في عام ,1939 كتب غراهام غرين الى أخيه هيو يخبره عن صدور روايته بريتون روك التي كانت أولى رواياته التي جوبهت بنقد الكنيسة واحتجاجها. تحكي هذه الرواية خداع الولاءات في عالم الاجرام المنظم داخل بريطانيا. وتبقى رواية مقلقة ومزعجة عن مسألة الضمير المسيحي. كان غرين قد تحول من البروتستنتية الى الكاثوليكية قبل ثلاثة عشر عاما من صدور هذه الرواية. وعند وفاته في عام .1991 ومع صدور أكثر من ثلاثين رواية له، فقدت بريطانيا روائيا كثير الانتاج ومؤرخا لقضايا الإيمان الانساني وليأسه ولازدرائه. تمويل زوجات المنشقين كالعديد من أبناء جيله، كان غرين جاهزا للرد على الرسائل التي تصل إليه. وفي كهولته، تلقى غرين أكثر من مئة وثمانين رسالة في الشهر. وقد قرر ريتشارد غرين (لا علاقة قربى تربطه بغراهام)، وهو شاعر كندي وأكاديمي، أن ينشر هذه الرسائل وردود غراهام عليها. فصدر مؤخرا عن دار ليتل براون كتابه: غراهام غرين: حياة في رسائل . وكانت النتيجة هذا الكم الكبير جدا من الأحكام والمنتخبات المتسمة بحسن التمييز، والتي تقدم رؤية واسعة لغراهام غرين الرجل: أفراحه، أحزانه، ومخاوفه، وفوق كل شيء كرمه. فملبيا احتياجات أصدقائه، كان يقدم لهم ما يحتاجون اليه من مال يجنيه. كانت الروائية مورييل سبارك واحدة من الكاتبات اللواتي استفدن من مال غرين. كتب اليها غراهام في احدى رسائله عام 1974: لا تجعلي كتبكِ أصغر حجما بسبب المال. وإلا فسوف تختفين مثل صموئيل بيكيت. والكاتبة ميرفين بيكه، التي أصيبت بداء الباركنسون في أواخر الخمسينات، كانت واحدة أخرى من صديقاته اللواتي كان غرين يصرف عليهن المال. كان غرين يشعر بالحزن والأسى والتعاطف مع الفقر المدقع لزوجات المنشقين السوفييت. وكان مصرا على التأكد من وصول المساعدات المالية الروسية اليهن. أما مراسلاته مع الروائي الهندي الجنوبي ر. ك. نارايان فكانت محطة لافتة. كان يرى في اسم نارايان عاملا معيقا لمبيعات رواياته وطلب منه ان يخترع لنفسه اسما أدبيا سهل التناول. الملاحظة ان هذه الرسائل تعكس هموما شخصية تدور حول الخيانة والخديعة في زمن التعامل المزدوج مع الحرب الباردة بين روسيا وأميركا. كان والد غرين مديرا لمدرسة حكومية خارج لندن، وكصبي تعلم غرين اليافع كيف يتخلى عن أقربائه عندما كان يغادر منطقة العائلة ليذهب الى المدرسة. وكان غرين قد تعرف الى كيم فيليبي أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما عمل تحت إمرته في المخابرات البريطانية في غرب افريقيا، وبقي الاثنان على اتصال تراسلي ولفترة طويلة، وحتى بعد انكشاف فيليبي عميلا سوفييتيا في عام .1963 تبدو المراسلات بينهما عائلية ومنزلية، كالحديث عن الفودكا والوجبات التي تناولاها في موسكو في الثمانينات. وما اذا كان غرين قد شك في كون عزيزه كيم متسللا سوفييتيا الى المخابرات البريطانية قبل الكشف عن قناعه عام ,1963 مسألة لن يستطيع قارئ هذا الكتاب ان يحسمها، كما يقول ريتشارد غرين. جنس وكحول وجد غراهام غرين في الكثلكة موضوعا ميلودراميا، ومناخا لمعالجة الخير والشر. وكان ذلك مفيدا له كروائي. ورسائله في العشرينات الى عشيقته فيفيان دايريل براوننغ كانت تحرضها على الارتداد عن الكنيسة في روما، وكانت هذه الرسائل أسلوبا لاسترضائها ايضا، وقد أصبحت فيفيان زوجته في ما بعد. ولكن بمجيء عام ,1947 انغمس غرين في علاقة عاطفية مع كاترين والستوف المتزوجة من أميركي. ورسائله الى هذه الأخيرة تبدو عابقة بالجنس والكحول. كتب اليها من دكار عام 1949: أنتِ انسانيتي الأفريقية. أنا أحب خميلتك السوداء مثلما أحب الخمائل السوداء هنا . ولقد تمتع الاثنان بنشوة العناق المراهق خلف حاجز مذبح الكنيسة وشبقية هذه الرسائل واضحة ومؤكدة: أريد أن أتدفق الى داخلك ومشحونة بالشوق: أنا عطشان الى عصير البرتقال عند الثالثة فجرا. وأريد ان أراكِ في البيجاما فوقي . تؤكد هذه الرسائل على مقدرة غرين في استثارة السقطات وولعه بما بقي خارج طبقته وثقافته سواء في الأفلام الزرقاء في هافانا ما قبل كاسترو او في تعاطي الماريجوانا في جامايكا. وقد تبدو أحكامه وآراؤه في أدباء أقل شأنا منه لاذعة وساخرة جدا: ستيفن سبندر عنده فائض لا لزوم له من اللطف الانساني ، أو قوله: سلمان رشدي ذوقه صارم وسيئ في آيات شيطانية . وبين الأدباء الكاثوليك، حظي فقط إيفلين واف بإعجاب غرين ومحبته، ولقد فجعه موته عام .1966 كتب غرين الى أرملته لورا: ما أحبه كثيرا في ايفلين، تلك الميزة النادرة، وهي اكتفاؤه بالكلام اللطيف خلف ظهر من يغادره (كان غرين حذرا جدا من الكلام التملقي الذي يقال له وجها لوجه). وبقي غرين مولعا بمحبة طفليه من فيفيان وحافظ على اتصاله بهما عبر الرسائل، وأثناء أسفاره. كتب غرين الى ابنته كارولين عام ,1959 من الكونغو البلجيكي: كل الحب من والدك المتجول ولكن الحامل حبه دائما لك . والآن وربما لأول مرة، يظهر أمامنا غراهام غرين من خلال هذه الرسائل، مميزا لا يُنسى كمخلوقات رواياته. تقديم وترجمة: صفوان حيدر (عن مجلة كلتشر، الصنداي تايمز)