As Safir Logo
المصدر:

بربر المغرب: نريد لغة.. لا الانفصال

بائعان أمازيغيان متجولان
أمازيغيان في سوق شعبي
المؤلف: كليب سامي التاريخ: 2007-07-12 رقم العدد:10747

الرباط: البربر كلمة يكرهها المنتسبون اليها في المغرب، تماما كما يكرهون تسمية بلادهم ب المغرب العربي . فهم يفضلون ان يطلق عليهم اسم الأمازيغ (الرجل الحر)، كما يفضلون كلمة المغرب (من دون صفة العربي) ويذكرون بأنهم ما أصبحوا عرباً ومسلمين الا بفعل الغزو العربي باسم الاسلام. إنها قضية شعب من المفترض أن تكون له حقوق موازية لحقوق العرب، ولكنه يقول انه لم يحصل سوى على فتات ما منت عليه السلطات به، فكان طبيعياً أن ينتظر كل فرصة سانحة للانتفاض مذكرا بمطالبه التي تقتصر حتى الآن؟ في المملكة المغربية على الاعتراف باللغة البربرية تمازيغت لغة رسمية يقرها الدستور وتتبناها المؤسسات، بينما تصل في الجزائر الى السياسة والى حد المطالبة بالاستقلال. وقد انتظر الأمازيغ أكثر من نصف قرن بعد الاستقلال، لكي يأتي الملك محمد السادس ويبدأ بانفتاح جدي و طوعي عليهم. ولكنهم لا يزالون يطالبون بالمزيد. ماذا يريد أمازيغ المملكة المغربية؟ ولماذا رفضت السلطات حتى الأمس القريب الاعتراف بوجودهم اللغوي طالما أنهم يشكلون أكثر من 40 في المئة من مجموع سكان المملكة، وطالما ان احدى بناتهم كانت يوما ما زوجة الملك محمد الخامس؟ ولماذا يستعجلون الأمر وتحقيق المطالب، طالما ان الملك الجديد محمد السادس أفسح لهم في المجال ما لم يفسحه كل أهله وأجداده، وأقام لهم المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ؟ من هذه الأسئلة، بدأت رحلة السفير هذه المرة الى قلب مناطق الأمازيغ، وهي رحلة يراد منها تصحيح بعض الأفكار المغلوطة عند أهل المشرق الذين قلما ينظرون الى البربر على أنهم مجموعات انفصالية او مناهضة للعرب او مقربة من اسرائيل او في أفضل الأحوال، أقليات فولكلورية . بربر أم أمازيغ؟ يا أخي لا تقل بربر، هذه كلمة معيبة عندنا . يسارع مرافقنا الأمازيغي ونحن نتجول سوياً في السوق الشعبي الأمازيغي في تارودنت التي تبعد حوالى 80 كيلومتراً بالسيارة عن مدينة أغادير السياحية. سياحية هي ببحرها الجميل وشاطئها المنبسط تحت عشرات الفنادق والمحال التجارية، والمحتضن كل يوم عشرات الآف السياح الأجانب (للتمتع بالشمس التي تعز في دولهم) والسياح العرب (للتمتع بالسهر والنساء وهم لا يملون من الجري خلفهن). والمرافق محق في ما يقول اذا ما اعتمدنا على التاريخ، ذلك ان كلمة بربر إنما استخدمها اليونان والرومان للتدليل عل كل أجنبي في مدينتهم وعلى أهل شمال افريقيا. وكانوا يعنون بها حين تصدق نواياهم الاجنبي غير الناطق بلغتهم ، أو يعنون بها البرابرة المتوحشين حين تسوء النوايا. وهي غالباً ما كانت تسوء. ولأن التاريخ لا يخدم إلا صانعيه، فهو متناقض في الروايات المغربية. وهكذا نجد ان المغالين في استنباط التاريخ العربي وإلصاقه بكل شيء، يقولون ان السكان الاوائل للمغرب كانوا من البربر ولكنهم قدموا اليه من اليمن وسوريا ومصر واثيوبيا (ما يعني ان اصولهم عربية في معظمها). ولكن ابن خلدون نفسه شكك في هذه الأصول. أما المغالون في إسقاط التاريخ البربري على كل شيء، فهم يرفضون تلك الاصول العربية ويقولون إن العربية لا بل والاسلام قد فرضا عليهم في خلال الغزو العربي في القرن الثامن للميلاد بقيادة عقبة بن نافع. لعنك الله يا عقبة يا مسخوط ، تقول عائشة المغربية الأمازيغية الموظفة في مكتبة صغيرة حين نسألها عما اذا كان لديها كتاب للفاتح الشهير. تقول ذلك وتضحك، هي المثقفة والحاصلة على اجازة في الأدب المقارن. وهنا أيضا تختلف الروايات، فالبعض يريد القول إن اهل المناطق التي تعرضت للغزو، استقبلوا الفتح الاسلامي من دون مقاومة او اعتراض، وان السلطان مولاي ادريس (جد العائلة المالكة) لم يجد صعوبة كبيرة في اقامة سلطنته وتأسيس المملكة على اعتبار انه سليل النبي محمد، البعض الآخر (وهم الأمازيغ) ينتفض ساخطاً عند سماع هذه الرواية ليؤكد ان عقبة بن نافع واجه مقاومة وان المغرب الاقصى عرف قائداً بربرياً سبقه بأحد عشر قرناً تقريباً. لا يتسع المجال للسرد التاريخي فهو بحاجة الى أطروحات. ولكن الأكيد الذي يتفق عليه الجميع ويعترفون به هو ان الغزو العربي والغزو الإسلامي كانا السبب وراء نشر العربية والإسلام كما يقول العرب، او في الاستعمار العربي والإسلامي للبربر ، كما يقول البربر. مات عقبة بن نافع وشبع موتاً، ومات السلطان ادريس، وصار العديد غيره من سلاطين وملوك المملكة المغربية في ديار الحق، ولكن القضية الأمازيغية لا تزال قائمة، لا بل وشهدت بين وقت وآخر انتفاضات قوبلت بقمع، ومطالب قوبلت برفض، خصوصا حين كان الأمر يتعلق بجعل اللغة الأمازيغية لغة رسمية على غرار نظيرتها (او عدوتها) العربية. قمع معتدل وصل الأمر ببعض الأمازيغ الى حد المجاهرة في تظاهرات عديدة بشعارات تقول ليخرج العرب وبوضع حد لما يعتبرونه استعماراً عربياً مشابها للاستعمار الفرنسي . قالوا ان وجودهم في المغرب سابق على الوجود العربي بقرون طويلة وانهم هناك منذ أكثر من 5 الآف عام . وقالوا أيضا انهم كانوا أصحاب فضل كبير في محاربة المستعمرين الفرنسي والاسباني، وان معظم أهل المملكة هم من اصول بربرية حتى ولو ان الكثير منهم لا يتحدث الأمازيغية بفعل الغزوات والضغوط والتعريب والأسلمة. وفي 5 آب عام ,1991 وقعت 6 جمعيات امازيغية شرعة أغادير المطالبة بتكريس اللغة والثقافة الامازيغيتين في المغرب دستوريا، وشجبت ما وصفته ب التهميش المتعمد ، وحددت 7 أهداف يتقدمها هدف وضع اللغة الامازيغية في مصاف اللغة العربية رسمياً. وفي 1 أيار عام ,1994 اندلعت تظاهرة البربر في غولمية في الرشيدية حيث العلاقة مع العرش كانت دائما متوترة، وحصلت اعتقالات، وذكرت السلطات انها اكتشفت عند احد المنظمين وثائق تؤكد التورط مع جمعيات أجنبية. وحكم على اثنين من قادة التحرك بالسجن عامين وثالث بالسجن عاما واحدا، لكن الحسن الثاني عفا عن الجميع بعد اسابيع قليلة. كان الحسن الثاني يدرك بحسه السياسي الثاقب انه لا يستطيع المضي قدما في القمع حيال البربر، لأن الجمر الذي تحت الرماد قابل للاشتعال في أي لحظة. إعلام أمازيغي؟ كان العرش المغربي قد قام قبل ذلك بخطوات انفتاحية رمزية حيال الامازيغ، بينها مثلا حين اعلن رئيس الوزراء عبد اللطيف الفيلالي في منتصف التسعينيات في مجلس النواب ان التلفزة ستبدأ ببث اخبار باللغة الامازيغية. وهذا ما حصل، حيث بدأت التلفزة منذ اواخر آب 1994 بتقديم نشرة اخبارية باللغة الامازيغية مدتها 12 دقيقة، وذلك بعدما كانت الإذاعة قامت بذلك قبل التلفزة بسنوات. وتم تقديم النشرة باللهجات الامازيغية الثلاث المستخدمة حاليا في المغرب، اي تيرفيت (في الريف الشمالي)، و تمازيغت في الوسط الشرقي، و تشلحيت في الجنوب. لكن الأمازيغ يريدون تلفزيونا خاصا بهم وبلغتهم. والحقيقة ان المشكلة اللغوية في المغرب لا تقتصر على القرارات الرسمية وإنما تطال أيضا طريقة كتابة هذه اللغة الامازيغية، ذلك انه بين البربر أنفسهم تقوم خلافات بحيث أن بعضهم يريد استخدام الكتابة بالاحرف اللاتينية وآخرين يرون ان الاحرف موجودة وهي المعروفة ب تيفيناغ . وقلة شبه نادرة ترى ان لا ضير في استخدام الآحرف العربية ولكن هذه القلة تلقى رفضاً من قبل الأكثرية الامازيغية على أساس ان العربية كانت سبب التهميش التاريخي. مطالب لغوية فقط؟ هل تريد السوق العربي أم الأمازيغي؟ ، يسأل رجل رث الثياب كان متأهبا في موقف السيارات وسط تارودنت لاصطياد السياح. وفي تارودنت سوقان، واحد للعرب والآخر للأمازيغ، ذلك ان رواد الثاني هم في معظمهم من الناطقين فقط باللغة الامازيغية، وأسعاره جيدة. وفي السوق الامازيغي لتارودنت، او في السوق الشعبي لمدينة تيزنيت ذات الوجود البربري الكثيف أيضا، تختلط روائح البهارات والنعناع والخضار والتوابل، بالالوان المتنوعة للملبوس التقليدي الامازيغي. ففي هذا السوق اختصار لجزء كبير من التراث والتقاليد الامازيغية الشهيرة. وهنا الأغاني الامازيغية منتشرة بكثرة، تتحدث عن التراث والتقاليد وتدعو الى محاربة الفقر والبطالة ومناهضة الاستعمار، ولكنها تغرق أيضا بالحب والغزل حتى ولو ان الأمازيغ معروفون بأنهم أكثر محافظة وتشدداً من العرب. ويروي مرافقنا الامازيغي ان انتشار الاشرطة المصورة للاغنية الامازيغية عبر الفيديو والأقراص المدمجة انما هو ناتج عن مشاكل التاريخ، حيث ان وسائل الاعلام المغربية الرسمية كانت تخصص جزءا بسيطا فقط من برامجها للامازيغية. وتقول خديجة البناوي، الأمازيغية والمقيمة حاليا في بروكسل حيث تشرف على نشاطات ثقافية وفنية افريقية والتي كانت في اغادير للمشاركة في الاشراف على مهرجان الموسيقى الامازيغية، تقول نحن عانينا فعلاً من تهميش اللغة الامازيغية، فمثلا انا ولدت وترعرعت في عائلة تتحدث لغة اجدادنا، ولكن مع الوقت بدأت انساها لأن التعليم كان باللغة العربية او اللغات الاجنبية الاخرى، واليوم فقدت الكثير من كلماتها، وحين كنت ادرس في مدارس الدار البيضاء كان زملائي العرب يسخرون من لكنتي ويقولون إني شلحة (نسبة الى الامازيغ الشلوح ولكنها كلمة يراد منها ايضا الاساءة او السخرية) . وخديجة شابة جميلة في مقتبل العمر، تبدو بشعرها المسترسل مجعدا على كتفيها، أقرب الى النموذج الغربي منه الى المغربي من ناحية استخدامها للغة الفرنسية رغم طلاقة لغتها العربية حيث درست الادب العربي، ومن ناحية ملبوسها ومظهرها الخارجي. وهي تقول انها حين تستمع الى اغنيتين امازيغية وعربية تشعر بالحنين أكثر الى الاغنية الامازيغية، ولكن حين تستمع الى اغنية عربية واخرى اجنبية فإن قلبها يدق على الوتر العربي. نحن امازيغ معربون تقول. وهي في ذلك ليست حالة نادرة. فأمازيع المملكة المغربية ليسوا جميعا معادين للغة العربية وانما يريدون ان تصبح لغتهم الأم أساسية أيضا تماما كلغة الضاد. وفي هذا السياق، يقول الباحث السياسي محمد الخنوبي اننا نريد الاعتراف الدستوري باللغة الامازيغة كلغة رسمية ونطالب بإدماج حقيقي لا صوري لهذه اللغة في الدستور والبرامج والقضاء والمؤسسات التربوية وإدارات الدولة والتعليم، ذلك ان قسما لا بأس به من الامازيغ لا يتحدثون العربية وهم بالتالي يشعرون بان ثمة لغة اجنبية (العربية) تفرض عليهم مثلا حين يكونون في المحاكم او في إحدى إدارات الدولة . ويضيف الباحث الامازيغي الثلاثيني العمر نحن نمول الاعلام الرسمي من جيوبنا ويحق لنا بالتالي التمتع بقسم منه للغتنا وثقافتنا، ففي الأمس القريب تعامل معنا الاستعمار الفرنسي بلغته وفرضها علينا، واليوم يتصرفون معنا باللغة العربية من المنظور ذاته . ويضحك طويلا حين نسأله عما اذا كان لدى بعض امازيغ المغرب رغبة بالاستقلال على غرار ما هو حال بعض امازيغ مناطق القبائل في الجزائر. ويسأل عمن نستقل؟ فنحن جزء من الشعب المغربي ولا نميز بين عروبي وأندلسي وصحراوي، اننا وحدة منسجمة، فأنا مثلا نصفي معرّب ونصفي من الامازيغ، ولا يمكن بالتالي الحديث عن تقسيم لأن المغرب نسيج موحد حتى ولو تنوعت الثقافات واللغات واللكنات، وكل ما نطالب به هو الاعتراف الفعلي بلغتنا وثقافتنا . وهو ما يشير اليه ايضا الأستاذ الجامعي في كلية الآداب في أغادير المتخصص في علوم الألسنية البربرية، عبد الله المنتصر. ويقول ان اللغة ان لم تمارس تموت وان ثمة من أراد القضاء على هذه اللغة عبر التاريخ، وهو الأمر الذي جعل الكثير من الجمعيات الثقافية، نظرا لغياب الاحزاب السياسية الامازيغية، تناضل لإحياء الثقافة واللغة الامازيغيتين وعدم تحويلهما الى مجرد فولكلور. ويروي كيف ان الشعراء الامازيغ الذي كانوا بمثابة المرشدين السياسيين لقومهم، كانوا غالبا ما يشرحون في اشعارهم معاناة الامازيغ، فتتردد في كلماتهم المغناة مشاعر الضياع، والتيه، والماضي، والترحال، والغضب والثورة ضد ما هو قائم وضد هجرة الرجال . وقد كان المغني البربري عبر التاريخ والمعروف باسم الرايس مصدر المعرفة لأبناء قبيلته ومنهم على سبيل المثال الحاج بلعيد والمهدي بنلمبارك. معهد ملكي للبربر كان الأستاذ الجامعي عبد الله المنتصر يشرح لنا هذه الأمور قبيل دخول عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية أحمد بوكوس الى القاعة التي تجري فيها وقائع ندوة عن الشعر والغناء الامازيغي في اغادير، حيث وقع اتفاقية جديدة مع المدينة. والواقع ان الاتفاقيات التي وقعها المعهد الملكي كثيرة لجهة ادماج الامازيغية في البرامج التربوية، وتعزيز حضورها عبر قطاعات عديدة. ولكن الأمر لم يلب بعد كل مطالب الامازيغ، رغم ان ثمة من اعتبر قرار الملك محمد السادس باقامة هذا المعهد خطوة جبارة وجريئة في سياق الاعتراف الرسمي باللغة والثقافة الامازيغيتين، وذلك بعدما تم إدراج اللغة الامازيغية في مقدمة الدستور المغربي. بعض الامازيغ يقولون ان المقدمة وحدها لا تكفي. وهكذا، ففي شهر آذار عام ,2005 قرر 7 اعضاء الاستقالة من المعهد الملكي للثقافة الامازيغة الذي يضم 32 شخصا، وقالوا ان استقالتهم مرتبطة بضرورة الاعتراف الحقيقي بالامازيغية كلغة ثقافية وهوية وتاريخ، وهذا يستلزم قرارا دستوريا برسمية اللغة الامازيغية، كما يتطلب حماية قانونية لدمجها، وذلك عبر سن قوانين خاصة ملزمة للجميع. وقال البعض إن اعتبار اللغة العربية لغة رسمية او وطنية هو كلام مستفز وينطوي على سخرية واستعلاء . وذكرت رسالة المستقيلين ان عملهم اليومي في المعهد ليس له تأثير على الواقع اليومي للامازيغية . وحتى اليوم، لا تزال مشاكل المعهد قائمة من جهة مع بعض الإدارات، ومن جهة ثانية مع جزء من مسؤولي الامازيغ، ولكن الضوء الاخضر الملكي لا يزال يرعاه للوصول الى نتائج أفضل. أحرضان سياسي وفنان معروف انه حتى الان لا يوجد اي حزب سياسي للامازيغ في المغرب، ولا توجد جمعيات ذات صبغة سياسية، مع ان احد الوجوه الامازيغية البارزة، وهو المحجوبي احرضان، كان قد وصل الى مرتبة عليا في السلطة وبات رئيساً لمجلس النواب في عهد الملك الراحل الحسن الثاني. ويقول احرضان، السياسي والشاعر والرسام، ان مسيرتي كانت دائما سياسية لكي افرض الثقافة، ولكنها اصبحت مع الوقت ثقافية اكثر مما هي سياسية . وهو غالبا ما يتحدث باللغة الفرنسية (متزوج من فرنسية) ويكتب خصوصا بالفرنسية والامازيغية، ولكنه يفاخر بحفظه القرآن الكريم. وهو يعتبر انه ناضل طويلا لفرض اللغة الامازيغية وانه ناقش طويلا الملك الحسن الثاني، صديقه وخصمه في آن، بهذا الشأن، ويفاخر بالمجلة الناطقة بالامازيغية، ولكن معارضيه يقولون انه وغيره من قادة الامازيغ الذين انضووا في اطار العرش، انما جاروا السلطة السابقة في عمليات التهميش. طارق بن زياد بربري وأمازيغ المملكة المغربية موزعون على ثلاث مناطق مختلفة من الريف الى الأطلس الى مناطق اغادير وتيزنيت وتارودنت المعروف باسم سوس بشكل عام. ومن يجول في تلك المناطق سيسمع روايات عديدة منسوبة الى التاريخ، ومنها مثلا ان الاحزاب الكبيرة وبينها حزب الاستقلال بقيادة زعيمه التاريخي الراحل علال الفاسي الشهير، ناهض الامازيغية. ومن الروايات أيضا ان طارق بن زياد الذي اشتهر بفتح الاندلس كان بربرياً امازيغياً من منطقة الريف في المملكة المغربية، وان حقبتي المريدين والموحدين، اي تلك الممتدتين من القرن الحادي عشر الى القرن الثاني عشر واللتين عرف في خلالهما المغرب كيف يمتد من اسبانيا حتى نهر السنغال، كانتا حقبتين بربريتين. لكن أمازيغ المملكة يتجنبون التذكير بأن المحاولتين الانقلابيتين اللتين كادتا تطيحان بالملك الراحل الحسن الثاني في مطلع سبعينيات القرن الماضي، كانتا صنيعة ضباط من البربر، وفي مقدمهم رجل الثقة الاول عند الحسن الثاني الجنرال محمد اوفقير الذي جاء في ظروف غامضة من الجيش الفرنسي الى المقاومة (لفترة قصيرة) ثم أصبح احد ابرز حراس ومستشاري الملك محمد الخامس وبعده الملك الحسن الثاني قبل أن ينتحر في القصر الملكي بعدما فشلت محاولة قتل الملك عبر اطلاق الرصاص على طائرته. لقد تكثفت الخطوات الملكية لجهة تعزيز الحضور اللغوي والثقافي الامازيغي، ولكن المشوار لا يزال في أوله، والمطالب لا تزال كثيرة، وثمة من يستفيد من هذه المطالب داخل المملكة وخارجها (وخصوصا في اوروبا) لتحريك الورقة الامازيغية في اتجاهات متعددة. ولعل الكاتب والمؤرخ الفرنسي الشهير بنجامين ستورا على حق حين يقول انه مع تعدد ظهور وأفول حركات قومية عربية عديدة (وخصوصا البعثية والوحدوية والقومية...) ومع تنامي التيارات الاسلامية الأصولية، بات امازيغ المغرب يشعرون بالحاجة الى تكريس حضورهم أكثر من أي وقت مضى. صحيح ان أمازيغ المملكة المغربية لم يذهبوا في ما ذهب اليه بعض أبناء مناطق القبائل في الجزائر الى الدعوة للاستقلال والانفصال، ولكن الصحيح أيضا ان المطالب الامازيغية في مملكة محمد السادس باتت قضية قائمة بذاتها وحاضرة في النقاشات أكثر من اي وقت مضى. وصار مؤكدا ان اللغة الامازيغية ستفرض نفسها عاجلا أم آجلا لغة رسمية موازية تماما للغة العربية. ويبقى السؤال الذي يطرحه بعض الحريصين على لغة الضاد هل ان حضور اللغة الامازيغية سيخدم التنوع الثقافي أم يراد له محاربة اللغة العربية والانتقام منها ومن الاسلام بشكل عام؟ ، ذلك ان من يحرك بعض الخيوط الامازيغية، ليسوا دائماً حريصين على المغرب العربي وتاريخه ومستقبله. ولا شك ان الكثير من النخب الامازيغية في المملكة يعرفون ذلك ويعملون على منعه لأنهم متعلقون بدولهم بمستوى تعلق العرب او أكثر في بعض المرات. في الحلقة المقبلة (ماذا يريد بربر الجزائر؟)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة