لعل الموسيقى البحتة هي النمط الموسيقي الأقل شعبية لدى الشعوب العربية. وعندما نتحدث عن الموسيقى البحتة نحتوي في الحديث عدة أشكال موسيقية تندرج كلها تحت هذه الخانة. فالتاريخ والتجارب أثبتت أننا شعوب غنائية أكثر مما نحن شعوب موسيقية، نتفاعل مع الكلمة كما نتفاعل مع اللحن، ونتفاعل مع الحنجرة أكثر مما نتفاعل مع الآلات. البعض من أصحاب عقد النقص يعيدون ذلك إلى تخلّفنا عن مجاراة باقي الحضارات الموسيقية، ويعتبرون تالياً أن الأغنية هي للعامة، بينما الموسيقى للمثقفين. ما يبرر جنوح العديد من الملحنين إلى التحوّل فجأة من تلحين الأغاني إلى تأليف الموسيقى، متعاملين مع الأمر وكأنه تطور للموسيقي نفسه. أشكال موسيقية عديدة كانت موجودة منذ القدم في المنطقة العربية، لكنها لم تأخذ يوماً أشكالاً مستقلة إلا في القرن العشرين. فقبل ذلك، كان الهدف من الأشكال الموسيقية سلطنة المطرب الذي كان له دور البطولة على حساب الملحن، وهو ما يبرر أن تكون الأسماء العملاقة كلها في تاريخ الموسيقى العربية في القرن التاسع عشر هي أسماء مطربين رددوا ألحانهم الخاصة ولم يكن شائعاً آنذاك أن يلحن ملحّنٌ أغنية لمطرب آخر. الشكل الأول الذي يعتبر الأساس هو التقاسيم، وهي عبارة عن ارتجالات على مقام معين وبمسار إجباري يهدف العازف من خلاله إلى استعراض مقام ما، والتمهيد من خلال ذلك للمطرب كي يسلطن على المقام الذي سوف تدور الوصلة بأكملها حواليه. والتقاسيم قد تكون مرسلة، أي من دون إيقاع دوري حركي، أو موقعة، فيدخل الإيقاع الدوري الحركي إلى جانب الإيقاع الوزني الكلامي. الدولاب هو شكل أخر من الأشكال الموسيقية غير الغنائية، وهو عبارة عن معزوفة قصيرة على مقام معين تمهد للدخول بالوصلة، والدولاب هو قالب من عدة قوالب اختفت تدريجياً خلال القرن العشرين لأسباب قد يطول شرحها. التحميلة هي قالب موسيقي آخر وهي عبارة عن جمل متتالية على مقام معين هدفها أيضاً تركيز المقام مع فارق أن في التحميلة ما هو ثابت من حيث اللحن وفيها ما هو متروك للتخت الموسيقي الذي يتناوب أعضاؤه على ارتجال جمل تربط الجمل الثابتة ببعضها البعض ليعود الموسيقي بعد ذلك إلى البداية بهدف التمهيد لموسيقي آخر كي يبدأ بالعزف. البشرف أيضاً هو قالب، وهو عبارة عن معزوفة بطيئة الإيقاع تتنوع ألحان أغصانها لتنتهي كلها بنفي التسليم. السماعي هو شكل آخر أيضاً، ومن أهم شروطه أن يكون ملحناً على إيقاع السماعي الثقيل وكمثل البشرف يفصل التسليم الثابت اللحن بين عدة مقاطع أو خانات مختلفة اللحن، كلها على إيقاع السماعي باستثناء الخانة الأخيرة التي يتغير فيها الإيقاع حسب إرادة الملحن. يبقى شكل أخير دخل حديثاً على الموسيقى العربية وهو اللونغا، التي تتألف من عدة مقاطع مختلفة يفصل بينها مرجوع ثابت. الشرط الأساسي في اللونغا هو الإيقاع السريع. تبقى الإشارة إلى أن القرن العشرين شهد العديد من التجارب الخالدة على الصعيد الموسيقي غير الغنائي استناداً إلى هذه الأشكال التقليدية أو من خلال ابتداع أشكال جديدة، مع عدم استثناء مقدمات المطولات الغنائية التي يصلح الكثير منها ليكون قطعاً موسيقية مستقلة.