هل تحتاج السينما العربية، بمآزقها وأسئلتها المعلّقة وارتباكاتها الجمالية والفنية والدرامية، إلى مهرجانات خاصّة بها في مدن غربية مختلفة؟ هل يُمكن القول إن هذه المهرجانات، التي تكاثرت بشكل كبير بدءاً من مطلع الألفية الجديدة، قادرة على دعم هذه السينما، والعمل على تخفيف حدّة مشاكلها المتنوّعة؟ هل بات توزيع الأفلام العربية في الأسواق العربية سهلاً وعادياً، كي يُعلن مدراء مهرجانات عربية في أوروبا أن أحد أهداف (إن لم يكن الهدف الأساسي) إقامة نشاطاتهم هذه في القارة القديمة كامنٌ في تسويق الأفلام العربية في الصالات الأوروبية؟ في المقابل، أيهما أفضل للسينما العربية: تظاهرات خاصّة بها تُقام في إطار مهرجان دولي له مكانته في المشهد السينمائي، وله جمهوره المتابع والمهتمّ؛ أم مهرجان مستقلّ بها هنا أو هناك، لم يؤسّس حضوراً سينمائياً عربياً جاذباً في الغرب، أقلّه لغاية الآن، على نقيض ما يذهب إليه هؤلاء المدراء؟ صخبٌ وتنظيرٌ بعد مرور خمسة عشر عاماً على تأسيس مهرجان خاصّ بالفيلم العربي في باريس (بينالي السينما العربية)؛ وبعد تنظيم سبع دورات متتالية ل مهرجان الفيلم العربي في روتردام (هولندا) منذ العام 2001؛ بات للسينما العربية مهرجان أوروبي ثالث وُلد في العام الفائت باسم مهرجان الفيلم العربي في بروكسل ، الذي يستعدّ لإحياء دورته الثانية في الأسبوع الأخير من تشرين الأول المقبل. لا تكتفي السينما العربية بهذه المهرجانات الثلاثة: هناك أسابيع واحتفالات وتظاهرات خاصّة بها في دول أوروبية وآسيوية وأميركية متنوّعة، كاليابان والولايات المتحدّة الأميركية والهند ولندن وسنغافورة وجنيف: صخبٌ إعلاميّ كبير لاحتفالية متواضعة بسينما متعثرة وعاجزة عن بلوغ من يُفترض بهم أن يكونوا المُشاهدين الأُول لها؛ تنظير هائل وكلام إيديولوجي يستخدمه مديرو هذه المهرجانات للترويج لأعمالهم المختزلة بعنوان دعم السينما العربية في الغرب ، بينما لا تزال هذه السينما غير قادرة على اختراق صالة عربية في مدينة عربية (هناك أفلام عربية كثيرة لا تُعرض في صالات بلدها أصلاً)، بينما يستطيع المراقب العاديّ اكتشاف عجز هذه المهرجانات عن بناء علاقة سوية بين السوق الغربية والإنتاج العربي، خصوصاً أن غالبية الأفلام العربية (المغرب العربي وفلسطين ولبنان وبعض الإنتاج السوري تحديداً) تُنتَج بتمويل أو دعم مالي أوروبي يتيحان لها توزيعاً في تلك السوق، ما يعني أنها لا تحتاج إلى أي مهرجان عربي يكتفي بمسابقة لتوزيع جوائز، تقع غالباً في دائرة المراعاة الجغرافية والمصالح الآنيّة. لكن أزمة المهرجانات السينمائية العربية في الغرب ليست محصورة في عجزها عن التسويق السوي للأفلام العربية في السوق الغربية فقط، بل في هويتها وسياستها الثقافية وبرنامجها الفني وتمويلها وآلية عملها وكيفية تنظيم دوراتها. إن المراقب العاديّ قادرٌ على اكتشاف مكامن الخلل فيها، ما يؤدّي به إلى طرح سؤال بسيط: لماذا تُقام مهرجانات سينمائية عربية في الغرب، في حين أنها لا تُفيد السينما العربية بشيء جوهري ومهم؟ لكن، هل يعني هذا إلغاء تلك المهرجانات؛ أم العمل الجدّي والدؤوب على تطويرها وتحسين شروط عملها وبلورة مفاهيم مختلفة لدورها واشتغالها، لا أن تظلّ تشكو من قلّة الموارد المالية، لقطع الطريق عن أي رأي نقديّ يطال تنظيمها؟ ألا يحصل بعض هذه المهرجانات عن تمويل مهمّ من منظّمات غير حكومية، أو من مؤسّسات فنية وثقافية أوروبية متنوّعة؟ وإذا لم يكن التمويل كافياً، فلماذا الإصرار على تنظيم دورات سنوية، لا تستفيد صناعة الفيلم العربي منها بأي شيء عمليّ، خصوصاً أنها لا تملك مالاً كثيراً تمنحه لسينمائيين فائزين، ولا تخصّص حيّزاً مهمّاً بسوق حقيقية أو بمنتديات للقاءات جدّية بين سينمائيين عرب (يُفترض بإدارات المهرجانات ألاّ تدعوهم بناء على علاقات شخصية ومصالح معينة) ومنتجين وموزّعين عرب وأجانب؟ فهل تأسيس مهرجان عربي في أوروبا، في ظلّ التجاذب السياسي الخطر بين الشرق والغرب، مجرّد مصدر رزق ؛ أم ماذا؟ العلاقة بالغرب تعليقاً على مسألة تطوير هذه المهرجانات العربية لتفعيل تواصل سوي بينها وبين الجمهور، رأت الناقدة السينمائية ريما المسمار (جريدة المستقبل ) أنه يجب غربلة الأفلام لاختيار الأفضل ، من دون أن تتغاضى عن أن مأزق المهرجانات في هذا الإطار كامنُ في أن غالبية الأفلام الحديثة الإنتاج تشارك في خمسة مهرجانات أو ستة، أي إنها تنتقل من هنا إلى هناك بسبب عددها القليل في كل عام: لا أقول إنّ هذا صحيحٌ أم لا، بل أسرد واقعاً ، مشيرةً إلى ضرورة الالتفات أكثر إلى الأفلام الوثائقية والروائية القصيرة التي تشهد إنتاجاً مهمّاً في دول عربية عدّة لا يسمع بها أحدٌ على نقيض الفيلم الروائي الطويل . في استعادتها البدايات الأولى ل مهرجان السينما العربية في باريس ، الذي يُقام في معهد العالم العربي مرّة واحدة في كل عامين وبدعم أساسي منه، قالت مديرته ماجدة واصف إن فكرة تنظيمه نشأت من رغبة سينمائيين عرب في أن يلعب المعهد دوراً ما في دعم السينما العربية: لأن إمكانيات المعهد لا تسمح له بالمشاركة في إنتاج الأفلام أو بشرائها لدعم مخرجيها، تمّ الاتفاق على تنظيم مهرجان خاصّ بالسينما العربية في باريس يهدف إلى التعريف بها وبأفضل إنتاجاتها بشكل دوريّ، ومساعدة السينمائيين العرب بمنح الفائزين من بينهم جوائز مالية، وتقديم أفلامهم إلى الجمهور الفرنسي أولاً والغربي الأوروبي ثانياً، والسعي إلى بيع الأفلام العربية وعرضها في السوق الفرنسية والأوروبية. هذا الهدف الأخير تحقّق تدريجاً، لأن بعض الأفلام وصلت إلى الجمهور من خلال المهرجان . من جهته، قال خالد شوكات (أحد مؤسّسي مهرجان الفيلم العربي في روتردام ، ورئيسه التنفيذي) إن تأسيس المهرجان نابعٌ من سؤال الوجود العربي في أوروبا: سؤال مطروح علينا في هولندا تحديداً، وَضَعنا أمام تحدّيات كثيرة، يُمكن تقسيمها إلى نوعين: يتعلّق الأول بالوجود العربي نفسه، وهو مُهدّد بغياب الضمانات الكافية لدى المُهاجرين العرب التي تسمح لهم بحماية انتمائهم العربي، هم وأولادهم، في هولندا. إنهم أقلية تعيش وسط ثقافة غالبة في بلد متقدّم، ومعرّضون للاندثار والانتهاك، ثقافياً. لذا، على العرب أن يواجهوا هذا التحدّي بصنع آليات ما للمُحافظة على وجودهم، دينياً وثقافياً وإثنياً. والنوع الثاني حضاري: صورة العرب في وسائل الإعلام والأدب الأوروبيين ومخيّلة الناس العاديين سلبية، تقدّم العربي رجلاً متخلّفاً ومتسلّطاً وإرهابياً، يضطهد امرأته ولا يحترم القانون، إلخ. . أضاف شوكات أنه أمام هذين النوعين من التحدّيات التقينا، مجموعة أصدقاء مثقفين لديهم الهمّ نفسه المتعلّق بواقع هذه الأقلية، للبحث عن آلية ما لمواجهة ما هو مطروح علينا، فارتأينا العمل على جبهتين اثنتين: أولاً، مساعدة الأقليّة العربية على المحافظة على وجودها؛ وثانياً، تحسين صورة العرب . لهذا، وجد شوكات وأصدقاؤه أن النشاط الثقافي والفني يُساعد على تحقيق هذين الأمرين، خصوصاً أن أنشطة كهذه لديها فعالية مزدوجة: مساعدة الأقلية العربية على المحافظة على وجودها، بربطها بثقافتها؛ وتعديل الصورة السلبية للعرب، من خلال هذه الأنشطة، لأن الثقافة والفن قادران على تحقيق هذا الأمر بطريقة سلسة ومباشرة . ورأى شوكات أن الفيلم السينمائي وسيلة أفعل من الخطب السياسية والكتب والمحاضرات وغيرها، في مسألة المحافظة على الهوية والدفاع عن الذات، ذلك أن فيلماً جيداً، لديه رسالة واضحة، قادرٌ على النفاذ إلى أعماق الشرائح والمستويات كلّها، والتأثير بها، أكثر ألف مرّة من أي شيء آخر . هذا ما ألمحت إليه رشيدة شيباني، المديرة الفنية ل مهرجان الفيلم العربي في بروكسل ، إذ اعتبرت أن تنظيم مهرجان سينمائي عربي في مدينة أوروبية قادرٌ على ترطيب الأجواء المتشنّجة بين الغرب والشرق، من خلال أفلام عربية جيدّة ومتنوّعة تحتوي على هدف أو رسالة، على نقيض أفلام أوروبية وغربية تعتمد الصورة السلبية للعربي . وقالت إن المهرجان واجه، في دورته الأولى، صعوبات عدّة، لأن كلمة عربي تعني، بالنسبة إلى غالبية البلجيكيين، إرهاباً أو أصولية إسلامية: صارعنا، ولا نزال نصارع؛ وعلينا أن نستمرّ في الصراع، لأن هناك أناساً لا نعرفهم كتبوا لنا رسائل داعمة ووجدوا في مهرجاننا نافذة تسمح لهم بالاطّلاع على نتاج ثقافي وفني مختلف ومغاير للصورة السائدة لديهم . ثقافة سينمائية غائبة اعتبرت ريما المسمار أن ما هو أساسي في أوروبا غير موجود عندنا، أي الثقافة السينمائية. بمعنى آخر، ولأن لدى الأوروبيين مثل هذه الثقافة، فإنهم يُشاركون في أي حدث سينمائي. وهذا الأخير له جمهوره الطبيعي الذي لا يبدي اهتماماً خاصّاً بالسينما العربية فقط ربما، بقدر ما يهتمّ ويتابع الحدث السينمائي ككل ، ورأت أن المهرجانات السينمائية العربية المُقامة في أوروبا تعاني مشكلتين/ نقطتي ضعف: أولاً، الجمهور، الذي يشارك فيها بنسبة قليلة. أما المهرجانات الأوروبية التي تعرض أفلاماً عربية من ضمن برنامجها، فتشهد إقبالاً جماهيرياً أكبر من المهرجانات العربية البحتة. ربما لأن السينما العربية في هذا الموقف تكون في ما يشبه ال غيتو ، منغلقة على نفسها ولا معرفة للجمهور بها أو بكيفية التواصل معها، فمعظمها يُقام على نطاق صغير ولا إمكانيات لديه لتحريض جمهور أعرض على حضورها، على عكس الفيلم العربي المعروض في مهرجان أوروبي، إذ يتمّ تسليط الضوء عليه بشكل أكبر. ثانياً، الصحافة الموجودة هناك تغطّي المهرجان كلّه كحدث سينمائي، في حين أن ما ينقص هو الاهتمام بالفيلم العربي. يجب أن يكون هناك اهتمام بالفيلم العربي وليس بالمهرجان ككلّ"". ورأت أن أهمية المهرجان كامنة في معرفة الإجابة على سؤال: إلى أي مدى يستطيع المهرجان إيصال الأفلام ، مشيرةً إلى أن الصحافي الأوروبي يكتشف الأفلام ويتعاطى معها ويتابع مسار مخرجيها من فيلم إلى آخر . أضافت متسائلة أنها لا تعرف من المُلام ولماذا: المشكلة ناتجة من آلية التعاطي مع المهرجان كحدث، ويصبح الأمر مُعمَّماً بأن المهرجان تابع لمنطقة جغرافية . وردّاً على سؤال حول إدارات هذه المهرجانات وأسلوب عملها، قالت الزميلة المسمار إن هناك هاجسين: الأول متعلّق بهوس البعض في إقامة هذا النشاط؛ أو أن يجد المسؤولون مواقعهم الخاصّة من خلال مواقع مهرجاناتهم. والثاني مرتبط بالاهتمام بالناس وبالسينما، وبإيصال الأفلام إلى ما هو أبعد من المواقع الذاتية. ثم إن هاجساً ثالثاً يُضاف إليهما: التوزيع الجغرافي. هناك من يختار كمّاً من الأفلام لتمثيل الدول العربية كلّها، بصرف النظر عن مدى أهمية الأفلام المختارة. هذه المهرجانات لا تستطيع منافسة المهرجانات الأوروبية الأخرى المهتمّة بالسينما العربية، ولا المهرجانات العربية الأضخم. فهذه الأخيرة (المهرجانات الأوروبية والعربية الضخمة) أقدر من المهرجانات الأخرى على استقطاب الجمهور . يُشدّد مدراء المهرجانات السينمائية العربية في أوروبا على أنهم جادون في اختيار الأفضل. لكنهم يقعون سريعاً في المساومات، انطلاقاً من رغبتهم في مراعاة الجميع، أو ربما لأنهم يتأثّرون بالأحداث السياسية والأمنية التي تعانيها الدول العربية. فبعد أن ضجّ العالم العربي كلّه بالقضية الفلسطينية على مدى أعوام طويلة (ولعلّه لا يزال يضجّ بها وإن بشكل مختلف)، ها هو اليوم منساقٌ إلى المعاناة العراقية والأزمة اللبنانية الخانقة التي نشأت باغتيال رفيق الحريري أولاً، وبحرب تموز 2006 وآثارها المتفرّقة ثانياً: يتعرّض ال بينالي باستمرار للأحداث كلّها التي يتعرّض لها العالم العربي ، كما قالت واصف، مضيفة أن المهرجان ليس فقط مرآة لما يحدث، بل صدى لكل ما تشهده هذه الدول من أحداث تنعكس علينا بشكل مباشر. في العام 2004 (الدورة ما قبل الأخيرة)، وقعت حرب العراق: تأثّرنا بها، فخصّصنا برنامجاً كاملاً للسينما العراقية. في العام 2006 (تموز الفائت) عشنا أحداث الحرب على لبنان يومياً، فعرضنا أفلاماً عدّة أنجزها سينمائيون لبنانيون في الداخل والخارج . أما خالد شوكات فقال إن الدورة الأخيرة (حزيران الماضي) لمهرجانه نظّمت برنامجاً خاصاً بعنوان أربع سنوات من حرب أميركا على العراق ، قدّم عدداً من الأفلام في هذا الإطار. لا بأس بهذا كلّه، لكن ماذا عن القيم الجمالية والفنية والدرامية والتقنية الخاصّة بهذه الأفلام التي تُنجز غالباً بسرعة، فتقع في التسطيح والتنظير الإيديولوجي المعتمد على انفعال من هنا أو خطابية من هناك؟ إذا كانت الغالبية الساحقة من الأفلام العربية تعاني مأزقاً إبداعياً خطراً، وإذا احتاج معظم المهرجانات السينمائية العربية المقامة في مدن عربية إلى تأهيل جذري لمستوياتها كلّها؛ فإن المهرجانات المُقامة في الغرب تواجه عدداً من المصاعب والأسئلة، لا شكّ في أن مواجهتها العنصرية الغربية هي أحد هذه المشاكل لا أبرزها، إذ أنها هي أيضاً محتاجة إلى تأهيل جدّي لتحسين سلوكها وآلية عملها وموقعها الحقيقي، لا الإعلامي والترويجي.