جدد الحاكمان الاميركيان للعراق الالتزام، أمس، باستراتيجية انقسم حولها الكونغرس الاميركي منذ مطلع العام الحالي حين فرضها الرئيس جورج بوش رغم معارضة الديموقراطيين، وذلك خلال شهادة أدلى بها القائد العسكري للقوات الاميركية ديفيد بتراوس والسفير الاميركي في بغداد رايان كروكر، وتحدثا فيها عن تقدم امني لكنهما أرجآ التوصية بسحب الزيادة العسكرية التي تقوم عليها الاستراتيجية حتى أواسط العام المقبل. ولم يهتز الشاهدان أمام الهجوم الديموقراطي الغاضب على استمرار الوجود العسكري الاميركي في العراق، وانحيا باللائمة الكبرى في الازمة العراقية على سوريا، وخاصة إيران التي تسعى إلى تحويل ميليشيات عراقية الى قوة شبيهة بحزب الله . وكان صعود بتراوس وكروكر إلى المنبر مسبوقاً بتعليقات محبطة من مدير جلسة الاستماع، رئيس لجنة القوات المسلحة النائب الديموقراطي آيك سكيليتون، الذي قال متوجهاً إلى بتراوس من شبه المؤكد انك الرجل المناسب في العراق، ولكن بتأخير ثلاث سنوات و250 ألف جندي أقل مما يجب . بدوره، قال رئيس لجنة الخارجية في مجلس النواب الديموقراطي طوم لانتوس إن إرسال تعزيزات عسكرية إلى العراق ربما حقق نجاحاً تكتيكياً، لكنه فشل استراتيجي . ورد بتراوس، وهو يرتدي بزته العسكرية، بشكل ضمني على اتهامات غير رسمية بأن تقريره يوافق هوى البيت الابيض، قائلاً كتبت هذه الشهادة بنفسي. لم يتم تنقيحها أو الاطلاع عليها من قبل أحد في وزارة الدفاع (الاميركية) أو البيت الابيض أو الكونغرس . وأمام لجنتي استماع واحدة من مجلس النواب واخرى من مجلس الشيوخ ، قال بتراوس، إنه يوصي بسحب نحو 30 ألف جندي أميركي من القوات القتالية في العراق في أواسط العام ,2008 على أن يبدأ الانسحاب في وقت لاحق من هذا الشهر بوحدة من ألفي جندي مارينز. أضاف بتراوس، وبعد ذلك، اذا تمت الموافقة على توصياتي.. سيتبع مغادرة تلك الوحدة سحب لواء مقاتل (بين 3500 و4500 جندي) في منتصف كانون الاول (المقبل) واعادة انتشار من دون استبدال لاربعة ألوية قتالية أخرى ولكتيبتين (مئات من الجنود) لمشاة البحرية، تتبع للزيادة في حجم القوات خلال الاشهر السبعة الاولى من العام 2008 . وأشار بتراوس إلى أن خفض القوات سيستمر الى مستويات تقلّ عن مستويات الالوية القتالية قبل الزيادة (التي نفذها بوش)، والتي سنصل إليها بحلول منتصف تموز العام ,2008 من دون المخاطرة بالمكاسب الامنية التي قاتلنا من أجل تحقيقها ، مضيفاً لكن.. وفقاً لتقديري المهني.. سيكون من السابق لأوانه تقديم توصيات الآن بشأن معدل هذه التخفيضات ، حيث أن تجربتنا في العراق اظهرت تكراراً ان المضي بعيدا في تكهناتنا المستقبلية ليس صعباً، فحسب بل يمكن ان يكون مضللاً وحتى خطراً . وبذلك، ستنخفض القوات الاميركية في العراق مجدداً إلى نحو 130 ألف جندي، المستوى الذي بلغته هذه القوات في مطلع العام الحالي، قبل تنفيذ خطة الدفق العسكري التي قررها بوش. وهو ما برره بتراوس قائلاً إن الزيادة العسكرية حققت أهدافها بنسبة كبيرة . لكنه حذر من أن أي تخفيض مبكر للقوات الأميركية في العراق سيعود بنتائج كارثية . إلى جانب التقييم الامني، لم ينسَ بتراوس أن يشير إلى العجز في قدرات الحكومة العراقية المطلوبة، وتباطئها بسبب الطائفية والفساد المتعدد الاوجه . واستخدم القائد الأميركي خرائط وجداول ورسوماً بيانية ليوضح وجهة نظره، مشيراً إلى أن المكاسب العسكرية أصبحت متقلبة منذ خطة الدفق العسكري البوشية، مضيفاً أن ذلك ترافق مع تراجع عام في العنف أيضاً، وأن الحوادث في الأسبوعين الماضيين كانت الاقل منذ حزيران العام 2006 . وقال بتراوس أيضاً إن القوات العراقية بدأت تتولى مسؤولياتها تدريجياً. وأشار إلى تجربة التعاون مع العشائر ضد تنظيم القاعدة في الانبار، مضيفاً أن توجهات مماثلة بدأت تظهر في أماكن أخرى . بعد 45 دقيقة أدلى فيها بتراوس بشهادته، قال كروكر لا يمكن أن أضمن النجاح في العراق، لكن أعتقد، كما شرحت سابقاً، أنّه بإمكاننا إحرازه. أنا على يقين بأنّ التخليئعن جهودنا وتقليصها سيؤدي إلى الفشل، ونتائج الفشل يجب أن تكون مفهومة بشكل واضح، فهناك عراق سيقع في الفوضى أو الحرب الأهلية... بما سيؤدي إلى تدخل للدول الإقليمية في شؤونه . وأعلن السفير الاميركي ان مسار التطورات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية في العراق يسير قدماً رغم الصعوبات، معتبراً أن قيام عراق آمن ومستقر وديموقراطي يعيش بسلام مع جيرانه هو بنظري هدف يمكن تحقيقه . إيران وسوريا وحول إيران، قال بتراوس في تقريره إنه تم خلال الأشهر الستة الماضية استهداف الميليشيات الشيعية المتشددة، واعتقال عدد من قياداتها ومقاتليها، وايضاً نائب قائد فرع حزب الله اللبناني ,2800 هذه المنظمة التي أنشئت لدعم الميليشيات المتشددة وتدريبها وتسليحها وتمويلها، وفي بعض الأحيان لتوجيهها من قبل الحرس الثوري الايراني قوة القدس . هذه العناصر اغتالت وخطفت المسؤولين الحكوميين العراقيين وجرحت جنودنا عبر متفجرات متطورة أمنتها ايران، وقصفت بشكل عشوائي المدنيين في المنطقة الدولية (الخضراء) وامكنة اخرى. من الواضح اكثر فاكثر للقيادات في التحالف والعراق ان ايران، من خلال استخدام قوة القدس، تحاول أن تحول المجموعات العراقية الخاصة الى قوة شبيهة بحزب الله لخدمة اهدافها ومحاربة الدولة العراقية وقوات التحالف في العراق بالنيابة عنها . وشرح بتراوس خريطة التحديات الامنية في العراق. وقال، عن طبيعة الصراع في العراق، ان النشاط المؤذي من قبل سوريا وخصوصا ايران يزيد من ذلك العنف . واعتبر بتراوس ان تدفق الاسلحة الايرانية زاد، لكن مدربي قوة القدس الايرانية انسحبوا. واوضح يبدو ان تدفق الاسلحة في زيادة ولا نرى علامة على تراجعه ، مشيرا الى زيادة الهجمات بنوع واحد من تكنولوجيا القنابل التي تزرع على جوانب الطرق والصواريخ التي يربطها مسؤولون عسكريون أميركيون بايران. وأضاف بالنسبة الى قوة القدس ذاتها.. نعتقد بشكل عام ان أولئك الافراد جرى سحبهم من البلاد، مثلما حدث مع مدربي حزب الله اللبناني الذين استخدموا لبدء ذلك النشاط . من جهته، حذر كروكر خلال جلسة الاستماع من انه لا شك في ان ايران ستكون الرابحة من هذا السيناريو (الانسحاب) وستعزز هيمنتها على الموارد وربما ايضا الاراضي العراقية . واعتبر ان ايران فشلت في اتخاذ خطوات للمساعدة على تحسين الامن في العراق رغم إعلانها عن نيتها القيام بذلك في تصريحات علنية . واوضح ان الانطباع الذي خرجت به بعد جولتين (من المفاوضات) هو أن الايرانيين معنيون ببساطة بشكل المفاوضات أي ظهورهم على طاولة (التفاوض) مع الولايات المتحدة بوصفهم حكماً على حاضر ومستقبل العراق بدلا من انخراطهم بالفعل في عمل جاد . ورأى كروكر ان إيران تقوم بدور سلبي في تقويض الأمن وهو النهج ذاته الذي بدأته سوريا مسبقاً . واضاف إن إيران تقوم بتزويد الميليشيات الشيعية بالأسلحة والتدريب ، مشيراً إلى أن عدم الاستقرار في العراق سينعكس أيضاً على طهران . وتابع في الوقت ذاته، أن العديد من العناصر المسلحة ومنفذي الهجمات الانتحارية، التي تستهدف المدنيين العراقيين، ما زالوا يتسللون إلى داخل العراق، عبر الحدود مع سوريا . وقال كروكر إنّ الدور السوري في العراق كان أكثر إشكالية. فمن جهة، ئاستضافت سوريا اجتماعاً لمجموعة العمل حول أمن الحدود، ومنعت بعض الإرهابيين الأجانب من دخول العراق، ومن جهة ثانية، واصل الانتحاريون اختراقهم للحدود السورية لقتل المدنيين العراقيين . وكان تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الاميركية كشف، أمس، نقلاً عن قائد أميركي في العراق، أن وزارة الدفاع الأميركية تستعد لبناء قاعدة عسكرية قرب الحدود العراقية الإيرانية، في محاولة للحد من تدفق الأسلحة الإيرانية في العراق. وهو ما لم ينفِه في وقت لاحق المتحدث باسم الوزارة برايان ويتمان، الذي اكتفى بالتشديد على أهمية أمن الحدود . وقد قاطع سير الجلسة عدد من المتظاهرين المعارضين للحرب، ممن تواجدوا ضمن جمهور محدود داخل قاعة الاستماع، فتم اعتقال أربعة منهم بينهم الناشطة ضد حرب العراق سيندي شيهان. البيت الأبيض نفى البيت الابيض، في وقت سابق، أنباء شاعت عن أنه أملى على بتراوس وكروكر شهادتيهما أمام الكونغرس. وقال المتحدث طوني سنو إنه قد تكون لدى بوش فكرة عامة عن شهادتيهما، لكنه لم يطلع مسبقا عليهما، مؤكداً أن الرجلين ليسا دميتين تحركهما الادارة. أضاف لم نطلع عليهما (الشهادتين) ولم نعدّهما ولم نناقشهما ولم نلعب أي دور في هذه المسألة . وكان بوش هاتف المالكي قبل ساعات من شهادة بتراوس وكروكر. وشدد على ضرورة حصول تقدم سياسي ومواصلة التقدم العسكري على الارض . بدوره، أعرب المتحدث باسم الحكومة العراقية علي الدباغ عن ارتياح العراق لانسحاب تدريجي غير مفاجئ للقوات الاميركية، قائلاً إن لا مشكلة طالما أن هذه الخطط ستناقش أولا مع حكومة بغداد. أضاف الدباغ إن الانسحاب المفاجئ ليس في مصلحة اي طرف، لا العراق ولا المنطقة . (رويترز، أ ب، يو بي أي، أ ف ب)