As Safir Logo
المصدر:

إعادة إعمار كورنيش المنارة واجهة بيروت البحرية تجميل مكان أم تزييف حياة وسرقة بحر؟

مشهد من مخطط كورنيش المنارة
المؤلف: علاء الدين شادي التاريخ: 2007-08-17 رقم العدد:10776

طالما كان كورنيش المنارة قبلة للمتنزهين والراغبين بالتخفف قليلاً من هموم الحياة اليومية وكان أيضاً مسرحاً كاملاً غنياً بالمشاهد المختلفة والمتنوعة، إذ ينتشر في مجاله بائعو العرانيس والفول والقهوة وبعض المقاهي المتنقلة المرتجلة. كان العشاق الذين يرغبون بالتخلص من نير الرقابة يقصدونه. المقاعد الحجرية تحمل الكثير من الأسماء والتواقيع ورسومات القلوب والسكاكين، وأحياناً بعض الشتائم، إضافة إلى الشر الذي لا بد منه والذي يتفشى في كل مكان وهو السياسة، إذ انه إضافة إلى كلام الحب تنتشر أيضاً شعارات التأييد أو الشتائم الموجهة الى عدد من رجالات السياسة المعروفين في لبنان. بعض الشعارات تنتمي الى فترة مضت وبعضها حديث ينتمي الى الواقع القائم حالياً بما أفرزه من مشكلات وصراعات. كورنيش المنارة هو مكان مفتوح وهو فضاء عام يحمل شحنة عاطفية عالية بالنسبة للكثير من اللبنانيين، سواء من الذين ولدوا في فترة الحرب أو الذين ولدوا قبلها، ويتذكرون كيف كان هذا المكان حاضناً لزخم سياحي وكيف كان مجالاً نظيفاً ومرتباً وحياً. الجيل الجديد الذي ولد في فترة الحرب والذي بلغ مراهقته مع توقفها يرى فيه فسحة رافقت تفتح نزعاته الأولى ومجالاً يعيش فيه علاقاته الأولى مع المدينة والناس والمشهد البحر، حتى انه يمكن تحديد كورنيش المنارة بالنسبة للكثيرين منهم ووصفه على أنه ذاكرة حسية ومعنوية تغتني دائماً مع كل تماس جديد مع المكان. الطبيعة المسرحية للمكان لا تعني إطلاقاً أن هذا المسرح منظم ومرتب، فقد ساهمت التجاوزات التي تأسست في فترة الحرب والتي استمرت الى هذه الفترة في تحويله إلى مسرح عبثي بامتياز تسود فيه جميع أنواع المخالفات والمظاهر التي تدل على عدم وجود صيغة ما لاحترام المكان أو لتبني قيمه التي من المفترض أن تكون، بسبب إطلالها على البحر، قيم الهدوء والاسترخاء. الوضع السائد الآن لا ينقل هذه القيم بل يبث قيماً أخرى، بحيث يحس المرء أن كل ما هو منفر في المدينة من ضجيج وزحمة وتلوث سمعي وبصري وشمي أيضاً مكثف في هذه الفسحة. عائلات تحضر الكراسي والمشاوي ويصطف أفرادها مشكلين مجموعات تسد الطريق على العابرين، ناهيك عن الدخان المتصاعد من مناقل الشواء، إضافة إلى تلك العادة التي استجدت منذ فترة والمتمثلة في اعتناق ممارسة تدخين النراجيل وذلك من قبل فئات عمرية مختلفة وخاصة فئة الشباب، فبت ترى شبابا وصبايا في مقتبل العمر يفدون مع عائلاتهم الى الكورنيش محولين المناخ الى مناخ مشبع بروائح المعسل الثقيلة وغير الصحية. مشروع تحسين الواجهة البحرية لمدينة بيروت والذي بدأ العمل به منذ فترة هو مشروع يهدف إلى نسف ذاكرة الحرب والقضاء على مظاهر الفوضى التي صنعتها، كما يهدف إلى تغيير جذري لطبيعة المكان بحيث يصبح مكاناً يوازي في مواصفاته الواجهات البحرية للمدن الكبرى عربياً وعالمياً. استقبال هذا المشروع يختلف ويتناقض، فالبعض يحتفي به ويعده أمرا ضروريا طال انتظاره ويمثل فرصة للتخلص من كل حالة الفوضى المستشرية على طول الكورنيش، خاصة بعد أن بدأت بعض معالم المشروع تظهر كالبلاط ذي النوعية الممتازة والصلبة التي تجعل التنزه آمناً ومريحاً نظراً لاستوائها مقابل التواءات الإسفلت الذي كان يسود سابقاً والدرابزين المرتفع المشكل مكن مادة الألومينيوم الذي لا يصدأ إثر تعرضه للهواء البحري، وتالياً لا يتغير شكله، إضافة الى قدرته على تأمين الحد الأعلى من شروط الحماية العامة كون ارتفاعه وتقارب الفقرات الحديدية فيه يمنع انزلاق الاطفال، كما أنه يمنع المغامرين من هواة القفز من المجازفة غير المأمونة التي قد تؤدي إلى اصطدامهم بالصخور وتعرضهم إلى إصابات بالغة. آخرون لهم وجهة نظر مغايرة تعود في جزء منها إلى ما ألفه اللبنانيون من طريقة فاشلة في التعاطي مع المشاريع العامة، إذ ان معظم المشاريع تلزم بطريقة غير قانونية وتستغرق وقتا طويلاً وتؤدي إلى زحمة سير في الكثير من المناطق، ولا شيء عند أصحاب وجهة النظر هذه يوحي أو يدل على أن هذا المشروع سيكون التعاطي بشأنه مختلفاً عما ألفوه وخبروه، فهم لا يرون فيه الكثير من الخير ويصفوه بأنه تنفيعة أو تزبيطة . يتأسف البعض الآخر على عملية القضاء على الذاكرة الجميلة التي كانت مبثوثة في زوايا المكان وعلى الدرابزين الحديدي، ويعلقون على اللون الرصاصي للدرابزين الجديد بوصفه لوناً كئيبا وغير مفرح بل مخادعا. تسري أيضا في أوساط المتنزهين احتجاجات ذات بنية اتهامية تستعير من الأجواء السياسية القائمة مفرداتها ولغتها، وتقوم هذه الاحتجاجات على فكرة تقول إن الوضع الحالي للأوتوستراد الذي تسود فيه الحجارة والرمل والذي يصعب التنزه فيه سيستمر لفترة طويلة حتى لا يعود الناس راغبين بالنزول إلى هذا المكان، وساعتها يتم تمرير مشاريع واستثمارات مرتبطة بمصالح فئة معينة من الناس. للمهندسين والمعماريين وجهة نظر دقيقة بالنسبة لهذا المشروع، فهم يتعاطون معه وفق المعطيات الدقيقة، ويرون أنه عملية تحديث شاملة وضرورية تؤسس لبنية مدينية راقية وسليمة تستطيع مد سلسلة من التأثيرات الإيجابية التي تطاول الاقتصاد اللبناني من ناحية دعم السياحة، كما أنها تقدم للعاصمة التي هي واجهة البلد الرئيسية واجهة بحرية ممتازة وراقية وآمنة تجعل من عملية التنزه وممارسة النشاطات الرياضية عملية متاحة للجميع بطريقة منظمة وواضحة. كونيش المنارة: ثنائية الريف والمدينة تبدو هذه الثنائية التقليدية التي شاعت كثيراً في أوساط الشعراء في الستينيات حاضرة بقوة في طريقة وطبيعة التعاطي مع الكورنيش البحري، كونه معلما مدينياً بامتياز، فإذا كانت الادبيات الشائعة والتي يتلقاها الأطفال في المدارس والتي ينتشر بعضها في العديد من المناهج الجامعية التي تعنى بالعلوم الإنسانية ما زالت تحمل حنيناً رومنسياً الى القرية والريف وترى في المدينة الفساد والشر وانعدام العلاقات الإنسانية. الأغاني التي يحفظها معظمنا تحمل شحنة ريفية عالية تعزز الفكر الريفي بوصفه يوتوبيا أو فردوساً مفقوداً لا بد من العودة إليه كي تتحقق السعادة. مؤخرا فقط وفي مرحلة أواخر السبعينيات والثمانينيات بدأ أدب وفن المدن بالانتشار، ولكنه لم يستطع أن يزيح تراكماً ضخماً وهائلا متراكما داخل البنية التربوية والنفسية اللبنانية. ليس هناك تربية مدينية، خاصة أن معظم الناس الذين يعيشون الآن في المدينة ليسوا مدينيين بل هم كانوا قد قدموا إليها من الريف وتاليا هؤلاء ليس في تكوينهم ما يمكن أن نسميه التربية المدينية. رهيف فياض المعماري العتيق يقول: لقد تراجعت التربية المدينية وعم نوع من الغياب لهذه التربية التي كانت قائمة بفعل الترييف، فبيروت كبرت بواسطة غير المدينيين. تريفت بيروت وغاب عنها الحس المديني. يتحمل الناس جزءا من هذه الفوضى ولكن هذا لا ينفي مسؤولية المسؤولين عن هذه المدينة في رفع درجة العناية بالنظافة. لا يمكن للإنسان أن يصبح مدينياً مباشرة. إنهم ريفيون وعلى المثقفين تقع مهمة التوعية المدينية . سعيد فتحة عضو هيئة إدارية في جمعية بيروت التراث يقول: التربية على تقبل المدينة يجب أن تعمم وهي تشمل الكثير من الأمور التي يبدأ الإنسان بممارستها تدريجياً من بيته إلى شرفته إلى شارعه فمدينته. هذه الأمور بسيطة ولكنها جوهرية مثل كيفية رمي النفايات وكيفية قيادة السيارة وغيرها . يسأل فتحة: كل الأماكن تنتظم فلماذا لا تنتظم العاصمة؟ مهمة التوعية على التربية المدينية هي مهمة تقع على عاتق المثقفين والواعين اجتماعياً. لماذا ما زلنا نعيش في أجواء الحرب؟ دعونا ندخل في التحديث ونواكب التطور المديني . كورنيش المنارة داخل بقوة في هذا التجاذب بين الريف والمدينة، كونه إنتاجا مدينيا صرفا، وتاليا فإن التعاطي معه كمنتج مديني يستتبع حتماً الولوج في ثقافة المدينة وطرح سؤال الشعبي والنخبوي والمعنى الذي يتخذه كل منهما، وعما إذا كان الشعبي مرتبطا بالفوضى وانعدام التنظيم. وهل حقا أن التنظيم والتحسين يمثل طرداً للناس من المكان أم دعوة إلى تبنيه بطريقة جديدة، وما هو مفهوم المكان الشعبي والمكان غير الشعبي وهل يستطيع أوتوستراد المنارة كونه مكاناً عاماً أن يصبح مكاناً غير شعبي إذا ما طاولته هذه التغييرات المزمع إنشاؤها؟ الكلفة الكبيرة للمشروع هل تعني أنه لن يكون قيد الاستعمال العام؟ للإجابة عن كل هذه التساؤلات لا بد لنا عن الاطلاع على طبيعة المشروع وطموحاته. ماذا يحتوي مشروع تحسين الواجهة البحرية لمدينة بيروت؟ المهندس سعيد فتحة أمين المال في نقابة المهندسين يشرح طبيعة المشروع بالتفصيل قائلاً: الفكرة كانت موجودة منذ فترة طويلة، ربما تعود إلى حوالى خمسة عشر عاما مضت، ولكن الظروف كانت تحول دائماَ دون البدء بتنفيذ ما يحتاج إليه المشروع من دراسات وتخطيط هندسي، إضافة الى الاستقرار الأمني. الآن قررت بلدية بيروت وهي الجهة الممولة للمشروع تنفيذه وقامت بالدراسات شركة رفيق خوري، وأنيط التنفيذ الى شركة عبد الرحمن حورية. ما سيتم إنشاؤه ليس تصليحات كما يتبادر الى الذهن للوهلة الأولى، بل هو تحسين الواجهة البحرية لمدينة بيروت، وستتغير المعالم بشكل جذري. سيتم الاستغناء عن الدرابزين الحديدي القديم ويستبدل بدرابزين من الألومينيوم الذي لا يصدأ إثر تعرضه لهواء البحر، كما سيطلى بمواد تمنع تراكم الأوساخ وهو مرتفع أكثر من الدرابزين القديم وقياسه مطابق للمقياس العالمي الذي يحدد ارتفاع الدرابزين المنشأ على الواجهات البحرية للمدن ب80 سنتيمتراً. يراعي هذا الدرابزين متطلبات السلامة العامة ويمنع القبضايات من المغامرة بالقفز. الدرابزين الجديد ليس معداً للجلوس إطلاقاً. الرصيف سيكون مبلطاً ببلاط قوي وجميل يحاكي ذلك المتوفر في أحلى مدن العالم. سيكون هناك تنسيق للحدائق على الوسطيات وعلى الأطراف. ستقام تمديدات تخص الكهرباء والهاتف وصرف المياه وإشراكها بالمجارير الرئيسية. المياه لن ترمى في البحر مباشرة بل ستذهب أولاً إلى محطات تكرير وتصبح صالحة ثم تصرف لاحقا في مياه البحر. سيراعى وضع المعاقين ففي كل الأماكن المزمع إنشاؤها سيكون هناك مكان خاص للمعاق يستطيع الدخول والخروج منه دون أي عقبة طبيعية، وإذا أراد المعاق النزول من السيارة بعجلاته سيكون الوضع مؤمناً له تماما كما هو الوضع للصحيح. سننشئ حمامات تلاحظ استعمالات المعاقين بحيث سيكون هناك مقبض خاص يستطيع المعاق استخدامه بسهولة. سيقام قسم خاص للدراجات. المقاعد الموجودة حالياً ستتغير كلها وسيتم استبدالها بمقاعد جديدة مريحة وواسعة. الإنارة ستتغير تماماً وتستبدل بإنارة ذات طابع رومنسي إذا جاز التعبير، وسيتغير شكل أعمدة الإنارة. سيعاد ترميم الحيطان التي تفصل بين الكورنيش والبحر . ماذا يقول الناس؟ هذا وصف للمشروع لكن هل يتقبل الناس هذه التغييرات بإيجابية؟ جولة استطلاع صغيرة في أوساط المتنزهين تظهر تجاذباً وتراوحاً بين الاحتفاء والقبول المتحفظ وصولاً إلى الرفض. أحمد مشموشي يقول: التغيرات إيجابية والمنظر أفضل، وأعتقد أنه حين يكتمل المشروع سينعكس إيجابياً على الوضع السياحي في لبنان . حسين داود يعلن: المشروع جميل جداً. أنا من شباب المنطقة وأرى أن الوضع طبيعي، هناك ناس وهناك على الدوام صبايا جميلات . بالنسبة لعلي رضا: الذي يحدث واضح ولا غموض. سابقا كان الدرابزين الحديدي مثلا يستخدم للجلوس وكان يستقطب الزعران . الآن بدأ المكان يصبح مرتباً أكثر. هناك فرق كبير بين الشعبي والنوري . لدى سؤاله عن هذا الفرق يحدد علي النورنة على أنها القذارة والوساخة و الزعرنة ، أما الشعبية فهي أن يصبح المكان للناس. يشهر محمد اللوزي استياءه قائلاً: أنا مستاء لأن الدعامات الحجرية المكومة على طول الكورنيش قد حجبت عني رؤية البحر من بيتي القريب، وأنا لا أعلم متى ستزال. المنظر حتى الآن غير مقنع ولا أعلم ماذا سيكون عليه الوضع بعد ذلك. نحن الآن في عز الموسم السياحي ولا أعتقد أنه إذا أتى السياح سيريحهم هذا المنظر القائم حالياً . ينسب محمد الملا إلى المشروع أبعادا سلبية على المدى الطويل: أعتقد أن المشروع مسيء للبنانيين على المدى الطويل لأن تصميمه يمنع الناس من الجلوس طويلاً. السهرات الطويلة لن تعود ممكنة بعد إتمام المشروع وتالياً بحسب تصوري يصبح المكان مكانا للعبور السريع وليس للتنزه والاستمتاع . سارة التنير المعروفة بنوغا وهي لاعبة رولرز أي تلك الأحذية المزودة بدواليب التي تستعمل للمشي السريع وللقفز تقول: كنت أستطيع اللعب سابقاً، أما الآن فأنا مضطرة للذهاب إلى الشارع مما يسبب بعض الخطورة. أعتقد أن الوضع سيتغير لاحقا. أتمنى أن يصلحوا الطريق حتى أستطيع اللعب . ستيفن عبد الله وهو شاب صغير من ممارسي رياضة الرولرز أيضا يبدي بالغ أسفه: أحس أن الوضع سيّئ. لقد خسرنا موسمين: الموسم الحالي بسبب هذه التصليحات والموسم الماضي بسبب الحرب. الآن نحن لا نستطيع المشي ولا نستطيع وضع الدعامات الخشبية التي نقفز بواسطتها لأن الدرك يلاحقنا. هدفنا أن نصبح محترفين يوما ما ولا نعلم إن كان الوضع المستقبلي للكورنيش سيسمح لنا بذلك . عاشقان يرفضان الكشف عن اسميهما لدواعٍ أمنية كما يعلق الشاب ضاحكاً يعلنان موقفهما من التغيرات. يقول الشاب: نحن نجلس الآن تحت القسم المنجز من الدرابزين الجديد وهو متين أكثر من الحديد القديم. سمعت أخبارا تقول انه سيتم تغيير الإنارة بحيث تصبح ملائمة لمزاج من هو على شاكلتنا، كما سمعت أيضاً أنه سيتم منع السيارات التي تصدح بأبواقها وبمكبرات الصوت المزعجة. كل هذا إذا تم فعلا فهو يناسبني تماما ولا أعتقد أن التحسين سوف يضر بحميمية المكان أو بطابعه الخاص بالنسبة لي بل على العكس أنا شخصيا أعتبر أن التحسينات، وخاصة إذا تم رفدها بقوانين تمنع التلوث البيئي والسمعي، ستكون بمثابة هدية لي . تتنهد الشابة وتقول طالما ارتبط البحر بالعشاق وأنا من خلال دراستي الأدبية قد اطلعت على الكثير من الأعمال الأدبية التي تتخذ من البحر موضوعا لها. لا أعلم لماذا أضمر تخوفا من هذا المشروع على الرغم من أن الوضع يبدو جيدا من خلال الملاحظة الأولى ومن خلال ما سمعنا به عن طبيعة هذا المشروع . تصمت قليلا ثم تضيف المسألة ببساطة هي أنه ربما لسنا قادرين بعد أن نصدق أن هناك من يسعى إلى مصلحتنا وقرر أن يهدينا شيئا ما . تصمت مرة ثانية، تنظر إلى حبيبها وتعلن جازمة: نحن العشاق زينة الكورنيش . أي قضية الرأي السلبي الأكثر جذرية يعود إلى محمد الخراط، إذ انه يرى في الوضع المستجد للكورنيش سرقة وتزييفا للمكان. يقول الخراط: ما سيؤول اليه الأمر بالنسبة للكورنيش قد يعجب السياح ولكنه يسلب مني الحميم والشخصي، لذلك أشعر وكأن شيئا قد سرق مني وذلك سيؤثر بالطبع على علاقتي بالمدينة وسوف يتناقص عدد مرات نزولي إلى الكورنيش. هذا الكورنيش هو لكل الطبقات وأنا أعتقد أن هذه المنشآت الغالية الثمن ليست مناسبة للطابع الشعبي. أعتقد أنهم يسرقون الطابع الشعبي. قد يكون التطوير في بنية المكان مبهرا ولكنه سيكون مزيفا وغير أصلي. نحن شرقيون نحب ما يربطنا بالماضي وهناك دائما ما يشدنا إلى المكان الذي تربينا فيه وتنزهنا فيه صغارا وتاليا المكان هو كتلة من المشاعر والتاريخ. أنا أتعاطى مع كورنيش المنارة على أنه متحف. كل شيء يتغير لصالح التجارة، والمدينة كما أراها هي بصدد التحول إلى مدينة ألعاب حيث كل شيء يصبح قابلا للاستغلال وحيث لا شيء مجانيا. ربما لا يسعى القيمون على هذا المشروع إلى طرد أمثالي ولكننا سنطرد أنفسنا لأن المكان لن يشبهنا كما هو حال الداون تاون . يتساءل الخراط أخيرا عن ثمن التحديث: التطور والتحديث هو لمن يستطيع دفع ثمنه . لا تغيب عقلية المؤامرة والمحسوبية عن فكر الخراط لذلك فهو يعلن أعتقد أن بعض الأشخاص سيستثمرون المكان عبر علاقات ومحسوبيات وستكون الاستثمارات كبيرة وسوف نشتاق إلى كوز الذرة. هناك قسوة ووقاحة، فأنا على سبيل المثال لن أعود قادرا على النزول بالبيجاما من بيتي القريب لأن ذلك سيصدم آهلي المكان الجدد. سنصبح نحن أبناء المكان وسكانه عبارة عن نشازات . رهيف فياض رئيس هيئة المعماريين العرب يفضل التحدث على ما يعتبره الخطر الأساسي المتمثل في حرمان بيروت من البحر، فهو يقول: القضية الأساسية هي قضية الأملاك البحرية والخطر الأساسي هو تملك الشاطئ. هناك أيضا الردم في الريفييرا والمطعم المستوي على الأملاك البحرية، وهناك مسبح الجامعة الأميركية وتوسيع الحمام العسكري وبناء فندق الموفمبيك. كان سابقا ميناء الحصن وهو المرفأ التاريخي، وقد تم تملك هذا المكان قسرا وبنوا فيه المارينا التي تقوم الآن بالاعتداء على الأملاك العامة وعلى الدستور لأن الدستور يضمن حرية الوصول الى هذه الأماكن . يراجع فياض شريط ذكرياته عن المنارة فيعلن: المنارة هي تقليديا مكان للنزهة، وما جعلها كذلك هو أفقيتها واستمراريتها الطولية بدون تعرجات وكونها أولى المناطق التي افتتحت قبالة البحر. اتجاهها شمالاً يجعلها محمية من الشمس. كان هناك مقاعد الباطون القديمة التي تعود الى ما قبل فترة الحرب، وكان هناك مشروب جلول وعصير نجم والقهوة المعدة يدويا والتي كانت تقدم بطريقة شاعرية. كل هذه المظاهر كانت تعطي المنطقة طابعاً شعبياً. أنا أتخوف من كل ما يتوجه للنخبة . المشكلة التي يطرحها رهيف هي العلاقة مع البحر، إذ يرى أن المارينا هي قضية فظيعة كونها حرمت الناس من البحر، إضافة إلى مشكلة البنايات المرتفعة التي تخالف شروط البناء على البحر. يشرح وجهة نظره هذه قائلا: عندما تنظر الى المارينا لا ترى البحر بل ترى ماء المارينا. رؤية البحر من الأفق ليست رؤية فلا علاقة حسية وفعلية، هذا وهم البحر وليس أبدا البحر. الأبراج التي بنيت على البحر أتت لتحجب رؤية البحر عن كل الساكنين خلفها فباتوا لا يرون البحر. هذا النوع من البناء يجب أن يكون ممنوعاً. البناء على البحر يجب أن يكون منخفضا وما خلفه مرتفع وليس العكس. يجب أن تراعى أيضا المسافات بين البنايات . يخلص المعماري إلى القول: حقي في البحر ضاع ولا أعلم ماذا سيكون عليه مشروع تحسين الواجهة البحرية لمدينة بيروت، ولكنني تحدثت عما أعتقده أكثر جوهرية. لقد تم احتكار رؤية البحر من قبل أصحاب الثروات الكبرى . ينهي حديثه بجملة تصلح أن تكون شعارا: البحر ملك الناس وليس ملكا للأغنياء . هل سيكون البحر للناس فعلا في هذا المشروع الجديد أم أنه سيسلبهم ما بقي لهم من علاقة مع البحر؟ هذا السؤال عليه أن ينتظر إجابته الى حين يتم المشروع الذي أعلن رئيس بلدية بيروت أن الانتهاء منه سيكون في الثلاثين من أيلول القادم.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة