل غلافه الجوي، بل صديق صار على قيد المغتربين. ينقطع شريط الملل بمجرد أن يعلن مكبر الصوت: انتهى الفيلم، وصلتم والحمد لله على السلامة. في غمرة الانتظار والملل، يفوتك أن تتحضر للمدينة، فهي ليست كغيرها أبداً. تسهو باحثاً عن سيارة أجرة تقلك إلى فندق لم تستشط زحمة العيد غيظ أسعاره. تنسى أن تلقن نفسك نشرة الاختلاف، وما تقتضيه طبائعه، في المناخ الجديد. يكفيك أنك في حضرة الميناء. كلمة تستجير بها نفسك، كي ترتاح وتنفتح على رحابة يمكنك بسهولة إحالتها على السكان. ستعرف لاحقاً كم أنك ساذج! تكسي . يصطادك السائق ولا تعرف لماذا ينزعج زملاؤه الرابضون على باب الكراج. تشير إليه ليتوجه إلى الفندق، فيسألك عن أسعاره مباشرة. لا يمهلك قبل أن يعرض سخاءه. يقترح عليك شاليه على البحر بسعر أقل من أجرة الفندق، وكي يريحك أكثر يقول: إن لم يعجبك المكان سأعيدك إلى الفندق غانماً نزهة، وسالماً من أي زيادة يستوجبها التجوال. ولمَ لا. على البحر وليس على تخومه، على الأقل ستكسب نافذة. تمضي ويعجبك الشاليه ، وتستغرب من أصحابه السعر الخيالي المطلوب منك أنت دفعه. تسألهم: ألم تتفقوا مع السائق؟ وتنظر إلى المالك مستطلعاً رد فعله. فلا يشيح بوجهه فحسب، بل يشيح بكل ما قاله، بعرضه السخي الذي بات عشرة أضعاف. يحاول إقناعك بمناقب وجودك على تلك المقربة من البحر، ويستطرد معدداً مساوئ الفندق. تسأله إيفاءك ما تعهد به، وفعلاً يقلك عائداً إلى الفندق. تعطيه أجرته، وزيادة، لكنه يحرد، ويذكرك بأن المسافة كانت طويلة، ويطلب أضعاف ما قدمته. فقدت وقتك، وتبلعها. لكن أن ينصب عليك بهذه البساطة! تترجل وتناوله الأجرة ملوحاً بالمغادرة، إن عجبه ذلك أو لم يعجبه. يوعز بأنه سامحك، فالمبلغ أقل مما يستحقه والله سيغنيه عنه. لفتة لطيفة، لكن لا يجوز. تترك له النقود. فيترجل بدوره، وينبر فيك تعززاً بأن تضع مالك في جيبك، وإلا يشرّطه أمامك! تهمّ إزاء نظراته المتقدة غيظاً وتضع المال في جيبك، وتهز رأسك بأن أمامه ثانيتين ليأخذ ما تيسر قبل أن تمضي به، وفعلاً هذه المرة، إلى الفندق. فضّل المكابرة مستبشراً إذعانك، لكنك تتركه منقوعاً في غضبه. لم ينته الأمر بالتأكيد. فبينما تلج غرفة الاستقبال، يخطف انتباهك الصراخ من الشارع. إنه السائق السخي، وهو يصيح عليك بأنها والله ستكبر كتير إذا لم ينل حقه المزعوم. تقف حائراً. ماذا تفعل؟! استنفدت الحسنى ، وهناك ضرب بوكس يلوّح في أفق المشكلة، لا محال. فلا شرطة ستحل الأمر، وأنت في أرضه وبين جمهوره وشرطته، ولا بأس أن تتعظ من الإشارات التي أرسلها إليك، فقد حلا له تقديم نفسه، كالعديد من زملائه، على أنه يعمل في أحد فروع المخابرات، وقد توقف المحترم خصيصاً ليباوس شرطي الدرّاجة، ويعطيه العيديّة. ذلك كله يعني أن الأمر سيأخذ وقتاً ليس في صالحك تفويته، كما أنك لم تحسب أن تستفتح استجمامك بجولة مصارعة وتمضيه بين أقسام الشرطة. إعقل يا رجل! تقنع نفسك بإعطائه ما أراده، وتقبل بحكمة اليوم كجائزة ترضية. لم تتخيل أن هذه الحكمة التهكمية ستنطلي على رحلتك كلها. كل ما يستحضر فيك، وقبل أن يحضر حقاً، ينبغي الحذر منه، والاستحاطة من إراقة أمانيك قبل تعتيبها. يمكنك أن تدوخ بحثاً عن القهوة البحرية ولن تجدها، على الرغم من كل هذا البحر الذي بدا أنه ضيف ثقيل على المدينة. مدينة لا تستسيغ صفة الميناء، لكنها تتلبسها بحكم تسميات الجغرافيا. الميناء فندق مفتوح على البعيد، ويشكله استمزاج الآتين منه. مسكون بوطء الغرباء، ومشرّع نوافذه على المجهول الذي يمخر أفقه الأزرق، كلما قصدته عين مستضامة. اللاذقية هي، ربما، أكثر مدينة سورية مفتوحة على المعلوم. تتوجس الغرباء، لا تعيرهم تآلفاً إلا ما يفيد تمهيدهم للخفر منها. مدينة تتطلع إلى الثبات، وتضرب أوتاد هالتها المستعارة، وكأن البحر في تأرجحه يغرّر بثقلٍ تظنه في ذاتها، ويسكن جزءاً من ساكنيها. إنها تميل أكثر إلى الاتزان وتنبذ التغيير خصوصاً ما يمكن أن يزجها فيه الميناء، بوصفه المناسبة للقاء البحر عنوة. تطبطب على اليم كي يهدأ، وتعيش وعينها على العاصمة. لا يُخفى عنك أنها تظنها من حقها، بحكم أن رئيس البلاد من أبنائها. تتراجع حيويتها عن شاطئ البحر، وتغور في داخلها. تبني المقاهي بجدران مُحكمة. وماذا يبقى من الميناء؟ تبقى بالتأكيد بعض عدّة التنكّر. قوارب وشباك صيد، وناس يعاملونها على أنها أدوات للبقاء، وأكسسوارات، وليست من ركائز وجود المكان. فالمكان ثابت ولا يذعن للحظ والسفر في طلبه، مثلاً. فيتصرف الصيادون وكأنهم يشغلون مناصب، وما يأتي من البحر مرتبهم، ولا دعة في ملامحهم وحديثهم تحرّف تفكيرك إلى رحابة. ويبقى من الميناء، أيضاً، أمثال سائق سيارة الأجرة. كيف تذهب إلى البحر ولا تأكل سمكة؟! هيئة المطعم المتواضعة تحرفك عن اتعاظك بحكمة نسكافيه سائق السيرفيس اللطيف ، فلا تستعلم عن الأسعار، مع أن الترحيب الشديد كان يفترض به أن ينذرك. والنتيجة أن سمكة ومقبلاتها سببت عجزاً نصفياً في ميزانية الرحلة، وغيّرت مخططها. يزعجك أن ما دفعته يمكن أن يعشيّك، ويشرّبك البيرة، أربع مرات في مطعم جيد، في دمشق. فاتك أن الهيئة المتواضعة هي صفة يشترك فيها المحتالون. وخدعتك مجدداً عندما تجلّت في سائق مركب بسيط، همزك الفضول كي تستقله مستكشفاً أطراف بحيرة صغيرة. أما مضيفك على تخومها فلام نفسه لأنه لم يخطرك مسبقاً. لا بأس، تقولان، فهذا الأمر بات من طبيعة الحال، وليس حال رحلتك فحسب. مر على المدينة أكثر من ثلاثة عقود وهي تشتمّ في نفسها الريادة على باقي خريطة البلد، حتى أن ذكر قرية فيها، وهي قرية الرئيس، في معرض إشكال يجلب الهلع، أو بالأحرى يجلب الأشباح. وربما كان ذلك أساساً للتسمية الشائعة لقراصنة اليابسة المعروفين هناك، وقد دُعوا الشبّيحة . تلك توابع مرحلة مضت، لكن المدينة لا تزال متشبثة بإيحائها. وحتى اليوم، لا يخلو مشهد شوارعها من حليقي الرؤوس مطلقي اللحى، وهي الموضة التي درّجها الشبيحة . والغريب أن المدينة، وبعض قراها، شكلت منذ عقدين أحد بؤر الأصوات المعارضة، ونشطت فيها تنظيمات سياسية سرية صارت الآن قيد النسيان. تسأل الرجل الذي ترك السياسة، وصار بفضل التعسف ناسكاً ، حسبما يقول تهكماً: هل هناك بذورٌ تركتها المرحلة السابقة في هذه المدينة؟ يضحك، ويقول إن التاريخ قد يعيد نفسه لكن ليس في اللاذقية أبداً، فمعظم أبناء الطرق المغايرة صاروا من أكثر المتهافتين على السلطة الآن! يبدو ذلك كله بسيطاً إزاء تعجرف المدينة، وتعاليها على هيئة الميناء. وقد باتت لا تلبس التواضع والبساطة إلا عندما تلكزها نوايا يعقوب... وما أكثرها هناك. لكن، هل هناك ما يبقى للميناء؟ تشفّت منه المدينة لكن لم تطوّعه بعد. يبقى للميناء نسّاكه، ومن يلوذ به. الكهل الذي يحيي مأدبة للشعر على كتف البحر، ويقرأ عليه أبيات أبي نواس، ويستقوي بوحشية صور الشنفرى عن الاغتراب كي يطيق فقده. يبقى الكهل منفذاً للهوى البحري، فيقول لك إن الحياة جميلة لدرجة تحتمل ارتكاب الحماقات. تصدّقه لمّا تراه يلوّن مع حفيدته في دفتر الرسم، يتملّى فيها آمناً إلى تركته، إسماً على مسمّى. أهداها اسمها جوى وكنّاها بالبحر. ترنو إلى الميناء ولو من خرم إبرة، من عيني الصغيرة ولونهما اليم! وترجو أن تصير المدينة مثلها، على أمل الميناء، إسماً على مسمّى! (اللاذقية)