As Safir Logo
المصدر:

المتخيّل الإسلامي واستراتيجية السلطات

الإيطالي أميديو موديلياني (1884 ـ 1920)
المؤلف: زين الدين احمد التاريخ: 2007-08-10 رقم العدد:10772

ينضوي تحت لواء العقلانية التنويرية الذي يحمله المفكر التونسي عبد المجيد الشرفي صفوة من الطلاب الجامعيين الذين يعدون أطروحاتهم بإشرافه ورعايته. تنطلق هذه الورشة الجامعية لتعيد التنقيب والحفر في أساس العقلية العربية الكلاسيكية، ويتمحور بعضها حول بؤرة القوة التي يتمتع بها النص التراثي الإسلامي الرسمي الذي يحتكر الحقيقة المطلقة، ويعلي من شأن ذاته. مقصياً كل نص آخر مخالف، مهمشاً كل رأي لا يوافقه، أو يتطابق معه، مكرساً نفسه خطاباً مرجعياً وناطقاً وحيداً باسم الإجماع المنشود. ما يقوم به طلاب عبد المجيد الشرفي في أطروحاتهم التي نشر بعضها في بيروت، هو تنكب منهجية حديثة تفكك آليات الهيمنة التي تخترق هذا الخطاب التراثي أو ذاك، وتجعله نافذاً ومتفرداً أو مسيطراً على ما عداه من الآراء المعارضة والمباينة له. وتكشف عن وظيفته السياسية والإيديولوجية، وقدرته على التماهي بين سلطة خطابه وسلطة المقدس. ولمقاربة هذا المسار التنويري الذي يسلكه طلاب الشرفي، نقف عند أطروحتين نشرتا في لبنان: احداهما كتبتها ناجية بو عجيلة في السائد والمهمش في الفكر الإسلامي القديم ، والأخرى لمنصف الجزار الخيال العربي في الأحاديث المنسوبة إلى الرسول . توسّط بو عجيلة في موضوعها آليات النقد الحديث لتحليل الخطاب الديني واستثماراته السياسية والإيديولوجية. وتسعى إلى اكتشاف عوامل الإنتقاء والإقصاء والمسكوت عنه، واللامفكر به، التي تسيطر على إيديولوجيات الخطاب الرسمي الإسلامي، ومنظومة التفاسير القرآنية المشدودة إلى مرجعية الإعلاء والتقديس، والمدونات الفقهية التي تسود، لا لمعقوليتها وإحالاتها المنطقية أو بنيتها الاستدلالية، بقدر ما يعود الأمر إلى تضافر عناصر ثقافية واجتماعية وسياسية تساعدها على وحدانية التمثيل، وعلى استخدامها آلية رئيسية من آليات الصراع على السلطة. وإذ تقف ناجية عند إشكالية الاختلاف والائتلاف في الفكر الإسلامي منذ بدايات حركة التدوين، فإننا نجد في العمل الأصولي التأسيسي الذي أرساه الفقهاء المسلمون، وعلى رأسهم الإمام الشافعي سيطرة لمدونة فقهية محددة، تحولت معطياتها إلى مسلمات بديهية لا يرقى إليها الشك، وتتمتع بسلطة فكرية ودينية غير محدودة استطاعت أن توحّد نص القرآن ونص السنة. وأفضت بذلك إلى المطابقة بين عمل المجتهد أو الفقيه وحكم الله. ما أرسته مدونة الشافعي بتحويل الحديث إلى مصدر نص مقدس، جعل إقصاء أي نص آخر مخالف أمراً معقولاً ومقبولاً، ما دام يشكّل وجوده أو قبوله تصدعاً وانشقاقاً في وحدة موهومة، وخروجاً على إجماع الأمة المتواشجة المتضامنة. عرّت ناجية في أطروحتها، من خلال الآليات الموجهة التي استخدمها المسلمون الأوائل في نصوصهم ورواياتهم لعبة التقارب بين المحدثين والنافذين من رجال الدين والفقه لتكوين مدونة تشريعية تهيمن على الحياة الفكرية الدينية، وتخدم سلطة الأمر الواقع باسم الإجماع المزعوم، الذّي ليس هو في الحقيقة إلا محاولة لإخضاع الجميع إلى سلطة واحدة مهيمنة وسائدة، بصرف النظر عن مشروعيتها أو عقلانيتها. وبذلك يُحجر على الآراء المخالفة خشية إضعاف المناعة الدينية. وتذكر ناجية بو عجيلة في هذا المقام كيف أن السلطة كانت ترشي النافذين من رجال الحديث لاستمالتهم إليها، ووضع أحاديث نبوية مختلقة ومنحولة لتعضيد السلطة القائمة، وتثبيت أقدامها. ومن الطرائق المعرفية: التي استخدمها المسلمون في مجال تثبيت دعائم السلطة، هي حركية المتخيل في اختلاق المرويات، تؤازرها تقنية الأحلام والرؤى والتنبؤات. وسوى ذلك من الوجوه اللاعقلانية لإفحام حجة المخالف، ورميه بالزندقة والكفر. وهذا الجانب المعرفي البدائي انكب عليه بالتفصيل منصف الجزار في كتابه المخيال العربي . وأهم آليات العمل في اللغة الدينية السائدة، هي طريقة اشتغالها بتحويل التاريخي والنسبي إلى مطلق ودائم. والنسق الفكري الأصولي يقوم ها هنا على استتباع التالي بالسابق، وتوسيع دائرة المقدس طرداً مع تقدم الزمن، والقياس على الماضي وعلى الأصل. ثم توظيف آلية المماثلة بين سيرة الرسول، وسيرة بعض الشخصيات الدينية والفقهية بقصد إضفاء الطابع القدسي على صاحب السيرة وخطابه وإنتاجه. إن ما يضيئه كتاب بو عجيلة هو اكتشاف دلالات الاختلاف ومراميها البعيدة، في مقارنتها بين طريقتين مختلفتين في التعامل مع اسباب التنزيل هما: السيرة النبوية والتفسير القرآني. فالسيرة النبوية قاربت حياة الرسول في الكثير من الأحيان مقاربة تاريخية واقعية، بكل ما يساور هذه الواقعية من ملابسات بشرية ومواقف محرجة أحياناً. بينما أولت المنظومة التفسيرية القرآنية التي ارتكزت على السيرة عناية خاصة بتهذيب السيرة من الشوائب الإنسانية الملتبسة، التي تضع صورة الرسول المثالية موضع الريبة. وهذا الاختلاف توسعت نواته الفكرية طوال التاريخ الإسلامي، وأحاط بالعلوم التي انبثقت عن القرآن، مثل الفقه وعلم الكلام. ويسعى زميلها منصف الجزار في كتابه المذكور سابقاً إلى توسيع حلقة البعد الميتولوجي العجائبي في السيرة، كاشفاً عن الأواصر التاريخية التي ينبثق عنها، وتشكل مرتكزه المادي والواقعي. وتقدم بو عجيلة صورة بانورامية لهذا التجاذب والصراع الدامي بين الائتلاف والاختلاف، في محنة الأشاعرة والمعتزلة، حول إشكالية القرآن بين مخلوقيته وقدمه. بيد أن المؤلفة التي عرضت لمحنة القرآن بعد عصر المأمون، حجبت عن قصد محنة المتكلمين في عهد المأمون نفسه، الذين عارضوا القول بخلق القرآن. وهو تغييب ناتج عن إعجاب بو عجيلة بتجربة المأمون نفسه، الذي تصفه بأوصاف تبجيلية. المخزون الإخباري أما كتاب منصف الجزار فيضيء جانباً آخر من التراث الديني العربي والإسلامي، هو المخزون الإخباري العجائبي الذي أنتجته المخيلة العربية ارتكازاً على السيرة النبوية، محاولة استحضار صورة لبطل وقطب نوراني هو الرسول الذي تحّف به الأحداث المفارقة، والصور الخارقة. والذي يلبي صبوة روحية وتوازناً نفسياً واجتماعياً للمجتمع الإسلامي في بعض ظروفه. وهذه المرويات تبنيها استدماجات ميتولوجية مستوحاة من أديان سابقة، وتيارات غنوصية. وتطبعها بأسلمة مستندة إلى المتن القرآني، وخاصة الجزء القصصي منه، وإلى تأويلات باطنية وصوفية. وإلى ابتكارات صور ورموز إسلامية محمولة على الخارق والمدهش واللامألوف. وفي ضوء مسار أستاذه عبد المجيد الشرفي، وخط الدراسات الحديثة عن الخيال، كما يتجلى في كتابات اركون التي تتنكب النصوص الإسلامية. وأطروحة جيلبير ديوران في البنى الأنتروبولوجية للمخيال ، وكتابات مرسيا الياد وغاستون باشلار ومالك شبل وسواهم. يحلل منصف الجزار هذه المرويات التي تنطلق من قاعدة تاريخية مادية، وتنظم عبر الحكاية التي يسميها اركون الحكاية المؤطرة معطيات الفعالية البشرية من أجل فرض معناها. ويتفق منصف مع أركون بأن القصاصين الشعبيين لعبوا في بداية التوسع الإسلامي وما بعده دوراً في نشر العقائد والمعارف الدينية. ولعبت القصة موقع القلب في تنظيم الفضاء الديني الإسلامي، وإعادة إنتاجه وتسويقه. والمرويات هذه ليست تجميعاً أو تكراراً لحكايات قديمة انتشرت في الشرق الأوسط القديم فحسب، إنما هي حركة ديناميكية للمخيلة الخلاقة. وبذلك شكلّت القصة في البيئة الشعبية بؤرة لانبجاس تاريخ الوعي الإسلامي، في مجتمع يقوم على النقل الشفهي، بديلاً من الفكر المنطقي الاستدلالي الذي ظل محصوراً في أوساط الصفوة. كذلك زوّد هذا المعين الذي لا ينضب المفسرين بذخيرة هائلة لبلورة سلوكية أخلاقية ولتنظيم الشعائر، بل وسن القوانين والشرائع. ومثل اركون يخشى منصف الجزار من أن يتحول التعامل مع هذا النسق الميتولوجي العجائبي إلى نسق من التفكير، يغدو فيه العجيب عنصراً حاسماً في تفكيرنا، وفي تعامل المسلم مع المسائل المادية والروحية في هذا العصر. ويلحظ الجزار أن السعي للتدوين في فترة المدينة، حدّ نسبياً من جنوح المخيال المبدع لصور لا وجود لها في اصل الواقع التاريخي. ويدل هذا على أن المرويات الشفوية قبل عصر التدوين كانت تتميز بحرية صياغة الأفكار، فامتزج المتخيل بالتاريخ، والموهوم بالواقعي. لكن تقنين هذه الأخبار وانسحابها على مسألة النبوة، فرض على المدونين عملية تهذيب هذه الأخبار وتلك القصص والمرويات، وضبطها وتنقيحها لتغدو اكثر اسلمة. بيد أن الصور المتواترة عن الخيال تثبتت في الأذهان والعقول، وانتشرت بواسطة القصاصين بالدرجة الأولى، وتفاعلت مع المنظومة الثقافية والعقلية العربية. وهذه النصوص صارت تنتمي (بالتزيد والإضافة والإفاضة) إلى ذلك الصنف من التأليف الجماعي الذي ترى الجماعة المتلقية ذاتها فيه، بما تحمله من أبعاد نفسية وجدانية. في مقاربته لهذه المرويات المتخيلة يسلك الجزار حركة مزدوجة: أولاهما: تحليل مكونات النص الروائي وتفكيك صوره ودلالاته، والثانية: تأويل المعنى الجامع للنص، والنفاذ إلى المسكوت عنه، لفهم ما يحمله الخبر من معان ورموز. وبذلك يكشف عن البنية الأسطورية وتقنياتها، وتحول وظائفها وأدوارها خدمة لمشروعية إسلامية. تمذهب المرويات إن أسلمة المرويات دفعت الإخباريين والمفسرين إلى تهذيبها وغربلتها من رواسب الجاهلية والوثنية، وإلى تحويرها وتبديلها لإضفاء دلالات جديدة عليها، تتماشى مع المنظومة الإسلامية. تماماً مثل أي نص آخر يراد منه أن يشكل مرجعية شرعية، وأن يوظف سياسياً وايديولوجياً، او يخدم بعض التوجهات الفكرية والإسلامية. ولا يكتفي الجزار بتفكيك المضمون الروائي، إنما يقارن بين سلاسل الأسانيد، ويفحص العلاقة بين السند والمتن، ليضع يده على النقص والتحوير أو الإضافات والتبديل، وسوى ذلك من تفاصيل تؤثر في منظومة الدلالات الرمزية الدينية التي تحملها هذه الروايات. ومعظم هذه المرويات استخدمت كأسانيد لدعم التفسير القرآني، وتفصيل ما أجمله القرآن. وقد اتاحت الأحاديث النبوية المنسوبة إلى الرسول توظيف المخيال الإسلامي لإذكاء الحمية الدينية في النفوس، وتفسير الأحداث السابقة واللاحقة بالإسلام. وقد امتصت هذه المرويات كثيرا من الرواسب الأسطورية والطقوسية والميتولوجية في المناطق المتاخمة للجزيرة العربية، مثل بلاد ما بين النهرين، وفارس، وأرض كنعان، وازداد التلاقح مع ازدياد أعداد الشعوب التي اعتنقت الديانة الإسلامية الجديدة. في ضوء ذلك يشير الجزار، كما اشارت زميلته ناجية بو عجيلة من قبل، إلى أن المرجعية القرآنية ضعفت أمام سيل روايات التأويل التي تحولت بفعل التواتر، إلى سلطة فرضت نفسها على المفسرين، وتسللت من خلال الإسرائيليات وغير الإسرائيليات. كذلك دعمت المرويات التمذهب، وخضعت لمراقبة دينية مذهبية لتنسجم التصورات المتخيلة مع المعقولات النظرية والعقدية. وبينت المقارنات بين المرويات أثر التمذهب في توجيه الروايات وتوظيفها. ومن أمارات التوظيف المذهبي ما يذكره المؤلف عن تكذيب الحلبي في السيرة الحلبية لروايات الشيعة حول الأدوار البطولية للإمام علي، في غزوات النبي محمد استناداً إلى مواقف ابن تيمية المعادية لهم. كذلك ينفي الشيعة حادثة شق صدر النبي قبل البعثة، وغسل قلبه من الأدران الشيطانية، لأنهم ينزهونه عن الكبائر والصغائر منذ ولادته، وينزهون كذلك ائمتهم، ويعصمونهم عن الخطأ والنسيان، ولا يفرقون بين الإمام والنبي. ويعبر مخيال الخوارق بحكاياته العجائبية وغرائبه عن دلالات ومواقف حضارية ومعيشية وسياسية. ولكن هذا المخيال غدا في بعض عصور الانحسار والتراجع مصدر عزاء وتأسٍ، وسعياً بدون جدوى إلى هوية تتلاشى منعتها مع الزمن. وبهذه الآصرة الوثيقة التي تربط المتخيل بالواقعي، يحيل منصف الجزار فوران الماء بين يدي الرسول، أو تكثيره الطعام أو حلبه الشاة التي جف ضرعها، إلى الفضاء البدوي الضيق، الذي يقصر نبوة محمد على المأكل والمشرب اللذين يندران في هذه البيئة القاحلة الفقيرة. كذلك يفصح ارتجاس إيوان كسرى ليلة ولادة الرسول، ونضوب مياه بحيرة ساوه في فارس، وخمود نار المجوس، في المخيلة العربية الإسلامية حينذاك، عن انقراض دور الديانة المجوسية، وعن التبشير بميلاد السيادة العربية على محيط النفوذ الفارسي والحبشي. وإذا كان نظام الحكي الذي قام على توظيف الروايات المتخيلة، ظل يعمل في اقصى درجات انشغاله عبر مجالس السمر التي كانت شائعة ومزدهرة في فترات طويلة من الحياة العربية الإسلامية. فإننا نجد اليوم تجديداً لهذا النظام وتوظيفه السياسي والإيديولوجي، في سياق حضاري متطور، عبر برامج الدعاة المتلفزة، وخطب ائمة المساجد، حاملين صياغات موسعة منتخبة ومنظمة ومنتقاة، من معين هذا الموروث الروائي، خدمة لمواقفهم وطروحاتهم وإيديولوجياتهم.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة