في دردشة مع السفير ، يلخّص الباحث ومؤلف المرجع القيم بعنوان الشريط اللبناني المحتل (1999 صادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية)، د. منذر جابر، أبرز المحطات التاريخية لعلاقة أهل الجنوب بالجيش، منذ التفاعل الأول كرفاق سلاح، وحتى انقسام العسكر مع بداية الحرب الأهلية ورحيل الجيش النظامي عن المنطقة في منتصف السبعينيات... في العام 1948 شارك الجيش اللبناني في القتال، إلى جانب جيش الإنقاذ ، ضد العدو الإسرائيلي. وكانت معركة المالكية الشهيرة، وامتدت إلى يوشع، واستشهد فيها النقيب محمد زغيب (وهو من قرية يونين البقاعية)، كما أصيب معروف سعد. لم يمت زغيب مباشرة، بل نقل من أرض المعركة على الأكتاف، ونسجت حول ذلك اليوم قصص وروايات، فصار كل من عاصر تلك الفترة يفاخر بأنه كان ممن حملوه، أو بأن الشهيد خصّه بكلمة أو نظرة قبل أن يفارق حياته المشرّفة. كان في جيش الإنقاذ أيضاً متطوعون جنوبيون، مما أحدث تقارباً آنذاك مع الجيش اللبناني. في حرب العام ,1956 سحبت إسرائيل قواتها كافة، حتى قوات حرس الحدود مع الجنوب اللبناني، لترسلهم إلى جبهة السويس. يومها تحرّك بعض الأهالي في قرى منطقة الشّعب (الزلوطية وأم التوت والبستان والضهيرة ومروحين ويارين ورامية...)، ممن ينتمون إلى عشيرة عرب العرامشة ، وهؤلاء لهم أولاد عم لزم في فلسطين المحتلة. أزالوا الشريط الفاصل بكل بساطة، وزاروا بعضهم بعضاً. لكن ضابطاً لبنانياً، برتبة ملازم، وكان في نقطة عسكرية في جبل المعتصم، أعاد الشريط إلى مكانه وأوقع بالفاعلين عقوبات. هذا الضابط لم يكن سوى أنطوان لحد الذي انشق لاحقاً عن الجيش اللبناني النظامي وترأس جيش لبنان الجنوبي . استمرّ التعاطف الجنوبي مع الجيش، ورافق قيادته وسياسة فؤاد شهاب، لا سيما مع تولي الأخير حكومة مؤقتة إثر الفراغ الرئاسي الذي أنتجته استقالة الرئيس بشارة الخوري، علماً أن شهاب أعطى الانطباق وقتها بزهده في تولي رئاسة الجمهورية. كانت سياسة فؤاد شهاب بشكل عام قريبة من العروبيين (أي حميد فرنجية، والجبهة الاشتراكية بقيادة كمال جنبلاط، وحزب النداء القومي بزعامة تقي الدين الصلح وقبولي الذوق وعلي بزي الذي كان أمين سر مؤتمر دير القمر الذي تنحى على أثره بشارة الخوري عن رئاسة الجمهورية...). فقد رفض الجيش اللبناني، خلال ثورة العام 1958 ضد الرئيس كميل شمعون، الاصطدام بالمقاومة الشعبية، وذلك ما كرّس النظرة الإيجابية للجيش في الجنوب، خصوصاً أن الزعامة الجنوبية الأساسية، المتمثلة بأحمد الأسعد، كانت إلى جانب الثورة. والجدير بالذكر هنا، أن الجيش ظل يمثل للجنوبيين صورة الأمن والأمان في الفترة ما بين عامي 1969 و.1978 إذ كان هناك إحساس بأن الجيش اللبناني ليس في وارد قتال إسرائيل، كما أن إسرائيل ليست في وارد ضرب الجيش اللبناني. لذلك كان وجود نقطة عسكرية في منطقة ما مدعاة لشعور أهلها بأنهم محميون. نعود إلى الستينيات. مع صعود الرئاسة الشهابية، ونمو اليسار بمعنى التنظيم الحزبي، بدأت تطرح في السوق اللبناني السياسي، وبشكل أكثر جدية، الاتجاهات الوحدوية، لا سيما مع تغنّي بعض الأحزاب اللبنانية (البعث، حركة القوميين العرب، الخ..) بالوحدة بين سوريا ومصر. لم يعد الاتجاه العروبي مجرد تيار سياسي، بل صار منظومة لأحزاب. استجدت، في هذه الفترة، الشعبة الثانية، وهي مكتب المخابرات العسكرية الذي بات يتدخل في مفاصل حياة المجتمع المدني والأهلي. وصار ضباط المعلومات، في المراكز العسكرية، وحتى رتباء وأنفار المعلومات، أوصياء على اللعبة الإدارية والاجتماعية والانتخابية في قرى الجنوب ومراكز الإدارة الخ... وأدرك فؤاد شهاب حقيقة أنه إذا كان يريد أن يصعد إلى سدة الرئاسة فعليه أن يجمع حوله توافقاً عربياً، خصوصاً في ظل التحولات السياسية التي راقبها بتمعن: حرب ,1956 فشل حلف بغداد، دخول الاتحاد السوفياتي إلى المنطقة، ثورة 14 تموز في العراق، إلغاء الاتحاد الهاشمي العراقي الأردني، وثورة 1958 في لبنان. غير أنه عندما أصبح رئيساً للجمهورية كرّس الأجهزة الأمنية صولجاناً لحكمه، وفي مقدمتها جهاز الشعبة الثانية ، الذي كان عليه أن يتعاون مع جهاز آخر قوي على حدوده، وهو جهاز الجمهورية العربية المتحدة بقيادة المقدم (يومها) عبد الحميد السراج. كان شهاب يرى ضرورة لأن يكون هناك جهاز فوق الكل. لكن هذا الجهاز كان، عملياً، فوق الجو السياسي الذي يمكن أن يشكل خطراً على سياسته وقد رمى فعلاً إلى إنشاء دولة. وكان هذا المزاج قريباً من الجمهورية العربية المتحدة . في مواجهة الجزمة الاستخباراتية العسكرية، كانت الطوائف اللبنانية حامية لنفسها. فالثنائية المارونية السنّية، التي بني عليها لبنان ,1943 شكلت حماية للسنّة، بل وأوصلت تياراتهم السياسية إلى مجلس النواب (مجلس العام 1958: معين حمود، رشيد كرامي، صائب سلام،...). لذلك لم تجرؤ الشعبة الثانية ، إذ ذاك، على اعتقال سنّي يهتف للعروبة، ولا ننسى الغطاء العربي للسنّة. لكنها استطاعت أن تسترجل على الشيعة الحزبيين. وهكذا، كانت غالبية ضباط المعلومات فعّالة في الجنوب، وأشهر هؤلاء الضباط الزعيم أنطوان سعد (و الزعيم في تلك الأيام كانت رتبة عسكرية، ألغيت في ما بعد، وهي تعادل رتبة العميد اليوم)، بالإضافة إلى جورج حروق، ونزيه راشد. إذاً، في الستينيات، بات الجنوب اللبناني منطقة ثقل (بوجود حزب البعث، والناصرية واليسار)، قادرة على فرط النظام الحاكم. وقبل ذلك، في 9 تموز ,1955 أعلن الجنوب منطقة عسكرية، ومُنع على مَن هم مِن خارج المنطقة (لبنانيين وغير لبنانيين، خصوصاً الفلسطينيين بعد العمليات الفدائية التي كان يقوم بها نازحو الجليل ما بين 1948 و1955) دخولها إلا بموجب إذن عسكري يستحصل عليه من ثكنة محمد زغيب في صيدا. ثم أن انطلاقة الثورة الفلسطينية، في مستهل العام ,1965 دفعت بمخابرات الجيش اللبناني إلى تكريس جزء من نشاطها لمراقبة الأحوال السياسية في الجنوب. كان للثورة الفلسطينية وقع سياسي عام، بالإضافة إلى الوقع السياسي في الجنوب، قومي الهوى. وللعلاقات التاريخية الوطيدة بين الجنوب اللبناني وبين فلسطين، تأثير طبعاً، بحكم الجوار والتعاضد الاقتصادي والاجتماعي، لا سيما بين النازحين الجنوبيين واللاجئين الفلسطينيين. على هذا النحو، بات أي تحرك للجيش في مراقبة قوات الثورة يعادل، في الوقت نفسه، حصاراً للجنوبيين. وتحول الموقف إلى تحالف بين الفلسطينيين والجنوبيين، غذّاه تبني الأحزاب القومية واليسارية لمنهج وأفكار الثورة الفلسطينية. فتجذرت مشاعر العداء للجيش وقوى الأمن اللبنانيين، اللذين لم يقصرا بدورهما في اكتساب هذا العداء ب جدارة . ومثل على ذلك هو حوادث المكلس ، عندما حاول الجيش اللبناني إزالة بيوت غير شرعية مبنية على الأملاك العامة، مما أدى إلى اشتباك، وقتل مجموعة من المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين الجنوبيين. بات الدم موحداً في مواجهة الجيش، ناهيك عن الاعتداءات الإسرائيلية التي باتت متكررة على الجنوب، من بعد العام .1965 فراحت الناس تهتف علناً ضد الجيش مستنكرة عدم حمايته لهم، إما من خلال عدم تسليحهم للدفاع عن أنفسهم، أو لأن الجيش لا يقوى على الدفاع. وكانت الفكرة اليسارية فلسطينية الهوى قوية يومها بأن التسليح كاف لهزيمة إسرائيل. ومن الهتافات الشهيرة في تلك الفترة بدنا تسليح الجنوب من الناقورة للعرقوب . كل ذلك سهّل على الفلسطينيين إقصاء الجيش بالكامل عن مشهد الفعل السياسي في الجنوب، إذ تم تصويره كقوة نذلة وجبانة، وبدت الناس غير آسفة على خروجه من المنطقة في منتصف السبعينيات. علماً أن الخروج الرسمي للجيش تم في العام ,1976 إثر انقسامه إلى جيوش متعددة: جيش أنطوان بركات، جيش لبنان العربي (أحمد الخطيب)، الجيش العربي (ابراهيم شاهين)، بالإضافة إلى الجيش الرسمي اللبناني. ونشير إلى أن أحمد الخطيب سيطر على ثكنات الجنوب، ولاحقاً برز جيش سعد حداد الذي أنشئ بصيغة مشكوك فيها، ما بين تحريض رسمي على الوجود السياسي في الجنوب وبين مبادرة شخصية من حداد. وقد تجلّى الموقف الشيعي المجانب للجيش في ضعف الانتساب إليه. إذ كاد، في بعض القرى، أن ينتفي وجود أي عسكري منتسب. وحتى في حال وجوده، فقد كان على الأرجح من عائلة هامشية. أضحى الشيعة من عناصر الجيش على هامش الحياة السياسية في بلداتهم، لأنك إذا كنت منتسباً إلى المؤسسة العسكرية آنذاك، فهذا يعني، في عرف المحيط، أنك مخبر. ولا شك في أن الشعبة الثانية ساهمت في تكريس هذا الاعتقاد. وعندما حاولت الحكومة إنشاء أنصار الجيش في منتصف السبعينيات، لم تستقطب من بين الشيعة سوى الفئة الاجتماعية الرثة من المجتمع، أي بائع العلكة، أو العاطل عن العمل، أو النصّاب اللاعب ب الثلاث ورقات ، الخ... كان الحال في القرى المسيحية كان مختلفاً، واعتُبر الانتساب إلى أنصار الجيش واجباً. بعدما فرط الجيش، استمر الضابط المسيحي في مهامه، لأنه اعتبر أنه يقاتل عن المسيحيين ويحميهم. مثلاً، كان الجنرال حنا سُعيد (من القليعة) يقاتل لمصلحة قريته ضد الفلسطينيين و جيش لبنان العربي . أما الجندي المسلم، فتنحى جانباً، وكان الفلسطيني واليساري، ومئات المقاتلين من جنسيات مختلفة، يقاتلون عنه. وكانت هذه القوى تتهم الجيش بأنه مخبر وتخوّنه...