وعمار يا اسكندرية... يا جميلة يا ماريا ، أغنية أخذت تتردد في ذهني على طول الطريق الذي يقودني إلى مدينة الاسكندرية الجميلة، تلك الأغنية تحديداً دوناً عن الأبيات الشعرية كلها التي ارتبطت بالاسكندرية، من اسكندرية ماريا وترابها زعفران إلى شط اسكندرية يا شط الهوا . في الحقيقة، لا أعرف لماذا اعتقدت أنني سأذهب لأجد الاسكندرية التي أعرفها (ولم أزرها منذ سنوات). ربما هو الحنين، حنين إلى الاسكندرية المصوّرة، أو إلى مجتمع ينطق بمفردات مختلفة عن تلك التي تعتمدها القاهرة. في التاريخ القديم للمدينة التي بناها الاسكندر الأكبر ، يقولون إنه كانت خياطة الثياب ممكنة في ليلها، من دون الحاجة إلى إضاءة المشاعل، وذلك لأن أرضها اكتست بالمرمر الذي تُعكس عليه أشعة القمر! أما حكاية ماريا فتبدأ من حقيقة أن العديد من الأجانب، خاصةً اليونانيين، كانوا يعيشون في الاسكندرية وبقوا فيها حتى ما بعد منتصف القرن الماضي. فكانت المدينة نموذجاً حقيقياً لمجتمع كوزموبوليتان ، ما انعكس على الطرز المعمارية فيها، وعلى سلوكيات سكانها الذين تميزوا بملابسهم المتحررة نسبياً، وطباعهم المتقبّلة للغرباء. فالاسكندرية تقع على البحر الأبيض المتوسط، تأتيها الرياح من قبرص واليونان وإيطاليا. واعتاد المصريون في أدبياتهم على تسمية الاسكندرية ب ماريا ، كنوع من التدليل. وعندما ذهبت إلى الاسكندرية، لم أجد ماريا. ولا صادفت بنات بحري بدلالهن وأنوثتهن. لقد وجدت الاسكندرية تستقبلني بالملابس الرسمية! إنتو مالكم السنة دي يا إسكندرانية؟! ، عبارة صاح بها رجل قاهري أكثر من مرة وهو يتشاجر مع أحد الباعة. ولم تكن تلك المرة الوحيدة التي أسمع فيها هذه العبارة: فلقد تبدّلت المدينة فجأة، وتحوّل أهلها من أشد المرحبين بالمصطافين والغرباء، إلى بشر هاجسهم الانقضاض على المصطافين والغرباء لتحصيل أي مبلغ من المال! المدينة الوديعة المشرقة تحوّلت إلى أطلال ماضيها. كانت تطل على البحر الأبيض المتوسط، وبات الهمّ والكره يفيضان من وجوه أهلها وهم يستميتون للحصول على المال من دون وجه حق. عندما تقف على الكورنيش، لن ترى الإسكندرية. وحين تنظر إلى الكورنيش، لن ترى الشاطئ! المدينة التي تراها في أفلام الأبيض والأسود عبارة عن كورنيش واسع وشاطئ ثائر ومبان راقية ومنخفضة، تحولت إلى بنايات شاهقة لا تتسم بأي ذوق، وتحول دون رؤية الكورنيش الذي كان بديعاً. أما شواطئ العامة فتحولت بمعظمها إلى شواطئ خاصة، وبات من النادر أن تجد شاطئاً عاماً. وإذا وجدته، فمن الأفضل ألا تحاول دخوله. الزحام يفوق الوصف ليلاً ونهاراً. في الليل، تميّز، بسهولة، بنات الهوى . وستدهشك كثرتهن لا محالة. وستدهشك فجاجتهن، وسوقيتهن. وفى النهار، سترى النزول إلى الشواطئ بالملابس الرسمية، لن ترى ملابس سباحة إلا في القليل جداً من الشواطئ الخاصة التي يستلزم دخولها اشتراك عضوية. أما في بقية الشواطئ فتنزل النساء بكامل ملابسهن، ولا يتوانى بعض الرجال عن النزول بالبنطلون وال تي شيرت إلى المياه، وتعتبرون زيّهم هذا مايوهاً شرعياً! والمفارقة تكمن في أن الاسكندرية تحولت إلى أحد أكبر معاقل جماعة الإخوان المسلمين الذين ينشطون في كل مكان ينتشر الفقر فيه. ولقد فاقم من حالة الفقر ازدياد عدد سكان الاسكندرية، إذ انتقل إليها سكّان الكثير من المحافظات المجاورة، من الذين حلموا بحياة المدينة ولم يجدوا فيها من يهتم بهم، فحولوا الاسكندرية إلى ريفٍ آخر. لذا، أصبح من النادر أن تلتقي في طريقك ب اسكندراني أصيل. لا تستغرب كثيراً إذا وجدت سيدة تتمشى على البحر وتغوص قدماها في الماء، وهي ترتدي النقاب وتمسك بيد زوجها. ولا تستغرب أيضاً إن وجدت منقّبة تستحمل الجلوس إلى الشاطئ تحت الشمس طوال النهار بنقابها. ولا تندهش إذا وجدت فتيات يرتدين المايوه الشرعي ، وهو عبارة عن رداء أشبه برداء الغواصين، يلتصق تماماً بأجسامهن، فوقه تنورة قصيرة، وعلى الشعر غطاء. ولا تستغرب إذا وجدت بعض المحجبات يخلعن أغطية شعرهن كنوع من الترويح عن النفس في المصيف . في الاسكندرية وحدها، ستجد مكتوباً على كافة الحافلات العامة العبارة التالية: ممنوع الركوب المجاني . ألا تقدر هذه العبارة على انتزاع ابتسامة منك، إذا رأيتها للمرة الأولى؟ وعلى الرغم من أن الحديث لم ينقطع منذ سنوات عن محافظٍ أنقذ المدينة وجدد شبابها، إلا أنك ستتساءل: وهل كان يمكن أن تكون الحال أسوأ من ذلك؟! أم أن ما حدث كان محاولة لتمشيط المدينة وتمهيد الأرض لهجمة رجال أعمال لن يهتموا مطلقاً بتوظيف شباب الاسكندرية الذين يطوفون على الشواطئ لبيع الكماليات للمصطافين، وعلى المقاهي والكافيتيريات كمندوبي مبيعات، يتحملون الصد والإهانة شباناً وشابات. وعندما يطل فصل الشتاء، يجلسون بلا عمل. حصل أن تم تقديم واحد من هذه المشروعات الفندقية العملاقة بصفته منقذ مستقبل الاسكندرية. وأفردت الصحف القومية صفحاتها الأولى لغزلٍ يحاك فيه! لكنه، حتى الآن، لا يجد عمالة فندقية أصلاً، لأنه لا توجد عمالة مدرّبة في الاسكندرية، ولا توجد على أجندة المشروع رغبة بتدريب العمالة وتأهيلها. ما ينعكس على مستوى العمل فيجعل المكان غير جاذب للزبائن. يضاف إلى ذلك سوء معاملة العمالة المصرية، ما يجعلها تهرب ولا تكترث لأسماء الشركات الكبيرة. ذهبت إلى الاسكندرية محملةً بهموم القاهرة الكئيبة، وقلت عسى أرمي همي في بحرها وأعود بخفة فراشةٍ مسّها سحر مدينة المرمر. ذهبت إلى الاسكندرية فإذا بي أعود محملةً بهموم وطن بلغتُ شماله، فخذلني البحر. البحر لم يتحمّل، فوقفت محاصرةً بين بحرٍ يلفظ ناسه وأولياء أمر لا يعنيهم الأمر، ولا البحر... ولا ماريا. (الإسكندرية)