يكشف كتاب المثقف ضد السلطة لمؤلفه الدكتور رضوان زيادة، الذي يبحث عن دور المثقفين الذي أفنته العقود الشمولية الماضية. بدأ المثقفون منذ أوائل القرن الحالي يحاولون استرداد العالم الذي أوجدوه وفقدوه، لكن هذه المرة بشكل مختلف. ففي حين أن المثقفين السوريين هم الذين صاغوا جسم السياسة ونفخوا فيها الروح، عبر تأسيسهم للأحزاب والجمعيات والنوادي الثقافية، إلا أنهم اليوم غائبون تماماً (أو بالأحرى غيّبوا) عن هذا الفضاء الذي صنعوه، وأما السلطة فقد كوّنت لنفسها مثقفيها وحراسها العقائديين وأوصدت الأبواب أمام المثقف الذي لا يريد أن يغني على أهوائها. كتاب المفكر السوري لدراسات حقوق الإنسان همه الوحيد هو التوثيق لمرحلة حراك المثقفين السوريين الذين يقاتلون اليوم باقلامهم لاستعادة دورهم في الحياة السياسية والثقافية، وفي الحياة العامة، والذين لم يتأخروا يوما عن أداء واجبهم خلال التاريخ السوري. في المرحلة العثمانية وقفوا في وجه العثمانيين وصمدوا وأدانوا الاستبداد، وفي مرحلة الاستعمار الغربي أسسوا مجالات السياسة من أحزاب وأطر نضالية، وكانت دمشق هي المركز الرئيسي للعروبة في فترة 1908-,1914 وهم الذين قاموا ببعث الحركة العربية، وعندما حضر العرب مؤتمر مدريد للسلام لم يتأخر المثقف العربي عن الدخول في نقاش التطبيع بل أسس حيزا لنقاش المحرمات، لكن الخطأ الوحيد الذي وقع فيه المثقف السوري هو عدم إدراكه أنه سيأتي يوم يرى فيه نفسه مبعداً ومهمّشاً ولم تعد السلطة بحاجة له. ميزة المثقف السوري كما وضحها رضوان زيادة هي انه موجود في كل مرحلة من حياة الوطن. حذر المثقف السوري من ترهين المرحلة للماضي كما جاء في رسالة شيخ المثقفين المرحوم انطون مقدسي إلى الرئيس بشار الأسد وكما حدث في اللقاء بين شيخ السياسيين رياض سيف مع نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام الذي حذر سيف من الخطوط الحمراء. وطالبت بالاصلاح كل بيانات المثقفين (بيان 99 وبيان الألف). المثقف هو الذي بادر الى تأسيس منتديات في كل مدن سوريا من الشرق منتدى القامشلي مرورا بمنتدى الكواكبي في حلب وفي دمشق عدد من المنتديات مثل منتدى الأتاسي واللقاء الديموقراطي في منزل رياض سيف. المثقف هو صاحب فكرة التغيير التدريجي، لأن وضع البلد الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي لا يتحمل غير هذا الخيار، في الحين الذي كان فيه مثقف السلطة قد دخل سبات الخمول والحيرة. يرى زيادة أن كل المثقفين وعلى مختلف مشاربهم قد تخطوا تاريخهم العقائدي اليساري والقومي والإسلامي وبدأوا يتوجهون لعقد اجتماعي جديد قائم على الشرعية الدستورية بعد أن كان هذا العقد قائما على الشرعية الثورية (من خلال بناء المنتديات، والأطر الحقوقية، وتفاهمات إعلان دمشق). أراد زيادة عرض صورة المشهد السياسي والثقافي بأمانة فهو نقل مواقف السلطة ومن لف حولها، وكشف ان السلطة لم تقف مكتوفة الأيدي إذ تلقت المعارضة أو جماعة المجتمع المدني عدداً من الرسائل التهديدية والتحذيرية عبر صحيفة المحرر نيوز متهمة دعاة المجتمع المدني بان تكون أندية الروتاري الماسونية بينها عند سؤالها عن الهدف الحقيقي الكامن وراء نية تأسيس جمعية أصدقاء المجتمع المدني . المجتمع المدني الكتاب الذي بين أيدينا مهم. ولعل أهميته تكمن في انه لم يتحدث عن حراك المثقفين السوريين بشكل عملي فحسب بل تخطاه إلى الاسهاب في الحديث عن رؤى المثقفين السوريين حول مفاهيم المجتمع المدني. يلفت زيادة فهم بعض المثقفين، ونتيجة للخلفية الإيديولوجية، مصطلح المجتمع المدني بشكل ملتبس مع ان مفهوم المجتمع المدني قد ولد من رحم مفهوم العقد الاجتماعي كما بلوره فلاسفة التنوير، فهو أنشئ بمرحلة أشبه بالتكيف في ما يتعلق بعلاقة الدولة بالمجتمع . وارتبط هذا المفهوم بشكل حصري مع السياق البولندي وتعمم في ما بعد في المجال الأوروبي الشرقي، وذلك ضمن حركة التضامن البولندية التي تمردت ضد وحدانية الدولة والحزب، وعملت على التبشير بخيار آخر جديد في هذه الدولة، أساسه ليس في الإصلاح الحزبي ولا الانقلاب العسكري وإنما في التحرك الاجتماعي المدني القائم على تميز المجتمع عن الدولة. يرى زيادة أنه ربما تأسس في وعي المثقفين السياسيين السوريين تشخيص لحالة الإحباط السياسي والاجتماعي التي يعيشها المجتمع السوري وتتلخص في ان السياسة السورية كانت متركزة في ايدي متنفذين يقودون حزب البعث الحاكم وكان هناك غياب شعبي ومجتمعي عن المشاركة في الشؤون السياسية، تجلى ذلك في انطفاء الفاعلية الاجتماعية على مدى عقود، لذلك رأوا ان تفضيل قيام المجتمع بدوره عن طريق فسح المجال الضروري له كي يمارس ويؤدي دوره ووظائفه السياسية والاجتماعية والاقتصادية سيكون بديلاً عما وصل إليه المجتمع السوري من عزلة عن التاريخ والعالم وحتى عن نفسه. يرى زيادة أن البديل الوحيد الذي يخرج البلاد من المأزق السياسي والتخلف الاجتماعي الذي يعيشه الشعب السوري هو المجتمع المدني. اعتبر المثقف السوري ان الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان لن يتحققا إلا في دولة المؤسسات والقانون التي يضمنها المجتمع المدني القائم على فتح المجال أمام الحراك السياسي والاجتماعي لمختلف الشرائح الشعبية. كانت هذه محاور كل بيانات ورشات المثقفين والمنتديات طوال هذه الفترة من تاريخ سوريا السياسي. بالمحصلة فإن المجتمع المدني يهتم بالشعب ويؤهله للدفاع عن حقوقه ويصون السلطة كي لا تنزلق نحو الديكتاتورية والشمولية.