As Safir Logo
المصدر:

التعليم الديني لدى الموحدين الدروز ما زال يعتمد الوسائل القديمة

رجال دين دروز امام خلوات البياضة(شوقي الحاج)
المؤلف: هواري زهير التاريخ: 2007-07-17 رقم العدد:10751

خلافا للطوائف في لبنان، لا تملك طائفة الموحدين الدروز مؤسسات تعليم دينية، سواء في مراحل ما قبل الثانوية العامة أو ما بعدها. قد يصح القول إن الخلوة هي مؤسسة التعليم الديني لأبناء الطائفة، لكن الخلوة لا تتطابق مع مؤسسات التعليم في الشروط التي تتطلبها اليوم، من نوع حيازة شهادة تكميلية أو متوسطة أو ثانوية للدخول إليها، ونظام دروس يمتد الى سنوات يخرج بعدها الطالب بشهادة معينة. هذا عدا الاعتراف القانوني من جانب الدولة اللبنانية أو المؤسسات التعليمية، في حال قرر الطالب الانتقال الى مؤسسة ثانية لمتابعة تعليمه، سواء أكان جامعياً أم عالياً. بهذا المعنى ما زالت طائفة الموحدين الدروز دون مؤسسة تعليم دينية، أما مدارس العرفان فهي مدارس عادية، تمارس التعليم الديني مثلها مثل كل المدارس الخاصة والرسمية بعد إعادة العمل بقرار إلزامية هذا التعليم وتلزيمه للطوائف. وطبيعي أن تتولى هذه المدارس الموجودة في مناطق درزية تدريس هذا المذهب، اسوة بما يفعله سواها من تعليم ديني في المؤسسات الخاصة والرسمية على حد سواء. علماً أننا سنعود لنناقش التعليم الديني في هذه المدارس على حدة. لكن ما ورد يفتح الموضوع ولا يقفله على السؤال التالي: كيف يتدرج الراغبون الموحدون في الوصول الى الحصول على أصول عقيدة طائفتهم، ما داموا لا يملكون ما يشبه الكليات أو الحوزات أو المعاهد الدينية التي أرست قواعدها الطوائف الإسلامية والمسيحية، إن لم نقل عن مئات السنين فالعشرات على الأقل؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نمهد للموضوع المطروح، بالحديث عن الخلوات. الخلوات هي لفظاً جمع خلوة، والخلوة هي المكان الذي يختلي فيه المؤمن لعبادة ربه. وهناك خلوات في القرى الدرزية إجمالا، بعضها لعموم المشايخ أو لمشايخ عائلة من عائلات البلدة. في القرى ايضا قد تكون هناك خلوة شخصية مخصصة لاعتكاف أحد المشايخ. الخلوات المعروفة في قيامها بدوري التعبد والدراسة هي خلوات القطالب والبياضة، والأخيرة هي الاشهر. تقع الاولى في الشوف، أما الثانية فهي في حاصبيا، وتتألف من مجموعة خلوات يصل تعدادها إلى حوالى الخمسين خلوة، من بينها خلوة جبل العرب، جبل لبنان، راشيا، عاليه، حاصبيا، فلسطين وهكذا.. أي ان هذه الخلوات يقصدها مؤمنون من أبناء هذه المناطق للاختلاء والعبادة وغالبا ما يمضي هؤلاء أشهر الشتاء فيها وقد تطول إقامتهم الى سنوات. وخلالها يتعمقون بدراسة الحكمة وشروحاتها ويعتاشون على ما يردهم من أوقاف الخلوة. الخلوة عرفاً مخصصة للرجال، لكن الوحيدة التي سمح لها ببناء خلوة كانت السيدة نايفة جنبلاط ابنة سعيد بك جنبلاط، وهي مدفونة في خلوات البياضة ولها ضريح يزار حتى يومنا هذا. برزت الخلوة ودورها بعد أن فقدت طائفة الموحدين الدروز المساجد التي كانت تملكها بفعل القمع الذي تعرّضت له تباعاً، عندها تمّ اعتماد الخلوات. حدث هذا منذ ما لا يقل عن ثلاثة قرون. ولم يكن من قبل الصدف اختيار هذا الموقع القريب من جبل العرب والجولان وجبل لبنان، فضلاً عن منطقتي راشيا وحاصبيا. في خلوات البياضة نشأ زهاد من رجال الدين وكان لهم تلامذة. وكما مارس هؤلاء المشايخ الكبار تأثيرهم على تلامذتهم، مارس الأخيرون تأثيرهم على من تتلمذوا على أيديهم، خصوصاً ان مساحة انتشارهم شملت سوريا ولبنان وفلسطين. بالطبع كانت لهؤلاء المشايخ الكبار أدوار سياسية ووطنية واجتماعية. أهمية هذا التقديم ستبدو جلية لدى الحديث عن محاولات بناء مؤسسة للتعليم الدرزي كما هي عليه الطوائف الاخرى، دون أن تكون محصورة بالضرورة في التعليم الديني فقط. علماً أن هذا التعليم قد يشكل حاجة لدى طائفة كطائفة الموحدين الدروز. يبدو التعليم الديني لدى طائفة الموحدين الدروز، أقرب منه إلى الطرق الصوفية منه الى المفهوم الحديث للتعليم، بما هو مؤسسة تتولى هذه المهمة نيابة عن المجتمع، الذي يرسل إليها الطلاب، فيحصلون من أساتذتهم على المعارف التي تؤهلهم لإشغال المراكز الدينية في الطائفة. اذاً ينتقل الطالب ضمن المفهوم الحديث من مؤسسة العائلة والاسرة الى مؤسسة المدرسة التي تملك قوانينها وشروطها وأنظمتها، فينخرط الطالب في مجراها عدداً من السنوات يحصل بموجبها على شهادة تثبت حقه في الانتقال الى مرحلة أعلى أو ممارسة مهنة أو دور ما. عندما تحدثنا عن الخلوات أشرنا الى ان هذه الامكنة يحمل اسمها كل معنى الاختلاء عن المجتمع وقوانينه وآلياته، والابتعاد عما هو مادي والانكباب على عالم الروح والصوفية. المشايخ هم من يمتلكون، نتيجة تعمقهم في المذهب، تقديم الشروح للمبتدئين الذين يفدون إليهم، بناء لرغباتهم بالتعمق في دراسة أفكار الطائفة. وأبرز ما تعلمه الخلوة للمريدين ايضا هو علم الحلال والحرام الذي يشمل كل نواحي ومجالات الحياة وضمنه أدب العين والاذن واللسان وما شابه. المريد والمجلس لكن هذا الامر الدراسي لا علاقة به بمبدأ المدرسة المتعارف عليه. تبدأ الخطوة الاولى كما يقول عضو لجنة الحوار الإسلامي المسيحي القاضي عباس الحلبي بناء على الرغبة لدى الجاهل في أن يصبح رجل دين. قبوله أو عدمه لا يتعلق برغبته، بل برغبة مجموع المشايخ. يتقدم من هؤلاء بما يسمونه صفو الخاطر ، فإذا وافقوا على هذا الطلب، يسمحون له أن يتتلمذ على أيديهم ويعملون على توجيهه. بالطبع فإن مجموعة المشايخ الذين يملكون حق الموافقة يتمتعون بتقديم الشروح للمبتدئين بقدر ما يستطيع المبتدئون أن يتحملوا من المعارف، خصوصاً ان الفلسفة لدى الطائفة مأخوذة من الفلسفة اليونانية. اذاً تبدأ الخطوة الأولى من إعلان الرغبة ب استلام الدين ، وتتم الموافقة على هذه الرغبة، بناء لاعتبارات دينية واجتماعية وسلوكية، والأساس هو التقوى والصلاح. بعدها يبدأ بحضور الاجتماعات، وغالباً ما تكون هذه الاجتماعات أسبوعية. يفهم من كلام القاضي الحلبي، أن ليس كل من ارتدى زياً دينياً هو رجل دين، اذ ان الزي شيء ورجل الدين أمر آخر. يضيف القاضي الحلبي: إن رجل الدين الذي يتولى التدريس غالباً ما يكون من المشهورين بالتقوى وبحفظه كتاب الحكمة وشروحه، حتى انه يصبح مرجعية في هذا المجال. اذاً هناك نوعان من الشروط في كبار رجال الدين هما العلم والعمل بموجب ما يعرفه، حتى ان نوعاً من التكريس الشعبي يحدث له، باعتباره من أصحاب الكرامات. يطلق على الراغب في استلام الدين المريد ، والصفة الاخيرة معتمدة لدى أكثر الفرق الصوفية حتى الآن، كالقادرية والنقشبندية والرفاعية و... من هذا يتضح أن طائفة الموحدين لم تصل إلى مأسسة تعليمها بعد. يقول د. انور ابو خزام إن التعليم الديني لدى طائفة الموحدين الدروز يتمّ في المجالس والخلوات. ويقتصر على المريدين فقط، الذين عليهم الخضوع لشروط صارمة يضعها المشايخ أنفسهم تتعلق بالملبس والتصرف الاجتماعي، حتى انها تصل الى طبيعة المهن التي يمارسها المريد في طلب العيش. أي ان من تكون مهنته في كسب العيش غير لائقة يمكن أن يرفض طلبه قطعاً، وبالتالي لا يمكنه الوصول إلى مرحلة القبول. بناء على هذه المواصفات المحددة في المظهر والجوهر تتم الموافقة أو عدمها. وينطلق المشايخ في مواقفهم هذه من الآية القرآنية الكريمة التي تقول لا إكراه في الدين.. . هذا المنحى ما زال ساري المفعول حتى اللحظة، لكنه يقتصر على المتدينين الملتزمين بشروط المشايخ ونظرتهم إلى الدين. إضافة الى الخلوات التي مررنا عليها سابقاً، هناك المجالس. يتابع ابو خزام قائلاً: قد يكون المجلس في الخلوة نفسها وقد يكون في بيت أو في مجلس.. والمجلس على نوعين، علماً أنهما ينعقدان بعد صلاة المغرب. مجالس الحكمة ويُقال لها جلسات مذاكرة. مجالس ذكر وهي مجالس صوفية صافية. يكمل ابو خزام: مجالس الحكمة قد تتحول الى مجالس ذكر والعكس بالعكس. مجلس الحكمة أشبه ما يكون بندوة دينية يتحلق فيها المشايخ والمريدون حول أحد العلماء، أو دونه حتى. في هذا المجلس تثار بعض القضايا الدينية وتناقش ويرد على الأسئلة التي يطرحها الطلاب. يتولى الردّ الشيخ الأكبر مقاماً، ويكون عادة مكلفاً بإدارة النقاش والردّ على الأسئلة المطروحة. هذه الاسئلة أو الاستفهامات يجب أن تكون مصوغة بروح إيجابية. لذلك فإن الاسئلة التي يشتمّ منها روح احتجاج أو تشكيك تقابل بالاستياء والإهمال. أما مصدر تسمية هذه المجالس بمجالس الحكمة فهي قديمة، وتعود الى أوائل انعقادها في مصر الفاطمية أيام الحاكم بأمر الله. علما أنها لا تختلف في جوهرها عن الندوات التي كان يعقدها العلماء المسلمون في المساجد والحوزات حتى يومنا هذه، وتكاد تكون صورة طبق الأصل عنها. أما مجلس الذكر فيشابه المجالس التي عرفتها وتعرفها الزوايا والتكايا، وفيها يجتمع المشايخ والطلاب بعد غروب الشمس عادة، وفي أحيان استثنائية خلال النهار، وتدور حلقة الذكر. يتولى مهمة من هذا النوع المشايخ ذوو الاصوات الشجية، اذ ينشدون بعض الاشعار والقصائد التوحيدية بألحان خاصة، معظمها يعود الى ألحان عربية قبلية قديمة. بعده يشترك الحضور في تلاوة هذه الأشعار أو بعض المقاطع الصوفية من رسائل الحكمة مثل المناجاة وما شابه. ويتم ذلك بإيقاع رتيب ولطيف، حيث يبلغ السكر الصوفي والوجد مداه الأقصى في أفئدة الحضور. وهذه المجالس ايضاً قديمة العهد، تعود الى أيام السري السقطي والغاية منها إيصال الحضور إلى حال من القرب الصوفي بين السالك وربه. التصوف والتعليم بالعودة إلى المصطلحات التي وردت في أحاديث كل من الحلبي وابو خزام تتضح الطبيعة التي نشأت عليها واستمرت عملية التعليم لدى طائفة الموحدين الدروز. والمؤكد أنها ارتبطت بتاريخ مصر الفاطمية منذ تأسيس تلك الدولة على يد عبيد الله المهدي مروراً بالمعز لدين الله الفاطمي وصولاً إلى الحاكم بأمر الله وما بعده. بعد ذلك انهارت تلك الدولة على أيدي الايوبيين كما هو معروف، ثم عادت لتنبت في غير المكان الذي نشأت فيه، أي مصر. اذ انتشرت في كل من سوريا ولبنان وفلسطين كطائفة صغيرة، وغالباً في مواقع نائية عن المدن. حتى الآن ما زالت عملية التعليم لدى هذه الطائفة تحتفظ بالكثير من منابعها الأصلية، كفرقة صوفية. التعابير التي أوردها الحلبي وابو خزام من نوع: المريد، الشيخ، المجلس، الخلوة، التقوى، العلم، العمل، الزوايا، التكايا، غيرها وغيرها الكثير ترتبط بالتراث الصوفي مباشرة. لكن هذا الارتباط لا يعني الثبات بالمجمل والتفاصيل، إذ هناك تغييرات لا بد أن تحدث بالضرورة، ما دامت الاحوال هي غير الاحوال التي نشأت عليها في الأساس. الواضح مما أوردناه سابقاً أن الحصول على التعليم الديني له شروطه السلوكية والخلقية، وبهذا المعنى فهو يفتح على نوع من أنواع القبول متى توفر هذان الشرطان. إلا أن هذا يصحّ على طائفة من الزهاد، دون أن يصل الى طائفة بالمعنى السوسيولوجي الحديث، خصوصاً أن كلاً من طوائف المنطقة تحاول الحفاظ على خصوصياتها الثقافية. هذا ليس جديداً ولا منحصراً بالوضع اللبناني منذ السبعينيات وحتى اليوم. اذ المؤكد ان المنطقة لم تستطع أن تجد حلاً لمشكلات فكرية وعقائدية واجتماعية رئيسية في مراحل تطورها كافة. هذا مع العلم أن محاولات حقيقية بذلت من أجل تحديث التعليم عموماً والديني منه خصوصاً لدى هذه الطائفة، ضمن سياق اللحاق بما أقدمت عليه سواها من طوائف في لبنان وخارجه، وهذا ما سنتناوله لاحقاً. التربية والطقوس يقول الأمين العام لمدارس العرفان التوحيدية الشيخ سامي ابو المنى ان التعليم الديني لا يمكن له أن يكون مجرد تعليم وتلقين، اذ لا بد أن يأتي من ضمن التربية الدينية. وهذه يجب أن تهدف الى توسيع آفاق الطالب وتعزز لديه روح التفكير والتحليل والنقد والتحقق، فلا تكون عرضاً للطقوس والمعلومات دون محاولة الخوض في معانيها وأهدافها. وهذه التربية الدينية لها أهميتها على صعيد رقي الفرد وبالتالي المجتمع أخلاقياً واجتماعياً وسياسياً وعلى الاصعدة كافة. والتعليم الديني بالمفهوم العرفاني هو تربية توحّد ولا تفرق، تنمي القيم والأخلاق وتساعد على إيجاد سبل المؤاخاة بين أبناء الوطن الواحد، وتغذي الروح التي هي حياة الجسد بروح علوية تسهم في إبقائها حية بالإيمان والمبادئ والقيم، وإلا فقد الإنسان إنسانيته، وهي تعليم يرتكز على تثبيت عقيدة المتعلمين بوجود إله واحد أحد فرد صمد موجود منزّه هو الاله والرب والخالق وبوجود أنبياء ورسل معصومين حملوا الرسالة التوحيدية، وبيوم حساب لا بدّ أنه آت ويحاسب فيه الخلق على أعمالهم، فتثبت المفاهيم الأخلاقية في فكر المتعلم وروحه، وتربط ربطاً وثيقاً بالعقيدة الدينية حيث يشعر المتعلم برقيب دائم معه يوقظ فيه ضميره الحي. وهذا المنهج التعليمي قد اعتمد في مدارس مؤسسة العرفان التوحيدية منذ نهاية السبعينيات. يضيف الشيخ ابو المنى: أما مؤهلات المدرسين في هذه المدارس فتخضع لشرطين أساسيين: أولهما أن يكون المدرّس من رجال الدين الموثوق بهم عقيدة ومسلكاً. ثانيهما أن يتقن اللغة العربية وعلوم القرآن الشريعة (القرآن، التجويد، التفسير و... الخ). ويتم إعدادهم المبدئي من خلال دورات تدريبية متعددة تشمل أصول التعليم عموماً والتربية التوحيدية خصوصاً. وإن كنا نسعى حالياً ونفضل أن يحوز المعلم على شهادة عالية في الفقه الإسلامي. وهذا التخصص يمنح المعلم تلقائياً إحاطة شاملة بكل العلوم اللازمة (فقه، لغة، فلسفة، تاريخ... إلخ). الشيخ والمعلم الواضح من إجابة الشيخ أبو المنى أننا دخلنا الى مؤسسة العرفان التوحيدية وشروط إشغال تدريس مادة الدين في مدارسها، لكن الأمور ما تزال سابقة على هذه المرحلة لجهة البحث عن رجل الدين لدى طائفة الموحدين الدروز وثقافته. يعتبر القاضي عباس الحلبي أن أكثر الطوائف لديها مشايخ هم الدروز، إذ يستطيع أي كان أن يلبس اللفة والشروال ويمكن أن يكون شيخاً، ولكن ليس كل من يلبس عمامة شيخاً. هناك بعض الأطفال الذين يرتدون هذا اللباس. وينتمي هؤلاء إلى عائلات من المتدينين، لكن ارتداء اللباس لا يعني أن هؤلاء مشايخ أو هم في طريقهم إلى المشيخة. الشيخ مسألة مختلفة وأعمق من هذه المظاهر التي تبدو للبعض كافية، إذ ان الشيخ الفعلي هو من يقبل على كتاب الحكمة، ويتوجب عليه أن يقبل على محاسبة نفسه. هذا الشخص تكرسه العامة شيخاً ولديه كرامات، ومعروف عنه التقوى والصلاح وحفظ الحكمة والقدرة على شرحها للآخرين. بهذا المعنى يصير هذا الشيخ مرجعية ويترقى شعبياً دون أن يترافق ذلك مع إجراءات قانونية. لكن الرأي العام هو الذي يضعهم في هذا الموضع الذي هم جديرون به نظراً لجمعهم بين التقوى والعلم. بدوره ينفي د. أنور أبو خزام أن تكون طائفة الموحدين الدروز تملك مؤسسة تعليمية على غرار ما تملكه سواها من الطوائف لتخريج رجال الدين. فالخلوتان في حاصبيا والقطالب تضم مشايخ مسؤولين عنهما. ويقتصر الدخول اليها على الذين يطلبون دينهم ويرتدون اللباس التقليدي. هذا جانب، والجانب الآخر يتعلق بالمواصفات التي يجب أن يتحلى بها الشيخ الذي يتولى التعليم. هنا لا نجد مواصفات كتلك المعروفة في المؤسسة الأكاديمية أو لدى الطوائف الأخرى. الأهم أن يتم التعارف عليه بوصفه شيخاً عالماً في مجال الحكمة وشروحاتها. علماً أن هذا لا يعني عدم وجود مشايخ درسوا وتخرجوا من الجامعات حاملين الليسانس أو ما يتجاوزها في مجال العلوم الإنسانية، لكن لا توجد لدى الطائفة مدرسة تضم العلوم الإنسانية الى العلوم الدينية. لكن مجرد وجود مشايخ يجمعون بين هذه العلوم وتلك، يستطيعون القيام بما يقوم به أي شيخ تقليدي من متخرجي إحدى الخلوتين. هذا جانب هام يقدم شرحاً إضافياً على شخصية الشيخ الذي يتولى المهمة التدريسية. لكن هناك ما يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار كما يضيف أبو خزام إذ ليس ضرورياً لكل من ينهي فترة من الدراسة في مجلس أحد المشايخ أو في الخلوات أن يصبح شيخاً في قرية أو بلدة. علماً أن فترة الدراسة هذه غير محددة زمنياً كما في المراحل الدراسية حيث السنوات محددة وواضحة في حال إنجاز المنهاج المقرر. أما في سلك القضاء فالأمر يختلف، إذ يتطلب الأمر أن يحوز القاضي على شهادة الليسانس وغالباً من كلية الحقوق وأن يلتزم بالزي الديني كتعبير عن التزامه بالعقيدة، أي ان ليس كل متخرج من الحقوق يصبح قاضياً، إذ هناك المدني المتخرج الذي يعمل محامياً أو كاتباً بالعدل وسوى ذلك. يقدم الشيخ أبو المنى هو الآخر تفصيلات عن مؤهلات رجل الدين. وينطلق أيضاً من مبدأ ان ليس ضرورة أن يكون كل رجل دين معلماً أو مدرساً. ولكن يفترض أن يكون كل معلم دين رجل دين. ويتم تخريج رجال الدين على النحو الذي عرفته المسالك الصوفية الإسلامية والذي يعتمد اعتماداً أساسياً على العلاقة الصحيحة بين الشيخ والمريد، ويترقى هذا المريد تحت إشراف شيخه في مجالات عدة هي: تعمقه في معرفة العقيدة الدينية وكل ما يتصل بها من أحكام وتشريعات في رحاب الخلوات الدينية، وهي قديمة وموجودة في المناطق الدرزية كخلوات البياضة في حاصبيا وخلوات القطالب في الشوف وغيرها. مسلكه الأخلاقي والاجتماعي الذي يفرض عليه أن يكون قدوة ومثالاً. الزهد في الدنيا أي في جاهها المنقرض ومالها الحرام. إحياء المراقبة لوجود الخالق سبحانه، وهي الأصل الذي يعتمد عليه رجل الدين الموحّد، لكي يكون عمله الظاهر متوافقاً مع نيته وصحة عقيدته، وهذا هو الصدق الحقيقي والذي يعتبر من أهم المفترضات الدينية عند رجال الدين الموحدين، فكل قول أو عمل لا يكون لوجهه سبحانه هو وبال على صاحبه ووبال على المجتمع. يدخل الشيخ أبو المنى في التفاصيل ويتقاطع في الكثير مما ذكره مع ما أشار إليه كل من الحلبي وأبو خزام. لكنه يكمل على صعيد تحديد طبيعة رجل الدين في المجتمع الدرزي قائلاً: هناك فرق بين رجل الدين العادي، أي الملتزم بالزي الديني التقليدي المعروف لدى الموحدين الدروز والملتزم كذلك بممارسة الفرائض الدينية العادية الذين يتربى أبناؤهم على الالتزام الديني في بيئة أهلهم المحافظة، وهؤلاء كثر في المجتمع الدرزي ويُعدّون بالآلاف، وبين رجل الدين العالم الذي يجمع العلم والمعرفة إلى التقوى والالتزام بالزي والمسلك وهم بضع مئات. وكلاهما يتدرج في المعرفة والمسلك الديني ونجد العديد من رجال الدين العاديين يتميزون بتقواهم وزهدهم وبدورهم الاجتماعي العامل. وهناك عدد أقل نسبياً من رجال الدين العلماء الذين يتميزون بمعرفتهم العميقة بالأديان وبالعلوم التوحيدية والفلسفة أو بالثقافة العامة. وفي جميع الحالات فإن لرجل الدين دوراً أساسياً توحيدياً في المجتمع الدرزي لما يتمتع به من صفات عالية والتزام بتقاليد الطائفة وأدبياتها والحفاظ على تماسكها. يختم الشيخ أبو المنى قائلاً: إن تنظيم رجال الدين يجب أن يكون في أولويات خطة المجلس المذهبي الذي يسعى من خلال اللجنة الدينية في المجلس وبرعاية وتوجيه مشيخة العقل التي لها الدور الأساسي الى تنظيم جديد يتطلع إليه المجتمع منذ أمد بعيد، يرتكز على احترام القيم والتقاليد الموروثة عن السلف الصالح ويساهم في وضع الأطر الصالحة والمنهجيات المطلوبة لهذه الشريحة الكريمة من طائفة الموحدين الدروز. بعد هذه الرحلة يتبين أن الطائفة الدرزية ما زالت تعتمد الأسس القديمة في إعادة إنتاج رجال الدين، بما هي المجالس والخلوات وضمن شروط تنتمي الى عالم الأفكار والممارسات الصوفية. بهذا المعنى لا أثر للحداثة في عملية الإعداد. إذ لا يمكن لأحد أن يدعي أو يلحظ أن هناك تأثراً ما بالمدرسة أو الجامعة الحديثة. إذ المسار ذاته يتتابع منذ أيام الحاكم بأمر الله وحتى اليوم. يتغذى مثل هذا الوضع من طابع العقيدة وما تعرض له أتباعها على امتداد ما يقارب التسعة قرون الماضية، هذا إضافة الى الطابع الفكري الفلسفي للنص التوحيدي. وتأثره بمدارس عدة، تبدأ من الفلسفة اليونانية أو الأفلاطونية المحدثة بالتحديد، وتمر على العقائد الهندية، إضافة الى المصدر الإسلامي العام والشيعي على نحو أخصّ، إذ ان الدروز هم إحدى الفرق التي انشقت عن الفرقة الإسماعيلية التي تنتمي الى الإمام إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق... إذاً هناك علاقة صوفية تربط بين الطالب المريد والشيخ، وعنها ينجم جانبان أحدهما معرفي يتعلق بالعقيدة وثانيهما يتناول الممارسة. فالشيخ في المفهوم الصوفي ليس مجرد عالم في الروحانيات أو الإلهيات أو الماورائيات، اذ انه في المقام الأول هو زاهد وناسك يعتمد هذا المنحى للانفصال عن العالم المادي الذي يحيط به تباعاً، توصلا الى الاتحاد ب الأنا الأعلى أو الذات الإلهية، كما هو معلوم. رغم كل هذا، فإن العلوم الدينية والتعليمية لدى هذه الطائفة لم تبق ساكنة بالمطلق، إذ شهدت محاولات متعددة لتحديثها في مراحل زمنية، ولذلك لم يجد الشيخ أبو المنى بداً من الإشارة الى أن أي خطة جديدة للمجلس المذهبي للطائفة لا بد أن تلحظ هذا التنظيم الجديد، الذي يدعو إليه، أيضاً كل من الحلبي وأبو خزام بطبيعة الحال، دون أن يعني ذلك أن المعارضة لمثل هذا التطوير مفقودة، بل ان هذا الاتجاه لدى هذه الطائفة مثله مثل الطوائف الأخرى، كان لديه مؤيدون ورافضون. ولعل العديد منها ما زال يجرجر الماضي في مؤسساته التي تبدو حديثة بينما هي مسكونة في القديم، باعتباره الأصول التي لا ينهض بناء دون أن يكون لها دورها في الحاضر الراهن.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة