As Safir Logo
المصدر:

أول نص مسرحي عربي للجزائري أبراهام دانينوس أم اللبناني مارون النقاش؟

المؤلف: محمد انور التاريخ: 2007-07-24 رقم العدد:10757

ما الذي ينتقص من قدرنا لو قلنا: إن العقل العربي لم يعرف فن المسرح إلا مع مارون النقاش حين عرّب مسرحية البخيل لموليير عام ,1847 ومن ثم أخرجها ومثّل فيها؟ ثم ما هي المشكلة لو أننا استخدمنا عقلنا، ورفعنا عنه كل وصاية ليصير عقلا نبيلا لا يمارس الفهلوة ولا التذاكي؟ أوتريدون يوربيدس عربيا، وشكسبير عربيا، وتشيخوف عربيا؟؟! لا تحتجوا ولا تتذرّعوا بالدين والعرف. فالدين لم يكن عائقا يحول وكتابة نص مسرحي عربي. ثم إنه مهما كان موقف الدين من التمثيل - بل كان موقفه من التمثال - فإنه لن يعطّل ولادة المبدع المسرحي، ثم إنه لو كانت هناك أية بذور جنينية لولادة اسخيلوس أو موليير عربي لولد؛ ولو كان الثمن رأسه. قصة حب نحن كنا مكتفين بالشعر، وعقلنا لا يفكر إلا بالشعر، انسحبنا إلى الصحراء، عشنا بداوة، لم نعش في الماء، في المدانة. أبالقوة، لا قوة البحث؛ إنما بقوة الشعور بالضعف، بالخزي، نريد أن نستولد فرجة مسرحية من تاريخنا. تريدون أن (تعملوا) من مقامات بديع الدين الهمذاني والحريري مسرحيات أولى؛ نواة لمسرحيات جنينية؟ فليكن. لكنها ليست مسرحيات، لأن كلا من الهمذاني والحريري لم يحققا أي شرط فني وفكري مسرحي فيها. بل لأنهما لما كتباها لم يفكرا مسرحيا؛ كما فكر يوريبيدس أو اسخيلوس أو أرسطو فانيس عندما كتبا مسرحهما. إذ ليس من المعقول أن تذهب لتباري فريقا بكرة القدم، إذا بك تأخذ كرة المضرب لتلعب بها في الملعب مع الفريق الخصم. ثم كيف سترى الكرة بين أقدام متقاذفيها وهي بهذا الحجم من الصغر! مسرحية عربية هذا الكلام مدعاته صدور مسرحية تم اكتشافها مؤخرا في الجزائر؛ وقام بتحقيقها وتقديمها مخلوف بوكروح. المسرحية كتبها (أبراهام دنينوس) بعنوان: نزاهة المشتاق وغصة العشاق في مدينة طرياق في العراق ؛ وكانت قد طبعت على الآلة الحجرية سنة 1847 في الجزائر. مسرحية تثير مشكلة جديدة/ قضية جديدة نصوغها بسؤال: من اكتشف المسرح وكان له السبق بوضع أول نص مسرحي عربي وباللغة العربية؛ إخوتنا المغاربة أم نحن الذين في المشرق؟ إذ من المتفق عليه كما أسلفنا، أن الموسيقي والممثل والمخرج والكاتب المسرحي مارون النقاش هو أول من كتب/ عرّب وعرض مسرحية عربية البخيل لموليير، وكان ذلك عام .1847 تروي مسرحية نزاهة المشتاق وغصة العشاق في مدينة طرياق في العراق لأبراهام دانينوس قصة حب تجري أحداثها في مدينة خيالية طرياق التي في العراق وتقوم على حكايتين متوازيتين: الأولى قصة نعمة وابن عمها نعمان حيث تغتنم الأم فرصة سفر الزوج لقمان المولّع بالبحر، وتقترح على ابنتها الابتعاد عنه، والزواج من ابن خالها رابح لأنه صاحب مال وجاه - في البخيل للنقاش المسرحية الشعرية الغنائية يقوم الثعلبي بطل المسرحية في إقناع ابنته هند بالزواج من قراد الرجل العجوز؛ في حين أنها كانت تحب عيسى - نلاحظ التقاطع في التفكير الدرامي بين قصة مسرحية (البخيل) لمارون النقاش و نزاهة المشتاق لأبراهام دنينوس. أما الحكاية الثانية فهي عن خوف وخشية أمناء من ضياع زوجها دمنهور في البحر. فلقد عادت جميع مراكب البحارة إلا المركب الذي فيه زوجها. طبعا وفي نهاية المسرحية يعود الزوج، وتكفّ نعمة عن التفكير في ابن خالها كما كانت ترسم لها أمها، وتتصالح مع زوجها نعمان، وللاحتفاء بذلك ينظم الزوجان وأصدقاؤهما رحلة- نزهة - للاستمتاع أو نزاهة على حد تسمية أبراهام دنينوس لها. تتوزع الأدوار في المسرحية بين اثنين وعشرين شخصية، منها ثمانية أدوار نسائية والباقي لوجهاء المدينة وبعض العامة من البيئة المحلية الجزائرية. وقد ظهر فيها تأثر أبراهام بالتراث العربي الإسلامي والثقافة الشعبية، وهذا ما يبرزه الحوار المسرحي الذي يجمع بين العامية والفصحى. أكثر من ذلك أن أبراهام دنينوس عمل في كتابة مسرحيته على الاقتباس من أمهات الكتب الأدبية العربية (ألف ليلة وليلة) و(كشف الأسرار في هياج الطيور والأزهار)، وغيرهما من المراجع والمصادر الأدبية والدينية. طبعا أبراهام أخذ في حسبانه الشكل/ القالب الدرامي الأوروبي وهذه ليست معيبة أو فيها ذلة عندما كتب المسرحية - النص بين يدينا - إنما بقي أبراهام عربيا جزائري الهوى والتفكير رغم يهوديته. فالمسرحية عربية بل إسلامية في نكهتها كما يرى بوكروح وكما هو واضح في لغتها ومشاعرها، بل إنها تعكس جانبا من الثقافة الجزائرية الأصيلة قبل الاحتلال الفرنسي، فهو كتبها وطبعها على الآلة الحجرية عام 1847 في العام نفسه الذي عرّب/ صنع مارون النقاش مسرحية البخيل ، عن نص لموليير في بيروت، والتي يعود الفضل في اكتشافها كما يرى مخلوف بوكروح إلى الباحث البريطاني فيليب ساد جروف أستاذ ورئيس الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر . إن مخلوف بوكروح أراد من تحقيقه هذا أن يؤكد لنا أن الجزائري أبراهام دنينوس 1798- 1872 اليهودي الديانة؛ هو أول من وضع نصا عربيا تأليفا وطباعة، في التاريخ الحديث، مارون النقاش أول من مثل وأخرج/ عرض نصا مسرحيا، ذلك لأنه يريد أن يضعنا أمام حقيقة علمية أدبية. أمام نص مولود، نص كامل الخلقة، لا تشوهات، لا عاهات، لأنه ولد ولادة طبيعية وعن زواج طبيعي، وليس من زواج شغار أو زواج استبضاع.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة