As Safir Logo
المصدر:

مجلس شورى الدولة ومرسوم دعوة الهيئات الناخبة

المؤلف: اسماعيل عصام نعمة التاريخ: 2007-07-18 رقم العدد:10752

نظَّم المشترع اللبناني مسألة وقف التنفيذ في المادة 77 من نظام مجلس شورى الدولة اللبناني، وجعل لقبولها شروطاً ومنح القاضي سلطة في تقدير توافر هذه الشروط، إلا أن هذه السلطة ليست سلطة كيفية أو تحكمية، بل يجب أن تبنى على أسباب جدية تبررها المصلحة العامة. وإذا دققنا في شروط وقف التنفيذ فسنجدها محددة بالشروط الآتية: ? الشرط الأول: أن لا يكون هذا المرسوم من ضمن القرارات المحظور وقف تنفيذها. فقد وضعت الفقرة الثالثة من المادة 77 لنظام مجلس شورى الدولة حظراً على الاجتهاد لجهة وقف تنفيذ المراسيم التنظيمية، فكان أول ما سيثيره مجلس شورى الدولة هو معرفة ما إذا كان مرسوم دعوة الهيئات الناخبة من القرارات التنظيمية أو غير التنظيمية، لكنه سيجد الجواب في ما استقرَّ عليه الفقه والاجتهاد لجهة حصر المرسوم التنظيمي بالمرسوم الذي يضع قواعد عامة مجردة مكفولة بإجبار (م.ش. قرار رقم 278 تاريخ 19 كانون الثاني ,2002 انطوان نهرا وآخرون/ الدولة وزارة الثقافة والتعليم العالي، م.ق.إ. 2005 م1 ص352). أما مرسوم دعوة الهيئات الناخبة فهو من فئة القرارات الإدارية التي تقع في مرتبة وسط بين القرار الفردي والقرار التنظيمي، فلا هي بقرارات فردية لأنها لا تتعلَّق بأشخاص محددين، كما أنها ليست بقرارات تنظيمية لأنها ليست قاعدة عامة مجردة ومكفولة بإجبار، فهذه الفئة من القرارات الإدارية تقبل وقف التنفيذ حتى ولو صدرت بموجب مراسيم عن مجلس الوزراء، فمثلها كمثل حالة القرارات التي ترسم حدود الدوائر الانتخابية (C.E. 30 novembre .1990 Association Les verts, A.J.D.A. 1991 p114) ، ومرسوم إعلان المنفعة العامة هو من القرارات غير التنظيمية (م.ش. قرار رقم 260/98,99 تاريخ 13/1/,1999 باسيل ورفاقه/الدولة وبلدية درعون، م.ق.إ. العدد14 لعام 2003 ص242). وكذلك الأمر بالنسبة لقرارات تعديل النطاق الإداري للبلديات (م.ش. قرار رقم233 تاريخ29/12/2003 بلدية الغبيري/ الدولة بلدية برج البراجنة غير منشور). فتبعاً لهذا التحليل فإن مرسوم دعوة الهيئات الناخبة لا يدخل ضمن فئة المراسيم التنظيمية، كما لا يدخل في فئة الأعمال الحكومية حيث استقر الاجتهاد على اعتبارها منفصلة عن العملية (م.ش. قرار رقم 746 تاريخ 13/8/,1998 ميشال القاصوف/ الدولة وزارة الداخلية، م.ق.إ. عدد خاص لعام 1998 ص77 م.ش. قرار رقم34/2004 2005 تاريخ14 تشرين الأول ,2004 عبدو الحاج ورفاقه/الدولة، مجلة العدل 3/2005 ص.448). فيكون مرسوم دعوة الهيئات الناخبة من المراسيم التي تقبل وقف التنفيذ. ? الشرط الثاني: أن تكون المراجعة مبنية على أسباب جدية. تعني عبارة استناد المراجعة إلى أسباب جديّة أن القاضي الإداري يرى وللوهلة الأولى ومن ظاهر الأوراق، أن هناك قرائن قوية تدفع للاعتقاد بجدية مراجعة الإبطال، من دون المساس بأصل الحق أو التعرض له. فيُسند قراره بوقف التنفيذ إلى التقدير الوقتي والعادل لجديّة الأسباب القانونية دون التعرض لأساس هذه الأسباب وتقديرها تفصيلاً (الدكتور فوزت فرحات تعليق على قرار مجلس شورى الدولة رقم220/2003تاريخ 30/3/2004 فاديا نعيم حلال ورفاقها/ الدولة). وفي طلب وقف تنفيذ مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، ليس مطلوباً من مجلس شورى الدولة أن يبحث في شرعية الحكومة أو في مسؤولية رئيس الدولة عن امتناعه عن توقيع المرسوم المطلوب، أو في دستورية العملية الانتخابية، وإنما كل ما هو مطلوب منه هو أن ينظر في ظاهر المرسوم فقط ليبني قناعته حول جدية طلب وقف التنفيذ. وعندما سينظر مجلس شورى الدولة في ظاهر المرسوم سيرى بأنه لا يحمل توقيع رئيس الجمهورية، وهذا السبب الظاهري هو سبب جدي وكافٍ ليعلن وقف تنفيذ هذا المرسوم لأن توقيع رئيس الجمهورية ليس أمراً شكلياً، وإنما هو ركن جوهري لوجود وكينونة المرسوم، وبدون هذا التوقيع فلا نكون أمام مرسوم مكتمل التكوين وإنما مجرد مشروع مرسوم ليس له أية قيمة قانونية حتى ولو حمل توقيع كل الوزراء. ودليلنا على ذلك ما استقر عليه اجتهاد مجلس شورى الدولة اللبناني الذي يقول بأن المرسوم هو العمل الذي يصدر عن رئيس الجمهورية، وإذا لم يقترن مشروع المرسوم بتوقيع رئيس الجمهورية يبقى بدون أي مفعول قانوني بالرغم من اقترانه بتوقيع رئيس الوزراء والوزراء المختصين، لأن القانون لم يولِّ الوزراء سلطة التصرف ... بل أناط الأمر برئيس الدولة... (راجع مثلاً: م.ش. قرار رقم 72 تاريخ 3 تشرين الثاني ,1997 فايز الحلاني/ الدولة وزارة الدفاع، م.ق.إ. 1999 م1 ص101 م.ش. قرار رقم 535 تاريخ13 أيار ,1999 العميد المتقاعد انطان سعاده/ الدولة، م.ق.إ. 2003 العدد14 ص557). وبعد أن أثبتنا أن توقيع رئيس الجمهورية هو الذي يعطي المرسوم وجوده القانوني، وأن هذا التوقيع يتعلق بالصلاحية وليس بالشكليات، ولما كانت عدم الصلاحية هي من الدفوع الجوهرية التي لا يتردد مجلس شورى الدولة بقبولها ويوقف تنفيذ القرار الإداري عندما يتبين له بظاهر الحال أن السلطة التي أصدرته هي سلطة غير مختصة (م.ش. قرار إعدادي رقم 127/20032004 تاريخ19/1/2004 الدكتور كمال عرب / الدولة وزارة المالية غير منشور). بل يعتبر الدفع بعدم صلاحية السلطة المصدرة للعمل من الدفوع المتعلقة بالنظام العام التي يتوجب على القاضي إثارتها عفواً حتى ولو لم يثرها المستدعي، وهو موجب مفروض على عاتق القاضي الناظر في طلب وقف التنفيذ بأن يستخرج الأسباب الجدية المتعلقة بالنظام العام (C.E.16 MAI .2001 Epoux Duffaut،). ? الشرط الثالث: إلحاق القرار الإداري ضرراً بليغاً بالمستدعي. لا يكفي للأمر بوقف التنفيذ أن تكون الأسباب التي يستند إليها الطعن جدياً بل يجب كذلك أن يكون الضرر الناشئ عن تنفيذ القرار المطعون فيه على درجة من الجسامة، أي يكون من الصعب إصلاحه، بحيث لا يؤدي إبطال القرار الإداري إلى إصلاح الأضرار التي سببها تنفيذه. فالتساؤل هو حول نوع الضرر الذي يتسبب به تنفيذ مرسوم دعوة الهيئات الناخبة للانتخابات الفرعية في المتن وبيروت. يمكن أن نتلمس هذا الضرر من خلال حكمٍ للمجلس الدستوري اللبناني حول الانتخابات الفرعية في المتن، فبعد أن حقق فيما رافق العملية الانتخابية في دائرة جبل لبنان قضاء المتن وعملية إعلان النتائج من تحركات وشعارات وتهديدات واستنفارات تتسم بالعنف والفئوية، بما قد يهدد الأمن الأهلي لا بل التماسك الوطني، وأن ذيول هذا الانتخاب ما زالت على حالها من التفاعل والتصعيد في حال اجري انتخاب فرعي جديد في الدائرة ذاتها على المقعد ذاته على ما تدل الدلائل كافة بوجود هذا التشنج السياسي الذي ينجم عنه ويحمل في طياته مخاطر أمنية وانقسامات فئوية يسهل معها زرع الفتن. (المجلس الدستوري قرار رقم 5/2002 تاريخ 4/11/2002 الصادر بالطعن في صحة نيابة المستدعى ضده غبريال المر في الانتخابات الفرعية عن دائرة جبل لبنان الثانية قضاء المتن). إن هذه الأضرار المحتملة الحدوث في حال إجراء انتخابات فرعية والتي أخذها المجلس الدستوري بالحسبان عندما قرر عدم إجراء انتخابات فرعية جديدة في المتن، نرى أنها متوفرة في ظروف الانتخاب الحالية، وأن مجلس شورى الدولة لن يكون أقلَّ من المجلس الدستوري حرصاً على المصلحة العامة والاستقرار الاجتماعي، بل هو ملزم بالتقيد بما وصل إليه المجلس الدستوري، إستناداً لمبدأ استقرَّ حديثاً في الاجتهاد الإداري مفاده أن من واجب كل السلطات بما فيها القضاء الإداري الإلتزام بإعمال مفاعيل أحكام المجلس الدستوري. (م.ش. قرار رقم 71/2001 2002 تاريخ 7/10/2001 غصن/ الدولة مجلة الدراسات القانونية2002 ص525 م.ش. قرار رقم 47/2002 2003 تاريخ24 تشرين الأول ,2002 المفتش الممتاز في الأمن العام جوزف معوض/ الدولة وزارة الداخلية والبلديات (المديرية العامة للأمن العام). وإذا كان مجلس شورى الدولة سيعمد إلى وقف تنفيذ مرسوم دعوة الهيئات الناخبة المذكور، فإنه سيكون ملزماً بوقف جزئي لهذا المرسوم فيما خصَّ الانتخابات الفرعية في المتن فقط، ذلك أن صفة المستدعي لا تخوِّله الطعن بالانتخابات الفرعية لدائرة بيروت الثانية، وبانتظار حصول مثل هذا الطعن فإن على مجلس شورى الدولة واجب وقف التنفيذ الجزئي فقط للمرسوم المطعون فيه.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة