تنظّم إدارة سينما متروبوليس (مسرح المدينة، شارع الحمراء) والمحطّة التلفزيونية الثقافية الفرنسية الألمانية آرتي ، بدءاً من مساء اليوم الخميس، أسبوعاً سينمائياً جديداً بعنوان أسبوع آرتي السينمائي ، وذلك بالتعاون مع الجمعية الثقافية بيروت دي سي ، يومياً الثامنة والنصف مساءً، تُعرض في خلاله تسعة أفلام روائية ووثائقية مترجمة إلى اللغة العربية (سعر بطاقة الدخول ثلاثة آلاف ليرة لبنانية). هنا، كلمة نقدية تتناول فيلمي بركات (فرنسا الجزائر، 90 ,2006 د.) للجزائرية جميلة صحراوي (افتتاح الأسبوع مساء اليوم) و انتظار (فرنسا فلسطين، 90 ,2006 د.) للفلسطيني رشيد مشهراوي (الأحد المقبل). يحفل الأسبوع السينمائي هذا بعناوين متفرّقة ارتبطت بالواقع الآنيّ في السياسة والموسيقى والجغرافيا الإنسانية، وانفتحت على أسئلة القلق والهوية والوجود والانتماء، ساهمت المحطّة التلفزيونية آرتي في إنتاجها مع شركات إنتاج عدّة في خلال العامين الفائتين. ومع تنوّع الأشكال والاهتمامات البصرية تنوّعت المواضيع: الإرهاب الأصولي في الجزائر، الواقع الفلسطيني في الشتات العربيّ، محاكمة صدام حسين، واقع المهاجرين في ضواح فرنسية عدّة، سؤال العولمة وعلاقتها بالمجتمعات الفقيرة، وتفاصيل أخرى متفرّقة. لا بأس في هذا كلّه. التنويع ضروري للغاية، و آرتي اعتادت تقديم مثل هذا التنويع الثقافي والبصريّ. لذا، ففي خلال تسعة أيام متتالية، يُشاهد المهتمّون بصناعة السينما والأفلام التلفزيونية ذات السوية الإبداعية المثيرة للنقاش، عدداً من الأعمال المنتجة حديثاً: بالإضافة إلى الفيلمين الروائيين الطويلين بركات و انتظار ، هناك: صدام حسين، قصّة قضية معلنة (وثائقي، فرنسا، 105 ,2006 د.) لبيار كرييف (غداً الجمعة)، و غلن غولد، ما وراء الزمن (وثائقي، فرنسا كندا، 106 ,2005 د.) لبرونو مونسنجون (السبت)، و العبور (وثائقي، فرنسا الجزائر، 55 ,2006 د.) لإليزابيت لوفراي (الاثنين)، و تنين في المياه الصافية للقوقاز (وثائقي، فرنسا، 90 ,2005 د.) لنينو كيرتادزي (الثلثاء)، ثمن السلام (وثائقي، فرنسا، 80 ,2003 د.) لبول كووان (الأربعاء)، و أوروبا القلعة (وثائقي، فرنسا، 60 ,2004 د.) لجيل دو ماتر (الخميس)، و احتراق (روائي، فرنسا، 78 ,2006 د.) لفيليب تريبو (الجمعة، حفل الختام). إرهاب جزائريّ لم تكن الرحلة التي قامت بها الطبيبة أمل برفقة صديقتها الممرّضة خديجة في الأدغال الجزائرية مجرّد بحث شخصي عن الزوج المفقود للطبيبة، بقدر ما اتّسمت بتعرية الذات والغوص في متاهات متفرّقة عانتها المرأتان سابقاً، في حين أن إحداهما (الأكبر سنّاً) أزاحت بعضاً من تاريخها الشخصيّ في حرب الاستقلال وتداعياتها المختلفة، وظلّ هذا البعض خافياً على كثيرين لأعوام طويلة. في حين أن العلاقة القائمة بينهما، وإن لم تكن سليمة بشكل دائم لاختلاف الحساسية والمزاج ولتناقض الرؤية، أدّت إلى ارتباط أوثق وحميمية أقوى في مواجهة البؤس الإنساني في جزائر التسعينيات المنصرمة، في تلك اللحظة التاريخية المريرة التي أشعل نارها الملتهبة أصوليون متزمّتون تحوّلوا إلى العنف المسلّح لإثبات وجودهم بالقوة المعمّدة بالدم والقتل والجنون. يُمكن التعاطي مع بركات ، الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرجة الجزائرية جميلة صحراوي، خارج إطار السياسة والأمن والعنف الأصوليّ، على الرغم من أن هذه الثلاثية دفعت المرأتين إلى القيام برحلة جغرافية وإنسانية متعمّقة في الذات والذاكرة والآنيّ. ذلك أن المرأتين الباحثتين عن مراد، الزوج الصحافي للطبيبة، في أدغال الأصوليين، كشفتا أمام الكاميرا واقع البؤس اليومي وألم الأمس المعتمل في الروح. بدتا كأنهما تستفيدان من الرحلة كي تتصالحا مع نفسيهما أساساً ومع الأخرى لاحقاً، كأن البحث عن المفقود طريقهما إلى اكتساب راحة داخلية ما، أو (على الأقلّ) تحريض على السعي إلى اكتسابها. وعلى الرغم من أن الزوج مفقودٌ منذ البداية، ومع أن المرأتين منجذبتان إلى الاغتسال الروحي والتطهّر النفسي في لقائهما على تلك الطرقات المخيفة، فإن النسيج الدرامي للفيلم تمكّن من تحويل النصّ البصريّ إلى شهادة إنسانية متواضعة عن معنى مواجهة القدر والانتصار للحقّ الفردي في القول والتعبير، وإن شكّل الدم والعنف عنوان المرحلة الملتهبة تلك. وإذا سلّط الفيلم ضوءاً على خفايا تلك الرحلة الهادفة أساساً إلى البحث عن زوج مفقود قبل أن تنقلب إلى مكاشفة ذاتية شفّافة، فإن البُعد المأساوي المرتبط بالواقع الجزائري العنيف بدا مخفّفاً بسبب قدرة المرأتين على التحرّر من عبء ذاكرة خاضعة للتوتر والألم. لا يمتلك الفيلم جماليات باهرة أو مختلفة، من دون أن ينتقص هذا القول من جهد المخرجة في إيجاد معادلة بصرية بين مادة مسرفة في شوؤن المرحلة وشكل سينمائي ارتكز على أداء تمثيلي لافت للانتباه قدّمته الممثلتان رشيدة براكني (أمل) وفطّومة بوعمّاري (خديجة)، وعلى لعبة الإضاءة والتوليف في كشف الاعتمالات النفسية والتحوّلات الروحية ومسارات الرحلة. تشتّت فلسطيني إذا كانت رحلة المرأتين الجزائريتين في بركات تطهّرا ذاتيا ومكاشفة روحية، فإن الرحلة الجغرافية التي قامت بها فرقة مسرحية فلسطينية في انتظار رشيد مشهراوي تلتقط جانباً من تطهّر فلسطيني (من نوع آخر) في الشتات العربي. لكن قوة الرمز في بركات لا تعثر على معادل بصري لها في انتظار ، لأن رشيد مشهراوي لم يخرج من الإطار التنظيري والشعاراتيّ ومن البساطة المطلقة في إنجاز فيلمه، ولم يحوّل الفكرة الجميلة (فرقة مسرحية تزور ثلاث دول عربية متاخمة لفلسطين بحثاً عن ممثلين غير محترفين) إلى مادة درامية دسمة ، تنفتح على المعاناة الإنسانية للفلسطينيين في الشتات، وتجعل من الكاميرا (تقوم الفرقة بكاستنغ) أداة تواصل حيّ مع الأرض المفقودة أو الضائعة بالنسبة إلى أولئك العاجزين عن العودة. وبدلا من أن تصبح المادة لعبة فنية خالصة، ظلّ الفيلم عادياً ومشتّتاً بين ممثلين لم يتقنوا أداء جاذباً، ولم يتحرّروا من الخطابية في علاقاتهم مع أنفسهم ومع بعضهم البعض ومع الآخرين. تقوم الفرقة المؤلّفة من ثلاثة أشخاص برحلة من داخل فلسطين إلى لبنان وسوريا والأردن. تزور مخيمات ومواقع. تلتقي فلسطينيين متلهّفين إلى قولٍ أمام كاميرا تأخذهم إلى فلسطين، أو غير مبالين بما يجري وغير مكترثين بما ترغب فيه الفرقة. تتجوّل في المتاهة الفلسطينية التي فرضها الشتات، وتلتقط نبض العيش اليومي في البؤس والحلم والقلق. تتعرّف إلى أمزجة وحالات، وتخترق شيئاً من العالم المزنّر بالشقاء والألم. لا تعثر على مبتغاها، لأن وجع فلسطين أكبر، ولأن الشتات أعنف. تكشف المتابعة الأولى للمسار المهني لرشيد مشهراوي تعلّقاً جميلاً بفن الصورة في قراءته الواقع الفلسطيني. يريد الكاميرا السينمائية أداة فنية لأرشفة اللحظة الإنسانية، ولالتقاط النبض الفلسطيني في فلسطين وخارجها في آن واحد. يستعين بالوثائقي كي يقول شيئاً يعجز الروائي عن البوح به. ويستخدم الروائي كي يبحث في التفاصيل المخفيّة للواقع ومتاهاته. لكن هذا كلّه لا يعني براعة دائمة في تقديم النصّ الإنساني في عمل فني باهر، ربما لأن رشيد مشهراوي مهتمّ أكثر بجعل السينما في خدمة المادة الفلسطينية، أكثر من اهتمامه بجعل الفيلم سينمائياً وهو يتناول حكاية فلسطينية.