As Safir Logo
المصدر:

صالح دياب في <صيف يوناني>.. الكتابة الأقلوية

المؤلف: شمس الدين محمد علي التاريخ: 2007-07-27 رقم العدد:10760

يجمع صالح دياب في ديوانه الأخير صيف يوناني (عن دار ميريت، القاهرة 2006) كل ما كتبه من أشعار، سابقاً ولاحقاً. فالديوان في واقعه ديوانان: الأول بعنوان صيف يوناني ويضم قصائد جديدة، يبدأ بها الشاعر، ليثنّي بإعادة طبع ديوان سابق له، عن دار الجديد، هو قمر يابس يعتني بحياتي ويثبته في القسم الثاني من صيف يوناني ، ما يسمح برصد التجربة وتطورها. ويظهر كأن القصائد الجديدة امتداد نفسي ولغوي للقصائد القديمة. فالسمات الأسلوبية واللغوية للشاعر تتطور إنما في خط شبه أفقي دونما انعطافات أو إضافات مفصلية. فنحن حيال نصوص شعرية لا تتسم بالحشد اللغوي أو الصوري، ولا بالتدفق. ونحس بالشاعر وكأنه يكتب كمن لا يرغب في أن يكتب. ثمة ممانعة ما، لا تخفى، تنضح من آلية العبارة واقتصادها وتمنعها أحيانا. وثمة ميل للمحو أكثر من الميل الى الإثبات أو الإلحاح. ولعله ينتمي بين كتاب قصيدة النثر الى شجرة الكتابة الأقلوية التي كتبها بسام حجار بامتياز، وكتبها بول شاوول في بعض من نصوصه. ليس فقط الشعر جرّب الكتابة الأقلوية، بل عرف في فرنسا والمغرب العربي المتأثر بالثقافة الفرنسية، المسرح الفقير ، وهو مسرح يلجأ الى أدنى أدوات المسرح من أشخاص وحوار وسينوغرافيا. وهذه الفنون مؤسسة على الزهد في العبارة والأكسسوار والأدوات. يشير صالح دياب الى البيت بين عشبتين (في قصيدة طيور أيلول). وقصائده نتف شعرية أحيانا مؤلفة من ست كلمات أو ثماني كلمات، ومعظم قصائد قمر يابس.. لا يتجاوز النص فيها الصفحة الواحدة. المهم في مثل هذه الكتابة ليس عدد الكلمات أو الاختزال الكمي، على ما يحمل من دلالة وتجريب. المهم الامتدادات الخفية للنص. ولا أعتقد أن الشكل لدى صالح دياب مدروس ومشغول بأبعاد تشكيلية فنية تحيل الى افتراض نقدي ما لتوزيع الكلمات على الصفحة. هذه المسألة لم تدرس ولم تمارس لدى شعراء قصيدة النثر بهاجس نقدي محكم. الأرجح أن توزيع الكلمات على الصفحة البيضاء لدى الكثير منهم، لم يأت على غرار ما قصد إليه مالارميه مثلا أو أبولينير. فلو أخذنا على سبيل المثال، النص التالي وهو يشكل قصيدة قائمة بذاتها لدى صالح دياب، ونقلنا صورتها على الورقة، كما هي واردة في الصفحة 86 من الديوان لوجدنا: حصان هكذا حصان يشتعل على طول صهيله. ونسأل: لماذا اختار الشاعر هذا الشكل بعينه لهذا النص؟ وهل توزيع الكلمات على هذه الصورة مدروس، وجزء من تقنية النص وبالتالي من ضرورته الشكلية الأدائية، بحيث يصبح الشكل لصيقا بالمعنى أو لصيقا بالإيحاء؟ ولا أظن لدى الشاعر إجابة نقدية شافية عن هذا السؤال. كما أظن أنه ليس لدى جلّ كتّاب قصيدة النثر، وكتّاب قصيدة التفعيلة، أسس نقدية إبداعية لتوزيع الكلمات والجمل على الصفحة. وهي مسألة شديدة الأهمية في نظري ومطروحة للدرس والنقاش... فلو كتب الشاعر نصه السابق مثلا، سطرا واحدا، فما الذي يتغير؟ أي: حصان هكذا حصان يشتعل على طول صهيله . فالجملة كما هو واضح جملة صورية. ولا يزيد أو ينقص في جوهرها، بعثرتها على الصفحة البيضاء، أو تسطيرها أفقيا. فالشكل الجديد للقصيدة الجديدة بحاجة ماسة لدراسة ميدانية وفنية معا. لم يحصل مثل هذا الانفلات التصويري الشكلي للقصيدة الكلاسيكية. فالقالب الذي أمسك بها وبخناقها على امتداد ثلاثة آلاف عام خلت من حياتها، لا يزال ممسكا بها حتى اليوم. فامرؤ القيس خط قصيدته أفقيا بأبيات متساوية بأشطر متساوية كل بيت صدر وعجز، تماما كما خطها من بعده المتنبي وأبو نؤاس ومن بعدهما حافظ ومطران وشوقي وصولا لسعيد عقل وبدوي الجبل وأدونيس ودرويش ونحن حين نكتب الكلاسيكية. وهو شكل لم يكن ويترسخ مجانا بل لعله صدى امتداد الروح العربية في صحرائها.. أو مساحتها النفسية... والمسألة إذاً مطروحة اليوم، تجاه القصيدة الجديدة، للحوار والتدبر. نتف شعرية صالح دياب يكتب قصيدة النثر الحديثة. ويلوح لي شعره كأنه نتاج روح مرضوضة، أو نتف شعرية غير صادرة عن الذاكرة بمقدار ما هي فيض حياته اليومية أو عذاباته الجسدية والنفسية، لذا تظهر نصوصه كأنها نتف من سيرة حياتية تذكّر تارة بمحطاتها (بلوغ الأربعين مثلا، أو المكوث بباريس، صيف يوناني... إلخ) وتنساق طورا خلف أحوالها وتأملاتها. والصيغ على العموم مختزلة. بعض فضول الكلام الإبلاغي ملغى. لا جواب، مثلا، لعندما (الشرطية) في قصيدة ياسمينة اثر ياسمينة : عندما غيابي يرفع جسراً عندما الألم الحامض لروحي... ونحس معها أن كسر قواعد اللغة جائز هنا للشاعر، من حيث يجوز له ما لا يجوز لغيره . وعلاقة صالح دياب بالعبارة علاقة ترويض وعدم خضوع... كسرة عتمة على قوله. ويحبذ عدم ترك أثر حيث الرجل يسقط في مياه الوحشة/ ولا يؤلف دوائر ... وبالتالي فالصور والكلمات التي ينتهي لإثباتها في النص، يحرص على أن تكون مزودة بامتدادات خفية ومتشعبة. لكأن النصف الفارغ في الكأس يهمه أكثر من الملآن. وفي الغالب، فكرة واحدة تكفي لنص... في يدي ثقلت حقيبة الأخطاء ، أحيانا تكفي صورة أو استعارة أو تشبيه أو فكرة... تعبت من حمل يدي ، مثلا. وتراه يحسس المعنوي، وبالعكس فتحت صندوق الجدة المغلق/ وسحبت الزرقة الى الكنيسة أو صمتنا الذي تقوّس/ تعبره كل العصور ... فمناخ اللطف هو المسيطر. وما يكتب يكتب بأقل تضاريس ناتئة ممكنة... ثمة أحيانا إيماءات ثقافية لكنها قليلة عابراً صف الأيام الطويل المائلة العنق كوجوه مودليان وهو يتكئ عليها في تنقله من محسوس لمحسوس ومن محسوس لذهني ومن ذهني لمحسوس وهكذا... لكن الصورة لديه، تضرب أحيانا تلك أخطاء بطول البحيرة .. وربما المعنى أيضا الطمأنينة في مرورها تخلّف ندوباً ... أشد على يد الضباب ... ذلك لا يعني أنه لا يتأمل في مسائل ضخمة، كالحياة مثلا (هكذا بكامل ثقلها) لكنه يميل معها للتخفف... يقول: أستعمل السبت والأحد/ كي أتأكد أن الحياة دلفت خلفي/ مع كلبة الجيران ويلاحظ الدم يسيل على جسده، من أول الشهر الى آخره، من هذه الموسيقى . القصيدة الأهم في الديوان، ومنها اشتق العنوان صيف يوناني هي قصيدة السفينة تعبر مضيقا . وهي قصيدة بحرية ذات صيف. بؤرة العبارة الشعرية فيها، البحر. زرقة البحر. المراكب. النوارس، الصخور، وثمة امرأة، بلا ريب، تخالط السحر... أصغر تأملاتك يرتجف كسمكة .. زورق يسحبك الى النوم من غفوتكِ ينسل البحر المناديك .. فالجمل المنبثقة من شيء ما مائي مائج وأزرق، بحري، لا يخلو من مراكب ونوارس ومنارات وقرصان... هذه الجمل تبقى طائرة كوشل الموج أو كأطياف البحر، وعلى الرغم من ذكره في جملة، للمقبرة البحرية باب مقبرة السفن على مصراعيه ، إلا أنه لم يقدم لنا مقبرة بحرية (أخرى). نعرف الى جانب المقبرة البحرية ، سان جون بيرس في منارات أو مرارات.. لكن يبدو أثر المقبرة البحرية كما منارات، قليلا على نص صالح دياب. هنا لا نقع على احتدامات درامية أو لغوية أو تأمل فلسفي من خلال اللغة، بل هي خواطر وخطرات طالعة من ناحية بحرية ما... منذ أن دفعوه الى الماء/ يدحرج موجة اثر موجة/... مجاذيفه تكسرت متبوعة بيديه.. أحلق ذقني وأصعد باكرا إلى الزرقة ... شهوتي تسعى على الصخور/ منارتي متشققة لفرط الملح/.. أرسلت أنفاسي في قارب... وهكذا، فالبحر هنا، أيضا، صنع قصيدة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة