لم تتأثر طائفة الموحدين الدروز بما فعلته الكنيسة المارونية عندما شرعت بإنشاء المدارس واقتياد الطلاب إليها. كذلك فإن اختراق الارساليات، ولا سيما الإنجيلية منها، الجبل في مراحل مبكرة تعود الى نهاية القرن التاسع عشر، لم يدفع بهذه الطائفة الى إنشاء مقاصدها كما فعل السنة في بيروت. وعليه فقد ظلت مؤسستها التعليمية، حتى في مراحلها الاولى مفقودة. طبيعي في مثل هذا الحال افتقاد المدارس الثانوية والكليات. نتيجة هذا الوضع اقتصر ارتياد المدرسة الحديثة على شرائح محددة، انتقلت الى العاصمة أو أطرافها. إلا ان فئات فضلت استمرار علاقاتها في المجال الدراسي وحتى الوظيفي مع دمشق على بيروت. أما أولئك الذين حافظوا على إقامتهم فقد اتجهوا نحو مدارس الطوائف الكاثوليكية في مدن الجبل أو أطرافه. وهكذا سيتأخر نشوء مدرسة الطائفة الحديثة حتى مطالع عشرينيات القرن العشرين، وسيكون متقاطعاً مع انهيار نخب المرحلة العثمانية، وبروز تشكيلات حديثة أكثر تكيفا مع الكيان اللبناني الذي أخذ ينشأ تباعا. ايضا وايضا، سيكون هذا التحول مقترنا مع المنحى الصراعي الذي اعتمدته الطائفة مع الانتدابين الفرنسي والبريطاني في كل من لبنان وسوريا وفلسطين، ولا سيما ان وهج المشروع القومي الذي دفنته القوات الفرنسية في معركة ميسلون، لن يمنع من اندلاع الثورة السورية الكبرى في العام .1925 اذاً من المستحيل قراءة هذه الانطلاقة من دون إدراك التقاطعات التي شهدتها المنطقة واندراج فئات من هذه الطائفة في المشروع الوطني أو القومي. يرى د. فارس اشتي راوي سيرة عارف النكدي في كتابه مشيناها خطى الصادر العام الماضي عن مؤسسة التراث الدرزي، الكثير من التفاصيل عن مشروع إنشاء المدرسة الداوودية وبيت اليتيم الدرزي. ويضع هذا الحدث في إطار مواجهة الاستعمارين الفرنسي والبريطاني المتزيي بزي الانتداب. ويؤكد ان النكدي كان يعتبر إنشاء هذه المدرسة عملا طائفيا، لكنه وطني وقومي في الوقت ذاته. وكيف جاهد هذا المصلح على إطلاقها كمشروع متواضع انطلاقا من عبيه في الشحار الغربي، وكيف عمل على توسيعها بشرائه بناءين للراهبات وإضافتهما لها، وانطلاقتها من عبيه الى القرى والبلدات حتى بلغ عددها أربع عشرة مدرسة. منها ما هو للبنات حصرا وما هو مختلط للجنسين. واعتمادها برنامجين، تبعا لمنهاج وزارة التربية والثاني حسب المنهاج الانكلوسكسوني. لكن الاهم ان هذه المدرسة التي نشأت في عشرينيات القرن الماضي ستعبر أصدق تعبير عن مشروع دمج الطائفة مع مداها الاسلامي والعربي. في الداخل ستنسج علاقات مع جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية، وترسل الاخيرة لها مدرّسين وترفدها بالخبرات، ومع الخارج مع مصر، وسترسل لها الحكومة المصرية وجامعة الازهر المدرّسين في المواد التي تحتاج إليها، وستتطور هذه المساهمة من مجرد ثلاثة معلمين الى 152 في العام .1946 اذاً اعتبر النكدي أن الهدف من وراء هذه المدرسة هو بناء شخصية قومية عربية ووطنية لبنانية صادقة . كان النكدي كما يؤكد اشتي شخصية مؤمنة ايمانا راسخا بالمشروع القومي العربي، وجل ما أنتجه من ثقافة وفكر يصب في هذا الاطار، خصوصا ما كتبه حول التاريخ العربي والاسلامي وكذلك في مجالات الفلسفة والسياسة. كانت خياراته بهذا المعنى عروبية كرابط للشعوب العربية، والعروبة التي آمن بها لم تكن هي الاسلام الذي رآه فضاء حضاريا، لذلك كان من المنادين بفصل الدين عن الدولة، خصوصا في أمة لها في مكوناتها تعددية أديان وجماعات طائفية. هذه العجالة من حياة هذا المؤسس والمصلح الاجتماعي في مجال التعليم كما يصفه اشتي بحق، لا تعني ان مسار الداوودية كان معبداً، اذ رغم الانطلاقة الواسعة لهذه المؤسسة التعليمية وانتشارها، ستتعرض للانتكاسات، خصوصا مع انتشار التعليم الرسمي الذي سيحل محلها تباعا، الى الحد الذي يعيدها الى منطلقها، وبالطبع الى جانب المدارس الخاصة التي تأسست في عموم الجبل وأكلت من رصيدها. ايضا كانت الصراعات السياسية تنعكس عليها، وسيؤدي ذلك تباعا الى ان تذوي، حتى الرمق الاخير والموت في غضون سنوات الثمانينيات. من دون أن تنجح محاولات إنعاشها وإعادتها الى الحياة. لكن هذا لا يعني ان ذلك سيكون نهاية المطاف، اذ ستنشأ الى جانبها ومعها وعلى حسابها لاحقا مدارس العرفان، وستكون نشأتها ايضا بالاستناد الى إصلاحي أكبر من عارف النكدي هو كمال جنبلاط، الذي أضاف ايضا وزنه العربي الدولي الى وزنه الداخلي في إطلاق هذه المؤسسة التعليمية الحديثة للطائفة. يبدو هذا كله، وكأنه حديث عن علاقة طائفة الموحدين الدروز بالتعليم العام. لكن لدى النظر بدقة أكبر الى ذلك يتبين ما هو أعمق من ذلك الذي يبدو على السطح. فالثابت أن هناك نزعتين تصارعتا داخل الطائفة منذ عقود وقرون، إحداهما تعتبر الطائفة طائفة إسلامية مثلها مثل الطوائف الاخرى ضمن الديانة الاسلامية، أي كالجعفرية والزيدية وغيرها من الفرق، وثانيتهما تعتبر الطائفة طائفة قائمة بذاتها، أي انها على مسافة من الطائفتين المسيحية والاسلامية، باعتبارها تأثرت فلسفيا وثقافيا بما هو أوسع من محيطها الاسلامي، وانفتحت على ثقافات متوسطية وهندية قديمة. أهمية هذه الاشارة انها تعيد ربط المحاولات السابقة بالمشروع التحديثي الاوسع الذي عرفته المنطقة العربية، سواء في مرحلة الانطلاقة الاولى بعيد انحلال الدولة العثمانية أو في مراحل الانتداب حيث كان النزوع الى مشروع وحدوي عربي هو الجارف بديلا عن تقسيمات سايكس بيكو والانتداب الغربي. النسخة الاخيرة هي التي تولاها جنبلاط الأب ودفع خلالها الطائفة خطوات الى الامام في مسار رحلة الاندماج بالمشروع القومي كما عبرت عنه المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. تحديث وتقليد في العقيدة نعود الى التعليم الديني لدى طائفة الموحدين الدروز. أهمية ما أوردناه سابقا انه يفتح على هذه المسألة تحديداً، انطلاقا من الجدل في ما اذا كانت العقيدة الدرزية ديناً أو طائفة. ما زال هذا الجدل قائماً. وان كان على نحو أكثر خفوتا، باعتبار ان التيار الذي نشأ منذ مطالع القرن الماضي في تفسير الحكمة وما تتضمنه على اعتبارها مجرد مذهب لم تتوقف، علما ان النظر الى الطائفة الدرزية على انها دين قال به مستشرقون. التيار العروبي الاسلامي كان له وعلى الدوام أركانه الكبار، بدءاً من الامير شكيب ارسلان مروراً بعارف النكدي وصولا الى كمال جنبلاط. والثلاثة كان لهم حضورهم في السياسات الوطنية والعربية وفي المناخات الفكرية والثقافية عامة وداخل الطائفة خاصة. هؤلاء الثلاثة الكبار عملوا مع شيخ جامع الازهر محمود شلتوت خصوصا على اعتبار الدروز مذهبا إسلامياً. يضيف القاضي عباس الحلبي، ان مدى نجاح المحاولات لكل من الثلاثة الذين ذكرت يتفاوت، لكن ما يمكن الاشارة إليه ان البنية التقليدية ظلت قائمة وان كانت قد تأثرت كثيرا بالافكار والمحاولات الجديدة. بدوره يجزم د. انور ابي خزام ان تسعين بالمئة من المثقفين الدروز يعتبرون ان أصلهم الاسلام، بينما هناك ما لا يزيد عن عشرة بالمئة يعتقدون بتأثر الفكر التوحيدي بمدارس فكرية يونانية وهندية وعرفانية قديمة. ايضا وايضا ستشهد هذه الطائفة جدلا عميقا على الصعيد العقائدي الذي يتولاه بالطبع رجال الدين المشايخ، خصوصا بعد أن بدأت تخرج بعض الكتابات عن الطائفة عن دور النشر، ومعها ستزداد رغبة الناشئة بالتعرف على دينهم بدلا عن قراءة ما كتبه عنها المستشرقون، الذين ذهب بعضهم الى حدود اعتبار الطائفة بقايا من الجماعات الصليبية التي سكنت الجبال ثم لم تلبث أن اندمجت في محيطها انطلاقا من حصونها في الوعر. يؤكد ابي خزام ان هذه الرغبة تعبر عن حركة إصلاح داخلية، وخصوصا ان تكتم الموحدين المحافظين على مذهبهم كان من الاسباب التي شجعت بعض الباحثين والمنظرين لأهداف مرسومة، على التمادي في اختلاق النظريات حول مذهب التوحيد خدمة للحركات السياسية أو الصراعات الطائفية والمذهبية. لكن هذا الرأي لم يقنع الاصلاحيين، الذين أعلنوا أن تراث المذهب التوحيدي أصبح في متناول الجميع ولم يعد سراً، ورسائل الحكمة طبعت ونشرت في الاسواق بشكل يرمي الى الفتنة والتجريح، وانه أصبح من حق المسلمين على الموحدين أن يقولوا كلمتهم الصريحة في هذه الادعاءات التي تتناولهم بالاتهام والتشكيك. في كتابه الصادر عن دار الفارابي اسلام الموحدين المذهب الدروز في واقعه الاسلامي والفلسفي والتشريعي يقول ابي خزام ان أول من لاحظ ضرورة العمل على إبطال محاولة الطعن بإسلام الموحدين والرد عليها كان الامير شكيب ارسلان، فاتصل ببعض الهيئات الروحية في ذلك الوقت وحاول إقناعهم بالقبول بفكرة نشر المذهب بحقيقته الصافية لرفع الشكوك والظنون، لكن هذه الهيئات رفضت مبدأ النشر جملة وتفصيلا. عندئذ اكتفى الامير شكيب ببعض المنشورات الصحفية المحدودة... تباعا ستتواصل هذه العملية التي أطلقها أمير البيان على أيدي المثقفين الدروز. لكن هناك من كان يقول ان الكتب والمحاضرات التي تظهر لا بد ان تدفع الى ردود. وفعلا في الخمسينيات والستينيات صدرت منشورات متبادلة، ويتدخل كمال جنبلاط في الجدال داعيا الى وجوب إرسال المشايخ التوحيديين الى الجامعات الاسلامية الكبرى لتحقيق الاصلاحات الضرورية في فقه المذهب. العنوان الذي اختاره جنبلاط لمقدمته لكتاب د. سامي مكارم الذي يحمل عنوانا هو تضواء على مسلك التوحيد كان التفقه والاصلاح يقول جنبلاط: لو توفرت الظروف لتلبية دعوتنا التي مضى عليها أكثر من سبع سنين، وأرسل عدد من الشباب المؤمنين أو من المشايخ المتقدمين أنفسهم، الى بعض الجامعات الاسلامية الكبرى، كالازهر الشريف والنجف المبارك، على خطى كبار أولياء الدروز... فيتم لهذا النفر من الموحدين بهذا التحصيل القدرة على إحياء وإعلاء علوم الدين، كما يتوجب، وتتوفر لهم مكنة الوعظ والاصلاح على تمامها . رغم ذلك لن تقود هذه المحاولة الاصلاحية إلا الى إرسال طالب واحد الى جامعة الازهر، من دون أن يتحقق التحصيل والتفاعل الاكبر المطلوب. من الداوودية إلى العرفان يضع الشيخ سامي ابي المنى الداوودية في إطارها كمدرسة تابعة لأوقاف الطائفة الدرزية، وبالتالي فهي مدرسة للتحصيل التربوي وخدمة للأهداف الاجتماعية. ولا ينسى ابي المنى ان التعليم الشرعي الاسلامي حينذاك كان من العلوم التي يعنى بها المسؤولون الدروز وكان من ضمن المناهج. ما يقوله الشيخ ابي المنى يفسر إيفاد مصر والازهر فيها وجمعية المقاصد المدرسين الى المدارس الداوودية. على أي حال ما آلت إليه هذه المؤسسة يضع حدا للجدل حول الديني والمدني بشأنها وندخل منها الى مدارس العرفان. يحدد ابي المنى الدور التربوي الذي تقدمت به مؤسسة العرفان التوحيدية في إعداد المعلمين وفي تأدية الرسالة الدينية فيراه ينحصر في أمرين: ان التعليم الديني للمتعلمين في العرفان يؤسس لهم في المستقبل قاعدة تربوية تسمح لهم بإتمام تخصصهم الديني، كما ان التجربة الرائدة للعرفان في التعليم الديني ستسهم في أي خطوة في هذه المجال قد يستخدمها المجلس المذهبي للطائفة. ان المؤسسة تفتح الابواب أمام معلمي الدين للعمل في مدارسها بناء على كفاءاتهم في شرح المذهب كما يحدث في مادة التربية الدينية. المصطلحات التي يستعملها الشيخ ابي المنى لجهة القاعدة التربوية والاسهام في أي خطوة وفتح المجال لمعلمي الدين ابواب العمل في مدارس العرفان، يعلن صراحة ان هذه المؤسسة ليست مؤسسة تعليم دينية وان كان الدين تبعا لعقيدة الموحدين يدخل في منهاجها مثلها مثل كل المدارس التي تنشئها الطوائف في لبنان، وتقدم التعليم الديني الى جانب التعليم العام لطلابها. يصف ابي خزام مساهمة كمال جنبلاط في تأسيس مدارس العرفان بأنها فعلية وأساسية، وهي مؤسسة يرعاها ويدير شؤونها رجال دين متعلمون. وقد بدأت مدرسة ثم مؤسسة لها مدارسها وفروعها في مناطق وجود أبناء الطائفة. في مؤسسة العرفان التوحيدية كان التعليم الديني يوكل الى الشيوخ التقليديين ويمارس بالطريقة التي يمارس فيها في الخلوات والمجالس. ومع تقدم الوقت أخذ التعليم الديني وضعه تحت عنوان التربية التوحيدية . وتناولت السلسلة التي تم اعتمادها تعليم الصلوات والفرائض على السنة الاسلامية، وتعليم التلامذة مجموعة من السور القرآنية وطرق تجويد القرآن وتلاوته وسير الانبياء والقديسين وبعض أعلام الصوفية في الاسلام. يتابع ابي خزام قائلا: لقد أوجب درس الدين في المؤسسة توثيق الاخوة والتعاون مع باقي الطوائف الاسلامية بصورة أساسية. والتركيز على كون طائفة الموحدين الدروز واحداً من المذاهب الاسلامية يتمتع بخصائص ومزايا الاسلام في مفهومه الواسع والعريض. يصف ابي خزام سلسلة التربية التوحيدية بأنها تعلم في جميع مراحل التعليم المدرسي الابتدائية والمتوسطة والثانوية. كما ان المؤسسة تستعين من وقت لآخر بمحاضرات عقائدية يلقيها أحد الاساتذة الجامعيين الدروز. ولا تقتصر التربية التوحيدية على المنحى النظري، بل تتعداه الى آداب السلوك الاجتماعية وضرورة تعرف التلميذ على التصرف الحسن والتهذيب. فالدين من هذا المنظور علم وعمل. والعمل أساس أول لا يقل عن الجانب النظري من التدريس. ومع ذلك كله، لا يزال المجتمع الديني للموحدين يطالب بتعليم ديني أكثر تفصيلا ودقة وخصوصا ما يتعلق بتراث الدروز الديني من رسائل حكمة وشروح ومواعظ، الامر الذي لا يزال موضوع تحفظ من قبل رجال الدين. لان التعليم الديني العقائدي ما زال مقتصرا على الخلوات والمجالس. يستعيد الشيخ ابي المنى تطوير وتحديث التربية الدينية في مدارس العرفان. يصف محاولات التحديث هذه في مدارس العرفان بأنها لا تزال محاولات خجولة الى الآن. ولعل ذلك يعود الى شبه انعدام سوق العمل في هذا المجال، والى الطفرة الجانحة الى طلب العلوم الاخرى على حساب العلوم الدينية، علما ان النية موجودة والخطط جاهزة، ولعل إنشاء المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز مجددا في نهاية العام الماضي وتشكيل لجانه الدينية والثقافية وغيرها. ووجود مشيخة العقل على رأس هذا المجلس سيساعد في تنظيم العمل لإيجاد خطة تفصيلية ترتكز الى تجارب بعض المؤسسات كالعرفان، وتهدف الى قيام نهضة علمية دينية في المجتمع من خلال إعداد منهجي لبعض رجال الدين الذين يتولون العملية التربوية. ويمكن أن يكون ذلك في معهد دراسات توحيدية لا بد من السعي لإنشائه أو من خلال دورات تأهيلية ينظمها المجلس بالتعاون مع مؤسسات تربوية توحيدية أو معاهد إسلامية جامعية. هذه الاجابة تطرح سؤالين معا، اولهما يتعلق بنظام التدريس المعتمد في مدارس العرفان وكيفية تطوير هذا التعليم. عنهما يجيب الشيخ ابي المنى قائلا: على مستوى التربية الدينية في مدارس العرفان فقد نظمت المؤسسة ذلك من خلال إنشاء دائرة للتعليم الديني أخذت على عاتقها تأليف سلسلة كتب التربية التوحيدية من الصف الابتدائي الاول وحتى نهاية المرحلة الثانوية. وبما انه ليس هناك من منهاج رسمي لتعليم الدين، فقد وضعت الدائرة الدينية مناهجها الخاصة التي تتضمن دروسا في الآداب والفضائل الإنسانية وفي تفسير آيات القرآن الكريم إضافة الى حكم وأمثلة من سير الصالحين والى لمحات من تاريخ الاديان السماوية وقيمتها التوحيدية. أما على مستوى إعداد رجال الدين فيجب ان يتضمن هذا الاعداد مذكرات ودروسا في المسالك العرفانية وسير الانبياء والائمة والاولياء الصالحين وفي العلوم القرآنية الكريمة والاحاديث النبوية الشريفة. والتركيز في كل ذلك على آداب الدين وعلى تثبيت الخصال التوحيدية لدى رجال الدين والتي لا تثبت إلا من خلال المعرفة والممارسة العملية، أي تحقيق معرفته مسلكيا بالفكر والعمل الجاد الملتزم. وهذا الامر يكون نتيجة لمعرفة الفرائض الدينية وتطبيقها والتي يتمرس عليها مع إخوانه ويتفكرون بمعانيها وأبعادها التوحيدية الحقيقية. أما عن كيفية تطوير وتحديث هذا التعليم فيتم من خلال التلازم بين تأمين مستقبل المعلم وبين تأهيله التربوي، وهذا الامر مناط حصرا بالمجلس المذهبي للطائفة تحت إشراف سماحة شيخ العقل. فإذا ضمن معلم الدين مستقبله الاجتماعي والاقتصادي كان ذلك حافزاً أساسيا له في اختيار رسالة التعلم الديني، وهذا ما يجب أن نسعى إليه بتعميم فائدة التعليم الديني في المدارس وليس حصراً في مدارس توحيدية كالعرفان والاشراق وسواهما. في المنحى ذاته يؤكد القاضي عباس الحلبي ان طائفة الموحدين الدروز وفي مرحلة إعادة تنظيم شؤونها تطمح الى إنشاء ما نسميه المعهد العالي للدراسات التوحيدية الذي يعمل على تهيئة رجال دين علماء في مجالي الدين والعلوم، وبالتالي يستطيعون القيام بدورهم من خلال مؤهلاتهم التي تجمع بين العلوم التقليدية والحديثة في الوقت ذاته... نخلص من هذا العرض الى ان المؤسسة التعليمية الدرزية الحديثة سواء كان اسمها الداوودية أو العرفان أو الاشراق أو غيرها تقوم بما تقوم به أي مدرسة تتبع لطائفة من الطوائف اللبنانية ضمن برامجها التعليمية، أما التعليم الديني الذي يؤهل لتخريج رجال دين فما زال يعتمد الطريقة التقليدية سواء في المجالس أو الخلوات، وعليه يمكن القول ان كل المحاولات التي بذلت للاصلاح والتحديث لا تزال خارج أبواب هذه المجالس والخلوات حيث تتم قراءة كتاب الحكمة وشروحاته وضمن حلقات من المريدين ، يخضعون لشروط سلوكية قاسية تجعل من هذا التعليم أقرب ما يكون الى حلقات الفرق الصوفية منها الى المؤسسة التعليمية.