غابت غيابها الثاني والأبدي المطربة السورية الأصل سهام رفقي التي اعتزلت الغناء والظهور الفني منذ أربعينيات القرن الماضي بعد زواجها من الديبلوماسي اللبناني الثري حينها ويدعى صلاح الأسير، الذي نجح في جعلها تعتكف في البيت بحسب رغبته، كما نجح في سعيه الى سحب تسجيلاتها الغنائية من الأسواق، ومن محطات الإذاعة. في العام 1948 أعلنت بريطانيا انهاء انتدابها لفلسطين، وقامت دولة إسرائيل، واندلع صوت المطربة سهام رفقي (الأفيوني) كالنار على أثير الإذاعات العربية في أغنياتها الحماسية: يا فلسطين جينالك/ جينا وجينا وجينالك/، تُلهب المشاعر وتؤجج حماسة عارمة في نفوس العرب، كما فعلت في أغنيتها الثانية عن فلسطين: مرحى مرحى بالملايين/ قتلى وجرحى لفلسطين. اشتهرت سهام رفقي أكثر ما اشتهرت، بأغنيتها يا ام العباية وهو الموروث العراقي المؤثر، وكانت سبقتها الى غنائها الفنانة العراقية بدرية أنور حيث تشترط الى غنائها، الجلوس على المسرح وقد ارتدت العباءة. يا ام العباية تم تلحينها سنة ,1928 لتعقبها أغنيات من رفقي تؤكد بصمتها الخاصة في الغناء العراقي الذي ولعت به، ومنها أغنيات: يا بو الزلف يا روح/ لويش عني تروح، التي غنتها خصيصا للعراقيين، فلفظة لويش عراقية صميمة، شاعت وتداولتها أكثر أوساط النسوة العراقيات بشكل خاص. لسهام رفقي أيضا: يا لاعبا بالسيف و حوّل يا ظريف القدّ و ماريدو والله ماريدو وسواها من الأغنيات التي غنّت بعضها المطربة العراقية زهور حسين وأعادتها سهام رفقي بصوتها، الذي شدا أحلى الأغاني ك يا ام العيون السود يللي جمالك زين و ليش ليش يا ولفي ما تخاف الله . عندما نذكر نرجس شوقي وراوية ونهاوند وإنصاف منير، كبيرات في الغناء العراقي، نرى الى السورية سهام رفقي بينهن في حلاوة صوتها وعذوبته وقدرته على ترك بصمة الغناء البدوي في ذاكرة جيل الأربعينيات والخمسينيات، ليأتي اعتزالها الباكر خسارة فادحة في عالم الطرب من احتجاب صوتها الفريد الذي وجد له مساحة خالية عريضة في الغناء السوري وفراغا كبيرا تركته المطربة الكبيرة أسمهان إثر موتها المأساوي. تميزت سهام رفقي باللون البدوي الذي اعتبر يوما، عنصرا أساسيا للغناء والموسيقى في المشرق العربي (سوريا، لبنان، فلسطين، العراق) الذي عرف في ذلك الوقت تمازجا موسيقيا في الاصناف كافة (مصر كانت مركزا رئيسيا) وخصوصا اللون البدوي الذي مثلته سهام رفقي خير تمثيل، كما وأسهم صوتها في خدمته وانتشاره لما تعاونت بشكل أساس مع الملحن السوري وقتها عبد الغني شيخ الأرض فشكلا ثنائيا موسيقيا وغنائيا ناجحا. لو للغرام حاكم أغنية زهور حسين في الأساس، جددتها سهام رفقي فبدت الأغنية على قياس صوتها الملتاع، الشديد العذوبة، ما منحها لقب ملكة اللون البدوي، لتأتي المطربة اللبنانية سميرة توفيق في ما بعد، لتشكل الحلقة الثانية في مثل نوع الغناء هذا، اضافة الى مساهمات المطربة الكبيرة نجاح سلام في أغنيات من الطابع ذاته مثل: يا جارحة قلبي و حوّل يا غنام وسواها من أغنيات صوتها النادر. غابت رفقي وقد أمضت آخر أيامها على ما قيل، في اسبانيا ضيفة على ابنها، ولعلها نسيت هي نفسها، كم أثّر صوتها فينا، وكم طبع سماعنا وأمسياتنا.