As Safir Logo
المصدر:

إلى فلسطين 100 طفل لقيط في غزة خلال العام الجاري: رزق هو أحدهم.. ولقد وجد لنفسه أسرة مرهقة ترعاه

طفل يطالب بحرية والده في غزة (أ. ف. ب.)
المؤلف: سمحان امجد التاريخ: 2007-10-03 رقم العدد:10816

بعد صلاة العشاء، جلس مع زوجته وأطفاله لحضور مسلسل باب الحارة السوري الذي يحظى بشعبية واسعة في فلسطين. مضت اللحظات وراحوا في أحواله يتناقشون: مؤكد أن أبو عصام سيرد زوجته، ولن يتركها بعد حب ثلاثين سنة ... لن يردها لأنها أهانته والمرأة التي تهين زوجها يجب أن تطلق . حوارهم هذا انتهى مع انتهاء الحلقة، فراح كل منهم إلى سبيل. الأم استأنفت أعمال المنزل، ودبّ الأطفال في سبات عميق، فيما جلس الوالد في الشرفة يتأمل النجوم ويناجي الله كي يفرجها عليهم فيوفر له عملاً كريماً يريحه من العتالة ، هذه المهنة المتعبة التي أفقدته صحته على الرغم من عضلاته المفتولة، وتسببت له ب ديسك في الظهر والرقبة. غابت عيونه عن السماء وطأطأ رأسه إلى الأسفل فغفا مع أمنياته، قبل أن تزعجه أصوات آتية من جانب منزله. استفاق وأطل برأسه ليرى ما يحدث، فوجد بعض القطط والكلاب الضالة، وصرخ بصوته ونهرها قبل أن يعود إلى قيلولته، فإذا بالأصوات تتكرر مرة أخرى، لكنه لم يعرها اهتماماً، وعاد يدعو الله أن يمن عليه بعمل كريم ليعيل أسرته. جاءته زوجته وراحت تناقشه في بعض أمور العائلة: نريد سكّراً، وطحيناً، وأرزاً، وحذاء جديداً لفاطمة ، فنهرها صوته: ففففففف، ومن أين هذا كله، هل تعتقدين إني جالس على بنك؟ لا أريد مزيداً من الطلبات، أنت تعرفين الحال، انتظري حتى يفرجها الرب . شربا كوباً من الشاي تلته سيجارتان دخنهما على التوالي، ثم فجأة بدأ يتردد إلى مسامعهما صوت صراخ آت من بعيد. أطل مرة أخرى من شرفة منزله، فأحس بقرب صوت الصراخ، ثم رأى كلباً يلعب بعلبة من الكرتون ملقاة على مقربة من منزله، سايره الشك، فنزل ليستطلع الأمر. اقترب من العلبة فيما تصاعدت وتيرة الصراخ، وعندما فتحها، صعق لبرهة قبل أن يبدأ هو الآخر بالصراخ على زوجته: يا امرأة يا امرأة، وجدت طفلاً في علبة الكرتون . طفل في أيامه الأولى ملقى في شوارع غزة، والكلاب كادت تنهش لحمه، لولا مشيئة الله التي يسرت لي أن أصل إليه في اللحظات الأخيرة . صعق كل من أتى به صوت الصراخ إلى المشهد، فلم يكن هذا المشهد محفوراً في الذاكرة، هو جديد عليهم، وراحت الأسئلة تتوالى: من هذا الطفل؟ من رماه هنا؟ هل هو ابن حرام ؟ هل هناك أم تفعل بضناها هذا الفعل؟ هذا عمل إرهابي ليس من شيم الفلسطينيين! والفلسطينيون لا يقومون بمثل هذه الأعمال الحقيرة! لكن من أين نزل الطفل يا أخوان؟ من السماء؟ مؤكد أن أمه فلسطينية؟ لم يطل التساؤل كثيراً، إذ توجه الرجل إلى أقرب مركز شرطة وسرد للقيمين عليه الحكاية، وقبل أن ينتهي، قال: علي الطلاق، لن أقبل بأن يبيت هذا الطفل في أي مكان سوى بيتي، ولن يأخذه أحد مني إلا أمه أو أبوه . لكن هيهات. فلا أم ولا أب سيسألان عن هذا اللقيط، عاد والطفل إلى المنزل وفي رأسه عديد من التناقضات: ماذا سأفعل بالطفل، من أين سأصرف عليه، كيف سيعيش، ليس معي ما يكفي لإعالة أسرتي المكونة من سبعة أفراد، فكيف الآن وقد بتنا ثمانية، لكن حرام أن يعيش هذا الطفل في دار الأيتام، لا يمكن أن اقبل ذلك، لن أتجرد من إنسانيتي وأتركه إلى قدر مجهول، سحقاً لأمه وأبيه، هم كفار لا يعرفون الرحمة، كيف يتركون الطفل هكذا... حسناً، أنا أمه وأنا أبوه . وهكذا، كان له أن يضيف ولداً جديداً إلى أسرته. في البداية، تعرض لضغوط من الجميع كي يرسله إلى أحد دور رعاية الأيتام أو يسلمه إلى الجهات الرسمية وهي تتصرف به. رفض وأصر على تربيته مع أولاده، لكنه لم يكن يدرك أن ظاهرة اللقطاء في غزة ارتفعت في الآونة الأخيرة، ولم يكن يعلم أن هناك 100 طفل آخرين وجدوا على قارعة طرق القطاع في العام الحالي. ولم يكن يعلم أن أكثر من 100 امرأة قتلن منذ نحو عام على خلفية قضايا شرف وأن قتلهن دفن أسرارهن معهن، ودفن آمال العثور على أمهات وآباء لهؤلاء اللقطاء. عادت حياته إلى طبيعتها، وأطلق على الطفل اسم رزق . فحسبما يقول، ومنذ أن عثر عليه، جاءه الرزق من حيث لا يحتسب وتحسنت أحواله بعدما عثر على عمل جديد مريح في حراسة إحدى الجمعيات الخيرية التي رحبت ب أصله وكرمه . (فلسطين المحتلة)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة