As Safir Logo
المصدر:

<جمعة يعود إلى بلاده> لخالد المعالي حياة صغيرة في قبضة الزمن

المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2007-07-03 رقم العدد:10739

الكتاب: جمعة يعود إلى بلاده . الكاتب: خالد المعالي. الناشر: منشورات الجمل . ماذا يعني لعراقي أوغل في الزمن والمسافة عن عراقه، العودة الى موطن قهره وحبه في آن. ماذا يعني لعراقي العودة لمعانية الذكريات كحقيقة ماثلة، والوطن الذي أثراه الخيال وعراه في آن. جمعة يعود إلى بلاده يميّزه عن سرديات حنينية في الأوطان، خط التوتر الروحي والنفسي المتصاعد، منذ لحظة حسم قرار العودة، كذلك التغيّر الواعي في المواقف التي ترتبط بالمشاهدات والأحداث، وتشكل قناعات الشاعر والكاتب خالد المعالي الشخصية، الشعورية والعقلية في آن، التي قامت في السرد على مراكمة تجارب ومعارف وصور ورؤى، بعيداً عن المغالاة في تقديس المكان، لأن الزمن كما يعرف المعالي جيداً، هو المنتصر الوحيد. جمعة يعود إلى بلاده أو الشاعر خالد المعالي الذي عاد، وكتب في عودته جديده عن دار النشر خاصته منشورات الجمل الكتاب الذي لطالما خطه في رأسه، في صدره وقلبه، وخزنه في الذكريات، في رغبته الى تداركها من التلف والاندثار. جمعة أو خالد بعد خوضه في العمر حتى الشيب، متنقلاً في غرباته، برفقة الأمل الملح والوحيد، الى استعادة رؤية مدينته وعراقه، السماوة وبغداد، رؤية الوجوه والشوارع، الالتقاء مجددا بهذا وتلك، مستعيداً طرفاً من حكاية قديمة، حكاية الطفولة والشباب والشعر والحب، الحكاية التي غلبها القهر وألقت بصاحبها بعيدا، مشردا جائعا ينتهبه الحنين، ليعود اخيرا الى مدينته، واجدا الشباب قد شاخ، والاشارات قد ضاعت، وغاصت الجسور، والوجوه النضرة استحالت أشباحا تهمهم وتحاكي نفسها، والحب الذي كان قديما ومكث طويلا انتهى بتلويحة وداع سريعة وأخيرة، لينتهي جمعة الى الشعور بأنه بالاضافة الى كل ما استدانه ليسد رمقه في المنافي، فهو قد استدان حياته ايضا، وبأن كل ما حسبه له لم يكن له أبدا، وبأنه الآن أمام الحقيقة والعجز التام، والشعور بالخفة وبأن لا شيء يستحق الندم. قوة الكلمات تميّز جمعة يعود إلى بلاده أو عودة الشاعر العراقي المعالي الى موطنه بعد مرور عشرين عاما من الغربة والتشرد المنكوب من خلال السماوة بلد الشاعر. رؤية إبداعية متأنية وعاطفية النزعة في مواضع، وذات بُعد نفسي معني بدواخل الشخصيات. ثمة قوة الكلمات في النفاذ الى المشاهد والى ما خلف المشاهد. في جمعة يعود إلى بلاده نرى الى حضور الزمن في تقلبه، والى الحدس الذي ينتاب الغريب المشتاق، في تبويب رسائل جمعة في الكتاب، وفي العناوين الكثيرة التي وضعها لسرديات العودة الى العراق، وما حول هذه العودة، هناك سعة رؤية الكاتب وملاحظاته، وأمانة التعامل مع المشاهدات في ثباتها وتحولها، كذلك مع شخصيات الطفولة والصبا والشعر التي لم يلبسها الكاتب لبوساً تزينياً، ما أرخى نوعا الامانة مع النفس ومع الآخر في النصوص، وأغنى مع ذلك القلق الذي يلبد بين السطور ويكتب نصوصه الخافية والخاصة، كما زخم المستوى الفني للسرد، وميّز خصوصيته. حاول خالد المعالي في فصول كتابه أو رسائله الى أصحابه وأصدقائه من الشعراء وغير الشعراء، والى حبيبة صباه الباكر، في أن يجري فصلا دقيقا بين العواطف والمشاعر وبين الوقائع في تغيرها القسري، ويبدو ذلك في فواصل سردية انتهى إليها الكاتب كمحصلة لزيارة السماوة حيث الأهل والحبيبة، وزيارة بغداد العاصمة حيث الكتابة في محاولتها الاولى، والشعر والمقاهي والاصدقاء، وباختصار الحياة الباكرة التي حفزت الآمال والاحلام كما في جمعة يزور خطيبته الأولى أو جمعة يكتب عن المكان أو جمعة يتذكر طريق التراب خصوصا الرسالة تحت عنوان جمعة يعود إلى بلاده (يوميات العودة) . رسائل يرتبط السرد المغطى بالحلم حيناً والخيال، بالسنوات الخمسين خلاصة عمر الكاتب، مهدورة بعيدا عن بلده، في مناف أقام فيها، واخرى عبرها عبوراً سريعاً. كما اهتم الكاتب بمجموعة من الاحداث والاسماء، مقدما كشفا عالي النبرة لعدة علاقات إنسانية على شكل رسائل، بينه وبين عدد من المثقفين الشعراء والكتّاب من بينهم سركون بولص وفاضل العزاوي وسمير نقاش، وثمة رسالة مؤثرة عن الشاعر الراحل كمال سبتي التي استبطنت مرارة قاسية. كما احتوى الكتاب رسائل تعبر عن وجهة نظر الكاتب في الصحافة الثقافية، وفي ديناصورات الفكر القومي، ورسائل وجهها الى أصدقاء حياته، ورسائل أرسلها الى نفسه. خالد المعالي، الشاعر العراقي الذي تحتاج في الواقع وفي الحياة العادية ومناسباتها التي تجمعك به، الى التحايل عليه لاستنطاقه جملة وحيدة أو في أحسن الاحوال لتبادل حديث سريع معه، المعالي المقتصد في كلامه، أفرغ في جمعة يعود إلى بلاده كل ما ذخره من صمت، ومنح قارئه متعة كشف باذخ لكل ما أحجم عن الكلام عنه، ويتلخص سحر كشفه في مفردة أساسية، بسيطة ومتاحة لمن ينجح في لحظها، وهي مفردة الصدق في السرد، والصدق مع الذات التي تنطوي على إمكانات ديناميكية كافية بتقريب القارئ من الكتاب، ومنح السرد الاسلوب الابداعي غير الانفعالي، الذي يرى الى الزمن بما هو عليه، ويرى الى الواقع بوعي، وإن سمح للحلم بأن يعبره قليلا. شخصيات جمعة غير محمية من الاندثار والموت والعجز، والكاتب عرف بسرده الرشيق كيفية النفاذ الى أعماقها التي هي امتداد لأعماقه شخصيا والى منطقة لا وعيها واستسلامها لأقدارها. شخصياته كافة، بما فيها الأم والحبيبة وأسطورة القرية ومن رحل من الأهل ومن بقي، تكبر وتشيخ وتموت كما تمليه أقدارها وكما يموت حنين الكاتب إليها بعد أن فقد المسافة بينه وبين الحلم الذي أفضى الى الخواء. من دون مراوغة سرد جمعة حياة صغيرة، وقت في قبضة الزمن، غير أن السرد، صنع حياته الى حدود قصوى.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة