As Safir Logo
المصدر:

رسالة إلى جوزيف سماحة من زوجته بعد ستة أشهر على غيابه

جوزيف وسهيلة سماحة
المؤلف: سماحة سهيلة التاريخ: 2007-08-27 رقم العدد:10784

ستة أشهر مرّت ولم نقرأ لك من جديد. لقد اشتقنا أليك، أنا وأميّة وزيّاد، كشوق الظامئ إلى الماء، ولايقدّر حزننا بحزن. سنفتقدك كثيراً ولن نعتاد على رحيلك عن هذا العالم.. يوم السبت في 24 شباط قبل ستة أشهر، في التاسعة والنصف مساء، حين سمعت صوتك الدافئ والهادئ لآخر مرة، كان هادئاً أكثر من العادة. وقد أخبرتني ما حصل للصديقة مي في لندن، فطلبت منك أن تعطيني حازم لأكلّمه فقلت لي إنّه بعيد عنّي الآن، غداً غداً سأدعه يكلمكّ ، كررت الجملة مرّتين. لم أرتح في تلك الليلة ولم أنم جيّدا، واستيقظت باكراً وجرّبت البقاء في الفراش كعادتي كل صباح أحد. لكن الفراش لم يعد يطيقني، لم أكن مرتاحة، فنهضت وصليّت كالعادة في كلّ يوم مع الدعاء لنا ولك، وبعدها أمضيت الصباح وأنا أفكّر بما قلته لي مساءً، وجلست أنتظر مكالمة حازم. في الساعة 12 ظهراً فتحت التلفزيون على الجزيرة واذ بنظري يقع على أوّل جملة في آخر الشاشة: توفي الصحافي جوزف سماحة بسكتة قلبيّة ، فنزل الخبر عليّ نزول الصاعقة، وصرخت: جوزيف... جوزيف... صرخة أفحمت قلبي وكتمت صدري وشلّت أطرافي، وقعدت على الأرض مذهولة أحدق بشاشة التلفزيون لعلّ الخبر خطأ، ولا أريد أن أصدّق. فاتصلت بابننا زيّاد، ولدى سماعه صوتي أجابني قبل أن أسأله وبصوت خافت مذهول: لقد عرفت، لقد اتصّل بي حازم على التّو . فاتصلت بحازم حالاً وردّت سيّدة فقلت لها بصوت مخنوق سهيلة، أريد حازم ، وعندما التقط حازم الهاتف قال لي مباشرة العوض بسلامتك، انت بدّك تعزّيني وأنا أيضاً بعزيكي، انتبهي لنفسك ، فسألته ماذا حصل، فأخبرني. وعدت واتصلت بابننا زياد وقلت له أذهب إلى لندن فوراً واتصّل بي عند وصولك. وفي الوقت نفسه، كنت أفكّر بابنتي أميّة فاتصلت بها في بيروت دون جواب، ففهمت أن حالها مثل حالنا، مذهولين، ضائعين. وعندما اتصل بي زيّاد مساءً قال لي إنّ هناك من يساعده أيضاً من أسرة الأخبار ، وإنّ إنجاز الإجراءات سيستغرق أياماً عدة، وطلب مني الانتظار ليخبرني ما يحصل معه. فقلت له سأكون في الانتظار مع أميّة ببيروت ، ولغاية اليوم أشعر بالألم يعصر قلبي، لأنّني حمّلت ابننا هذه المسؤوليّة المؤلمة. وعندما اختلينا بك في قاعة الكنيسة، ليلة وصولك المهيب من لندن، لم نستطع الصراخ والبكاء فأحطنا بك وأردنا أن نغمرك بكل ما بقي لدينا من قوّة غير مصدّقين ما حصل لنا، فالتقطنا أنفاسنا وصلّينا لك، وبعدها قال زيّاد ليخفف عنّا، اطمئنّوا، اطمئني يا أمّي، اطمئني يا أختي، إنّه لم يتعذّب. لقد رأيته بأمّ عيني في لندن، وكان وجهه يبدو وكأنّه نائم مرتاح وعلى فمه ابتسامة. ولكنّنا أنا وابنتنا أميّة لم نرك مثله ولم ندرك جميعنا رحيلك المفاجئ حتّى الآن... رغم أنّ الموت حقّ .. أفخر أنّني رافقتك وبناءً على طلبك لأوّل مرّة أردت أن تشتغل بالصحافة. ذهبنا سويّة لمقابلة طلال سلمان بجريدة السفير وقد وافق وحصلت على العمل حالاً، وبعدها تزوّجنا، وتعاهدنا على السرّاء والضرّاء، وكانت ثمرة حبّنا نعم الأولاد أميّة وزيّاد. وكنا نعتبر كل من دخل بيتنا من قريب أو بعيد صديقاً لنا وواحداً من أهلنا، وأصبحت الصداقة هواء مقدساً نتنفسه في حياتنا، ولم يخل بيتنا من المحبّين في يوم من الأيّام حتّى قلت يوماً لقد ورثت سهيلة والدتي . وكنّا نعمل، كلّ منّا من جهته، وكلّ يوم كنت تخبرني عن سعادتك بعملك، وعندما كنت أعاتبك لتأخرك في العمل، لأنّني وأولادنا نفتقدك كل مساء، رغم الأصحاب المحيطين بنا، كنت تقول لي يجب أن تفتخري، لأنّني أتقدّم بعملي بسببك ، وكان الحبّ والسعادة يغمران حياتنا حتى حين كنت غائباً حاضرا، مضطراً لذلك بحكم الظروف الأمنيّة الصعبة والخطيرة التي تعرضت لها مرّات عدّة، دون معرفتنا أنا والأولاد بتفاصيلها. وبدأنا مسيرة الآلام معاً وعانينا الكثير من قسوة الوضع. وخسرنا طفلاً كنت حاملاً به بالشهر الثاني، لكنّنا اعتمدنا على قوّتنا بالنزاهة والصدق. كان همّك الوحيد هو عائلتك وكنت تتساءل بغصّة في تلك الظروف الأمنية الصعبة: كيف بعدما كان بيتنا يزدحم بالناس والأصحاب لم يستفقدنا أحد؟ . طلبت مني آنذاك أن لا أتكلم بهذه المواضيع أمام أحد إلى أن تتضح صورة الأمور، وهكذا كان. طلباتك كانت عندي صلاة. كان علينا أن نختار أن يعيش واحد منا في الظل، وقد قبلت أنا أن أعيش هذا الدور الصعب، من أجلك، ومن أجل أولادنا. وتحملنا، في ظل ظروفنا الجديدة، كامل مسؤولياتنا تجاه عائلتنا الصغيرة التي لم يستطع أحد أن يفككها. وكنت أصلّي من أجلنا كلّ يوم مع الدعاء لك بطول العمر، ومن أجل أن يحميك الله من كلّ سوء. ومنذ رحيلك المفاجئ لم أعد استطع الصلاة ولا الدعاء كالعادة. فليسامحني ربّي فإنّي أشكوه نفسي وأطلب منه مساعدتنا على المصاب الأليم، ولكي أعود إلى الصلاة كعادتي، الصلاة لنا ولراحة نفسك وروحك الطاهرة، لأنّني من الذين يؤمنون بيوم الدين. عشت معظم حياتي خائفة عليك، عشت والقلق مسيطراً عليّ، سواء كنت في بيروت أو باريس أو لندن، وكم أرهق ذلك القلق أعصابي، وتحملته كي لا أنقله إلى أولادنا، وحتى يتمكنوا من العيش بصورة طبيعية. كنت أعيش حالة مكابرة أمام الناس، ولقد قبلت شرب جميع الكؤوس المرّة وكانت كثيرة لكي لا يصيبك أيّ مكروه. أمّا رحيلك المفاجئ هكذا فهو كمرارة المصلوب على الخشبة، ويسقونه الخلّ بدل الماء عند الظمأ. جوزيف، كم أحتاج أليك. كنت تردّد على مسمعي دائماً: أنت امرأة صامدة وصلبة في الظروف الصعبة . في إحدى كتاباتك لي، وأسمح لنفسي بقول جزء قليل منها، قلت لي بالحرف : سهيلة العزيزة شيئان يعذباني: الصورة التي رسمتها لنفسي والتي لم أحقّق منها إلاّ القليل القليل. وأنت. وجودك يفضح تقصيري ويدفع في عروقي زخماً، وهذا الزخم يضيع لأنّه أكبر منّي، أو لأنّني أراه كذلك، لأنّني لا أستحقّه. أنت لي كضميري أحبّه، ولكن في بعض اللحظات أتمنّى لو لم يكن موجوداً. أتمنّى لو يتعطّل لأستريح. أنت وهو حاضران في كلّ لحظة لتقولا لي لقد سقطت . جوزيف العزيز، يا أبا أميّة وزيّاد الأعزّ ما عندي في الوجود، لم أفقد الثقة بك يوماً، وبأنّك ستحقق ما رسمته لنفسك، وأنّك تستحق ذلك. كنّا لك العائلة التي كنت تشعر معها بالأمان والعاطفة الدافئة، وأصدق ما في حياتك. وكنت لي عائلتي وجذوري المتجذّرة في أعماق أعماقي. كنت فخورة بك دائماً، منذ الحداثة ومنذ البداية. لقد تربّينا معاً، وكبرنا معاً، وعشنا معا الولدنة والمراهقة التي كنّا نمضيها في التنقّل من مكتبة الى مكتبة نفتّش عن الجديد من الكتب، وكنّا نقرأ كل شيء وبدون كلل، نقرأ كلّ ما يصل إلينا من جرائد ومجلات، متعطّشين للمعرفة وتغذية الروح. وكم تشابكت أيدينا سوياً في المظاهرات، وكم ترافقنا سوياً في متابعة المباريات الرياضية، من بينو إلى إيتوله إلى بيروت، وأحببنا بعضنا حبّاً ما بعده حب. لقد أحببتك ليس فقط حبّ الهوى، بل لكلّ صفات الرجل الانسان التي فيك، طيّباً، شهماً، كريماً، مخلصاً لعملك ولأصحابك، أميناً لأفكارك، تؤمن بالكلمة الحرّة، تؤمن بحريّة الشعوب، تؤمن أنّ فلسطين سيّدة الأرض يستحقّ أهلها الحياة، وتؤمن بعروبة لبنان الحرّ المستقل المنفتح على العالم. أنت لي كضميري أحبّه، فأنت توأم روحي وساكناً قلبي لآخر لحظة في حياتي حتّى مماتي. وجودك كان ضرورة وحاجة ماسّة، ليس لعائلتك فحسب، بل وللآخرين أيضاً، ولذلك لا أعجب عندما أسمع جميع من حولي يقولون: كنت خسارة للبنان والعالم العربي. لن أبالغ بالقول، ولكن من يملك مثلك ملكة المرونة الفكريّة والعقليّة والسعة السياسيّة والموسوعة الثقافيّة يكون ظاهرة تدرس، لأنه يكون ظاهرة لا تخلق إلا مرّة كلّ أعوام مديدة.. أنت وضميري حاضران في كلّ لحظة لتقولا لي لقد نجحت ، بل نجحنا. فعندما ننظر الى أولادنا تقول لي، ونحن فخورون بهم، فعلاً لقد فعلنا شيئاً في حياتنا. وأؤكّد لك أنّ لهم كثيراً من صفاتك. وثانياً عندما أسست جريدة الأخبار واعتبرتها إحدى أولادنا، كم كنت فخورة بك، وقد وضعت كلّ ما في عروقك من زخم فيها حتّى تعب قلبك ولم يعد يحتمل مشاكل لبنان والمنطقة العربيّة، فرحلت بهدوء شهيداً للبنان والعروبة. تاركاً ارثاً ما بعده إرث لأجيال من الشباب الذين يعتبرونك والدهم الروحي. وأنا على ثقة أنّهم سيتابعون مسيرتك الخالدة. أودّ أن أوجّه شكري واحترامي لأسرة الأخبار وأسرة السفير ، وأيضاً الى جميع من شاركونا أحزاننا وأحاطونا بمحبّتهم. انني أنحني بإجلال أمام روحك الطاهرة، ولعلّ ما يعزّيني هو أنّك فقدت الروح بهدوء، وعلى ثغرك ابتسامة ملكيّة. باريس في آب 2007

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة