تكاد التطورات اليومية من أمنية وسياسية ان تمنع اللبنانيين من التفكير بما آلت إليه أمورهم وأسباب هذا التدهور الحاصل في بلادهم، فالصراع الدائر حاليا بين موالاة ومعارضة واتهام كل فريق للآخر بتبعية عربية او اقليمية او دولية يعيدنا بالذاكرة الى تاريخ لبنان المتصرفية والقائمقاميتين والانتداب والاستقلال، حيث ليس هنالك من كبير عناء في تعداد الدول صاحبة النفوذ حينئذ واليوم كفرنسا وانكلترا وروسيا ومصر والامبراطورية العثمانية التي استدلت بالامبراطورية الاميركية ونتائج الحربين العالميتين الأولى التي أضافت سوريا والسعودية الى القائمة مع اضافة ايران التي تعتبر احدث الوافدين. أبدأ بالقول بأن الصيغة اللبنانية المتعارف عليها بتعبير العيش المشترك هي علة قيام لبنان وعلته في آن. فالكيان اللبناني بحدوده الحالية والذي أنشئ في الاصل بموجب اتفاقية سايكس بيكو قام على اساس طائفي رجحت فيه كفة المسيحيين عند انشائه ولم يتقبله المسلمون الا في أواخر الثلاثينات من القرن الماضي. ومع الاستقلال تمت المحافظة على الصيغة الطائفية التي جرى تثبيتها في اتفاق الطائف الشهير. أما محاولات تطوير هذه الصيغة بقصد الغاء الطائفية السياسية او تجاوزها فلم تكن بالمحاولات الجادة وانما جرى ذكرها ابتداء من البيان الاول لحكومة رياض الصلح وانتهاء باتفاق الطائف لتأجيل المواجهة الحقيقية لامكان تعديل الصيغة التي ذكر العيش المشترك كونه يعلو فوق كل اعتبار. ولقد ترجم الدستور بأمانة الصيغة اللبنانية حينما أتى في مقدمته على ذكر العيش المشترك كونه يعلو فوق كل اعتبار. من هنا لا تعكس بعض المفاهيم الدارجة معناها الحقيقي فالقول بالحكومة غير الدستورية (او الفاقدة الشرعية او غير الميثاقية) يعني المنتقصة طائفيا ومفهوم الوحدة الوطنية يعني الوحدة الطائفية ومفهوم الديموقراطية يعني الديموقراطية التوافقية وهما كلمتان متناقضتان أصلا، وليجرؤ أي مواطن عادي او سياسي ويذكر ولو عرضا الديموقراطية العددية. ولعل ما يعقد الامور ان مناعة الصيغة تأتي من ان التصدي لها او التهرب منها لا يجري الا في زمن الاحتراب بين اللبنانيين. وابلغ مثال على ذلك، ما جرى خلال الحرب الاهلية اللبنانية وكذلك الازمة الحالية. فعندما يسود شعور طائفة ما او تجمع طوائف بتعاظم شأنها تهجم على الصيغة لتعديلها او التملص منها بينما تتمسك بها الطائفة او الطوائف الاخرى التي تجدها وسيلة للمحافظة على حصتها على امل ان تتبدل موازين القوى لمصلحتها لاحقا. أما النتيجة الحتمية لهذا الصراع الذي يجري، كما قلنا، في اجواء ملتهبة فهي ابقاء الصيغة على حالها تمهيدا لجولات اخرى مستقبلا. دليلنا على ما نقول ان محاولة المساس في اسس الصيغة كاد يودي بالبلاد الى التقسيم خلال الأزمة الوطنية الكبرى. أما ما يجري حاليا من التمسك بالحكومة الحالية، بالرغم من انعدام تمثيل طائفة كبرى فيها وتمرير موضوع المحكمة الدولية وانتخاب رئيس جمهورية بأكثرية عددية نيابية فلن تؤدي في نهاية المطاف الا الى أحد احتمالين: التقسيم او الفدرالية من ناحية او الابقاء على الصيغة كما هي ضمن حل توافقي مأمول. وكما يحصل في كل مرة تتهدد فيها الصيغة أي الكيان اللبناني يستشعر بالخطر الداهم العقلاء في الداخل وعلى رأسهم بعض رجال السياسة وكذلك بعض كبار رجال الدين، لا كلهم مع الأسف، وكذلك بعض عقلاء الخارج او اصحاب المصلحة في استقرار لبنان والمنطقة فتنهمر الوساطات والمبادرات مما يرجح الحل التوافقي ويبقي على الصيغة التي تمكنت في الماضي القريب من استيعاب كل القوى التي ثارت عليها وستتمكن في المستقبل المنظور من استيعاب القوى الجديدة التي ظهرت او ستظهر على الساحة اللبنانية. من هنا زعمي بأن الصيغة هي علة وجود لبنان وعلته في آن. فالعلة بمعنى المرض تكمن في تسييس الطوائف. ان تغليب شعور المواطن اللبناني لانتمائه الطائفي والمذهبي على انتمائه الوطني هو مكمن قوة الصيغة فالطائفة هي التي تؤمن الحماية الحقيقية لهذا المواطن لا الدولة الوطن. وما اصطدمت الدولة بالطائفة، أي طائفة، الا وخرجت هذه الأخيرة منتصرة. ورؤساء الطوائف من مدنيين ودينيين هم اصحاب القوة الحقيقية وما شعار لبنان اولا وكذلك رفع العلم اللبناني على شرفات الابنية الا ستار لشعار الطائفة اولا. ويمكن للمرء، في معظم الحالات، معرفة طائفة او مذهب الذين يرفعون هذه الشعارات او أولئك الذين لا يرفعونها دون ان يكون هنالك من ضرورة لسؤالهم. ولا داعي هنا للتذكير بحرب العلمين ومن رفع العلم اللبناني حينئذ ومن مذقه. إذن الحل يكمن في تفتيت هذه الصخور الطوائف، ولا يمكن ان يتم ذلك الا من خلال استنهاض هيئات المجتمع المدني من نقابات وجمعيات على مختلف اشكالها لاطلاق تيار (او اكثر)، علماني التوجه ذي فحوى ديموقراطي واجتماعي يركز من الداخل على هموم ومطالب الطبقتين المتوسطة والفقيرة اللتين سحقهما النظام السياسي الطائفي لمصلحة أصحاب النفوذ والثروات، ويركز في المحيط على توجه عربي ديموقراطي خالص مع المحافظة على استقلال لبنان. ان اكثر ما عاب ويعيب الاحزاب العلمانية التي نشأت قبل الحرب العالمية الثانية هو غياب الديموقراطية عنها اذ انها نشأت في مناخ الفكر القومي الفاشي او الشيوعي البروليتاري عالميا وطغيان التوجه الطائفي داخليا، مما أدى الى انهيار بعضها وتفكك البعض الآخر الى اجزاء التحق بعضها بالقيادات الطائفية المعروفة، اما ما تبقى منها فقد اصبح ذا تأثير محدود في البنيان السياسي اللبناني. يمكن الاستفادة من التجارب الثرية لهذه الاحزاب لتعميق المفهوم الديموقراطي للتيار العلماني المقترح ولوضع برنامج اقتصادي اجتماعي عملي يزيح عن صدر لبنان سيطرة الرأسمال المتوحش الذي ارهق كاهل الطبقة المتوسطة حتى كاد ان يزيلها ورفع نسبة الفقر الى درجة مخيفة. ان اطلاق مثل هذا التيار تعترضه مصاعب جمة اهمها ان الطائفية قد نخرت المجتمع المدني حتى لا تكاد ترى نقابة او جمعية او منتدى الا وقد تطيف، الا انه لا يزال يوجد على ارض الوطن مجموعات او تجمعات باسماء مختلفة قادرة فيما اذا التقت على برنامج موحد ان تبدأ بتشكيل التيار المرتجى الذي فيما اذا تم اطلاقه، سيجلب الى صفوفه اعدادا كبيرة من شباب لبنان الذين لا يزالون يؤمنون بأن الانتماء الى الوطن هو الحل الوحيد لاستمرار الكيان. فهل من يتصدى لهذه المهمة الانقاذية؟