من يصنع رجل الدين في لبنان؟ وكيف تتم صناعته بحيث يصبح مؤهلا للقيام بالادوار التي عليه القيام بها مثل الوعظ والارشاد وإقامة الصلوات وعقود الزواج والطلاق وتقسيم الارث وإقامة مراسيم الجنازات و..؟. اسئلة كثيرة تتناول المؤسسات التي تتولى هذه المهمة. بالطبع قد لا تبدو هذه المعاهد او حتى الجامعات بمثابة اسرار خصوصا لدى ابناء الطائفة، لكنها بالنسبة ل الآخرين اشبه ما تكون بمثابة عالم مغلق خصوصا وان في لبنان 18طائفة معترفا بها؟. كيف قامت هذه المؤسسات ومن أقامها وأين تقع وكيف هو نظام التعليم فيها وما هي المؤهلات التي يجب ان يحصل عليها الطالب ليصبح رجل دين في ملته أو طائفته؟. والاسئلة لا تتوقف هنا بل تتلاحق لتتجاوز ذلك كله الى العلاقات بين المؤسسات التعليمية داخل الطائفتين الاسلامية والمسيحية ولدى كل من المذاهب التي يتشكل منها الاجتماع اللبناني على الصعيد العقائدي. ولرجل الدين دور محوري في حياة اللبنانيين، خصوصا ان قوانين الاحوال الشخصية تحكم وتتحكم بالمواطن من المهد الى اللحد. لكن المفارقات ليست هنا بل في مكان آخر هو بالتحديد وضع وطبيعة مؤسسات التعليم الديني، علما اننا لم نقارب التعليم الديني في المدارس الرسمية والخاصة وإن كانت تمت عملية المرور عليه في غضون الحديث عن الاعداد الذي تتولاه المؤسسات المذكورة. وهنا نشير الى تعدد المفارقات حول هذا النمط من التعليم الذي يختلف عن التعليم العلماني الرسمي. اولى المفارقات ان هذه المؤسسات متباعدة لجهة نوعيتها، فهناك مؤسسات للتعليم العالي هي عبارة عن كليات في جامعات مكتملة او في طور الاكتمال. ايضا هناك مؤسسات تعليمية دون هذه المرحلة والكثير منها له علاقة مع جهات حزبية او ذات ارتباطات حزبية، ولا ترى هذه الجهات ضرورة لشرعنة مؤسسساتها. ثانية المفارقات ان هناك الكثير من المؤسسات ما زالت تدرس على الاسلوب الذي عرفته القرون الوسطى ليس على صعيد كتب الاصول الدينية فحسب، بل على عدم الاشتراط للدخول اليها مستويات محددة للالتحاق بها ومتابعة الدراسة في صفوفها وصولا الى لبس العمامة واعتبار صاحبها نفسه في سلك رجال الدين، ودون ادنى خوف او وجل من مرجعية الطائفة سواء كانت اسلامية او مسيحية. ثالثة المفارقات ان هناك طوائف صغرى لا وجود لمدارس لها وعليه فإن رجال الدين المعممين من ابنائها هم من الذين تابعوا على من هو اكبر منهم ودرس على يديه، ونظرا لحاجة الطائفة جرى تكريسه. مفارقة او سمة اخرى اساسية ايضا هي استحالة عد او حصر المعاهد الدينية لدى العديد من الطوائف في ظل الافتقاد الى المرجعية الرسمية. اذ ان الى جانب المدارس او المعاهد المرخصة هناك العشرات غير مرخص لها. ويدخل من باب المفارقات ايضا وضع رجال الدين وإعدادهم بالعلاقة مع طوائفهم. اذ في الطائفة الواحدة تتعدد المرجعيات وكل منها تنشئ مؤسستها ولا علاقة لهذه بتلك التي أنشأها آخرون من ذات الملة والطائفة. هناك طوائف يتضخم اعداد رجال الدين فيها على نحو لافت ويبلغ العدد الالوف وطوائف يتراجع مستوى التحاق ابنائها بالمؤسسات وبالتالي تشهد نقصا مهما في العديد يدفع الى شغور مراكز في الأديرة والمساجد والحسينيات والخلوات وبالتالي في تلبية الشؤون المطروحة على رجل الدين في مناسبات الولادات والزواج والوفاة والقداديس والصلوات وما شابه من امور عبادية او اجتماعية. ايضا لا بد وان يلاحظ اي دارس لموضوع المؤسسات الدينية مدى الحداثة لدى البعض ومدى التقليد لدى البعض الآخر. هذا الوضع ينطبق على المؤسستين العالية وما دون الجامعية. اذ هناك الكثير من المؤسسات التي ادخلت في صلب دراستها مواد التاريخ والاقتصاد والفلسفة الحديثة والاعلام وما شابه، اضافة الى الكومبيوتر واللغات الحية. بينما هناك اخرى لا تعبأ بكل هذه المواد وتعتمد توجيه طلابها نحو الكتب التقليدية التي كتبها كبار علمائها. الملاحظة الابرز هي ازدياد الطلب على مؤسسات التعليم الديني وقيام نوع من انواع الاكتفاء الذاتي عن توجيه الابناء الى المراكز التعليمية والدينية للطائفة سواء كانت في الفاتيكان او اثينا او الازهر او النجف او سواها. ففي غضون العقود الماضية نبتت كالفطر المعاهد والجامعات وتنافست في ما بينها الى الحد الذي بات بإمكان الطلاب من رجال دين ودنيا الاستغناء عن قصد الموائل التي درج آباؤهم على ارتيادها. المهم ان العقود الأربعة الماضية شهدت طفرة في عدد ونوعية هذه المؤسسات تبعا لاوضاع الطوائف في لبنان وحاجة كل منها الى الدعاة والمبشرين لاشغال الوظائف المطلوبة في الداخل والخارج. رغم الجهد المبذول لا نستطيع الادعاء ان الجردة التي قمنا بها كاملة وشاملة، لكنها تقدم الكثير من المعلومات عن هذه المؤسسات التي تجعل لبنان اشبه ما يكون ببرج بابل تتحدث كل من جماعاته لغة لا يفهمها الآخر. التعددية الثقافية قد تكون مطلوبة دوما وابدا ولكن ماذا عن الرسائل المرسلة في اتجاهات كيفما اتفق؟!. بدأنا الحلقة الاولى من هذه السلسلة التي تتناول معظم الطوائف اللبنانية مع الطائفة السنية وتحديدا مع جامعة بيروت الاسلامية كلية الشريعة التابعة لدار الفتوى. وفي هذه الحلقة نتابع مع الطائفة نفسها بكلية الإمام الاوزاعي. ينتمي طلاب كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الاسلامية الى حوالى خمسين جنسية، مع ان الكلية ما زالت في بناء عادي في منطقة الملعب البلدي الطريق الجديدة تشغل عددا من طوابقه بما فيها الملجأ، الذي تحول الى مكتبة زاخرة بالمراجع والمصادر وباللغات المختلفة. صدر مرسوم انشاء الكلية في العام .1986 والكلية مع زميلتها كلية ادارة الاعمال الاسلامية هما في إطار جامعة الإمام الأوزاعي في لبنان التي أسسها وقف المركز الاسلامي للتربية الذي انشئ في العام ,1976 ومن مهامه اجراء البحوث والدراسات النظرية والميدانية وتوجيهها نحو الجوانب المهمة في حياة المسلمين وتنسيق وتخطيط عملية التربية الاسلامية سلوكيا، والعمل على إزالة الفوارق بين المسلمين في المجتمع الواحد من خلال الابحاث . الآن يملك الوقف المذكور خططاً لانشاء كليات ثلاث هي: العلوم والتكنولوجيا، الفنون والتربية. وبذلك يكتمل نصاب جامعة الامام الاوزاعي اكاديميا. إذاً، كلية الإمام الأوزاعي هي جزء من مشروع أعم، ولها اضافة الى فرع بيروت، فرعان في حلبا عكار، وسعدنايل البقاع، كما تجري امتحاناتها في كل من: دمشق سوريا، القاهرة مصر، دبي الامارات العربية المتحدة، فيينا النمسا، الكويت الكويت، المنامة البحرين وداكار السنغال. اي في خمس عواصم عربية واثنتين غير عربيتين. نبدأ من كلية ادارة الاعمال باعتبارها الاحدث، وهي الوحيدة التي تتولى تدريس الادارة المعاصرة للبنوك الاسلامية وتنظم محاضرات مع البنك الاسلامي للتنمية منقولة بالأقمار الاصطناعية من اماكن مختلفة تبعا لمكان اقامة الاساتذة المحاضرين، ويناقش خلالها الحضور المحاضر عن بعد وبطريقة تفاعلية. وتدرس الكلية في مركزي البقاع وعكار توفيراً لنفقات الاقامة في بيروت على الطلاب في هاتين المنطقتين، لكن كلية الدراسات الاسلامية هي الاقدم والأعرق. بداية، نشير الى ان الكلية تملك مرسوماً بشرعيتها وهو يحمل الرقم ,3484 كما ان لجنة المعادلات في وزارة التربية تعترف بشهاداتها. نظام الدراسة في الكلية هو ككل الانظمة الجامعية، اي انه منقسم في مرحلة الليسانس الى اربع سنوات، وبعدد ساعات اسبوعيا مجموعها 20 ساعة لكل سنة. في ختام هذه السنوات يحصل الطالب على شهادة الليسانس. لكن قبل دخول الكلية على الطالب او الطالبة ان يكون حائزاً شهادة البكالوريا اللبنانية القسم الثاني او ما يعادلها من شهادات تمنحها الدول العربية والاسلامية. والواضح ان النظام الدراسي هو نظام سنوي، وعلى الطالب للانتقال من سنة الى ثانية ان ينجح في جميع المواد، اما اذا رسب في اكثر من ثلاث مواد فيعيد السنة كاملة، اما اذا رسب في ثلاث فإنه يحمل معه هذه المواد وعليه ان يعيدها لتكريس ترفعه. الكلية تدرس بالعربية، لكن احدى مواد التدريس هي لغة اوروبية: انكليزية، فرنسية، المانية، روسية، اسبانية، ايطالية. كما ان لديها مادة تدريس بلغة من لغات العالم الاسلامي. والمقصود هنا: الفارسية، التركية، الاردية، الكردية، السواحلية، الاندونيسية، الهوسا، الماليزية. مراحل الدراسات العليا والدكتوراه مشابهة لكل الانظمة الجامعية لجهة الدراسة في العام الاول والرسالة في العام الثاني للماجستير، ثم الاطروحة للدكتوراه، والاشراف والمناقشة العلنية وغيرها من تنظيمات باتت تقليدية في الحياة الاكاديمية. من مراجعة رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه في الجامعة يتبين ان معظم الطلاب الذين بلغوا هذه المراحل هم من الجنسية اللبنانية ثم يليها الجنسيات العربية ثانيا، لكن بينهم: ايرانيون، مقدونيون، اندونيسيون، سنغاليون، ماليزيون. وبالطبع تدور معظم الرسائل والاطروحات حول موضوعات إسلامية او ذات علاقة بالمجتمعات الاسلامية او المفكرين الاسلاميين. حاملو هذه الشهادات او الليسانس يعملون عادة في التدريس في الدول التي اتوا منها، اي ان السوري او الاردني او العراقي او السعودي او البحريني يستطيع مزاولة التعليم في دولته. وعليه لا يرى رئيس مجلس امناء وقف المركز الاسلامي للتربية ورئيس مجلس امناء الكلية توفيق حوري مشكلة لدى الخريج، خصوصا ان الكلية عضو الاتحاد الدولي للجامعات، واتحاد جامعات العالم الاسلامي ورابطة الجامعات الاسلامية وفي المكتبين التنفيذيين للاخيرين، اضافة الى العضوية في الاتحاد الدولي للتعليم المفتوح وعن بعد. مؤسسات وطوائف يحدد حوري نوعين من مؤسسات التعليم الديني في لبنان. النوع الاول وهو الذي يتمتع باعتراف رسمي من جانب السلطات المختصة، وشهاداته معترف بها وقانونية. اما النوع الثاني فإن القائمين به يتسلحون بطوائفهم ومذاهبهم ويتولون التدريس كما يريدون. ويضيف: المؤلم ان معظم الذين يقومون بدور رجال الدين ليسوا من خريجي الجامعات، ولم يجتازوا دراسات اكاديمية وعليا. ومثل هؤلاء يتأثرون بالاجواء المذهبية والطائفية السائدة في البلاد. والمشكلة ان هؤلاء لا يعرف احد مدى نسبتهم بالقياس الى العدد الاجمالي لرجال الدين في مختلف الطوائف، علما بأن هؤلاء كانوا في العقود السابقة من الذين يدرسون على ايدي مشايخ ورهبان ولم يدخلوا الى مؤسسات اكاديمية. بالطبع بات عدد هؤلاء قليلا لكنهم موجودون على اي حال ومستمرون في اداء مهامهم الدينية. الواضح من رد حوري اننا دخلنا في موضوع علاقة مؤسسة التعليم الديني بالمجتمع، او رجل الدين بالمجتمع، وهي علاقة يشوبها الكثير من المتناقضات لدى كل طائفة من الطوائف وهنا لا يمكن استثناء واحدة منها. لكن المشكلة لا تقف عند هذا الحد في مجتمع تعددي كالمجتمع اللبناني. يروي حوري تجربة لقاء الكليات الجامعية الدينية في لبنان وعددها 14 كلية ومن كل الطوائف والمذاهب. وكانت اجتماعات اللقاء دورية. توليت رئاسة اللقاء ممثلا لكلية الإمام الأوزاعي، وبعدها كانت جامعة الكسليك في هذا الموقع، ثم انتقلت الرئاسة الى الجامعة الاسلامية. حدث هذا قبل شباط من العام ,2005 اذ بعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومضاعفاته على الوضع العام انعدمت الاجتماعات وإن كانت الصلات لا تزال قائمة وإن محدودة. يقول حوري: ان ما اتفقنا عليه خلال لقاءاتنا هو عدم الدخول في الجدل العقائدي، لانه لن يقود الى اي نتيجة، ان لم يكن الى نتائج عكسية، لكن اتفقنا على التعاون في الامور التالية: أولا التصدي للهجمة اللاأخلاقية التي تتعرض لها مجتمعاتنا، وهذه تستهدف كل المجتمع اللبناني، لا فرق في ذلك بين طائفة وأخرى. واستشعارا بخطورتها عقدنا مؤتمراً حول القيم في التربية والاعلام في الاونيسكو العام .1998 بالطبع كان المشاركون هم من مختلف الاطراف والطوائف، وكان بينهم محاضرون من رجال الدين والعلمانيين. وقد نبه المؤتمر الى خطورة ما يتعرض له المجتمع في الاعلام المرئي خصوصا من تفلت وتسليع للمرأة واستغلال لجسدها. ثانيا هذا هو الاهم وهو تبادل الزيارات ليس كمسؤولين عن الكليات، بل ان نأخذ الطلاب الى عند بعضهم البعض للتعرف الى ما يحملونه من أفكار. وقد عقد لقاء في معهد القديس بولس حريصا، وثان في روح القدس الكسليك، وثالث في الجامعة الاسلامية خلدة، ورابع في كليتنا وغيرها.. كان الهدف من تنظيم اللقاءات هو ان هؤلاء الذين سيجتمعون هم من سيتسلمون المسؤوليات في الكنائس والمساجد والاديرة والمدارس مستقبلا، ما يتيح لهم التعارف ليس الفكري بل الشخصي ايضا. وقد نتج عن هذه اللقاءات قيام اتحاد طلبة الكليات الدينية، وان لم يصل الى مرحلة الاعتراف الرسمي به. يقدم حوري مثل هذا النشاط بأنه ساعد على كسر الجليد والخوف من الآخر، وأدى الى تفاهم متبادل. ايضا مؤخراً كان هناك لقاء في الجامعة اليسوعية لمناسبة مرور ثلاثين عاما على المجمع الفاتيكاني الثاني الذي اطلق الانفتاح على الديانات الاخرى. وكان على منصة الحديث: ماروني، ارثوذكسي، بروتستانتي وشيعي وسني. حوار... وحوار يفتح لقاء الجامعة اليسوعية على موضوع الحوار، ويصف حوري الحوار الذي يشهده لبنان بأنه يتم على مستويين. احدهما وهو الذي اطلقته الدولة اللبنانية ويصفه بأنه عملية تكاذب سياسي . اما الحوار الذي ندعو إليه فهو الذي يجب ان يستمر، وقد تطور بطريقة وأخرى. يضيف: نحن لا نردد تعابير من نوع العيش المشترك وما شابه. نحن نقول اننا في بلد واحد، وواجبنا هو ان نعرف بعضنا بعضا كأشخاص والأهم ان نعرف بعضنا كأفكار ايضا. هناك لقاء على مستوى المرحلة الثانوية التعليمية بين مقاصد بيروت من جهة ومدرسة مار يوسف عينطورة من جهة ثانية. يأتي الطلاب ويمضون يوما كاملا مع زملائهم. بدأ التعارف اولا بين الطلاب ثم امتد الى الأهل. دخلت المدرسة المركزية في جونية في المشروع، وكان هناك حديث مع المدرسة العاملية للانضمام، جاءت الاحداث الاخيرة لتحول دون ذلك. هذا اللقاء انحصر بطلاب الصف الثاني الثانوي، وهناك لقاء من نوع آخر هو الذي اطلقه لقاء الاثنين في كسروان عندما دعا هيئات اسلامية ومسيحية الى افطار رمضاني استضافته مدرسة عينطورة وهو مستمر منذ اربع سنوات. ستقول ان هذه اشياء بسيطة، لكنها محاولة لايجاد نوع من الصلات والجسور. نحن بدورنا وعلى الصعيد الجامعي نتبادل المعرفة والتقارب. صحيح ان لقاء الكليات الدينية متوقف الآن، لكن نحن في كلية الإمام الأوزاعي نفتح ابواب مكتبتنا ومن دون تردد امام طلاب الكليات المماثلة. مثلا طالبة من جامعة الروح القدس الكسليك تعمل على الفن الديني في الاسلام، معظم مصادر أطروحتها حصلت عليها من مكتبتنا. مقابل ذلك طلاب من كليتنا يعملون على العقائد المسيحية يلجأون الى كليات اللاهوت في الجامعات الروح القدس واليسوعية والحكمة والانطونية وجميعها تقدم لهم التسهيلات المطلوبة. نحن نرى في هذه العلاقات أمرا طبيعيا، إذ ان الطالب المسيحي الذي يعمل على موضوعات اسلامية بديهي ان يتكلف او يكلف جامعته عبء الحصول على المراجع المتوفرة لدينا. والعكس بالعكس... أظن ان علاقات علمية وشخصية من هذا النحو هي التي تبقى وتستمر، خلافا لخطب وبيانات العيش المشترك الفارغة. ينفي حوري ان تكون كلية الإمام الأوزاعي تخرّج مشايخ، اذ ان برامج الكلية تنقسم الى ثلاثة اقسام: العلوم الدينية حتى الليسانس. العلوم المساعدة وهي هنا التاريخ واللغة العربية والجغرافيا. وثالثا علوم الحياة المعاصرة بما هي اقتصاد وإعلام وتنمية وسياسة وغيرها. وبالنسبة للدراسات العليا بعد مرحلة الليسانس نحن نأخذ من حملة كل التخصصات، اعلاميين، اطباء، مهندسين، وندخلهم في كل المجالات. المسألة بعد المرحلة الجامعية هي مرحلة عبء. هذا هو نظامنا المعتمد، ويشمل الدراسات الدينية، وباعتبارها تدخل في نطاق التخصص فالدولة لم تمرر لغيرنا هذا الامتياز وهو لمصلحة طلابنا بالتأكيد. تنظيم وفوضى يصف حوري علاقة الكلية بدار الفتوى بأنها لا جيدة ولا سيئة . والتعبير وان كان لا يحمل طابعا سلبيا فإنه لا يحمل معنى ايجابيا ايضا. يروى ان المفتي محمد رشيد قباني دعا الى لقاء للكليات التي تدرس الشريعة تبعا للمذهب السني، وخلال اللقاء كان السؤال الذي طرحه هو ماذا افعل بالخريجين. الجميع يرد بأن الخريج مسؤول عن نفسه، ربما كان في قصد المفتي انه يريد توظيف الناس وهذا لا مكنة لاحد به مهما كانت مقدراته. الامر الثاني الذي طرحه يتعلق بإشكالية معينة، وقد ارسلت له رسالة عرضت فيها عليه المساعدة الادارية والمالية. وكان معي عندما التقيته كل من د. حسان حلاق ود. محمد منير سعد الدين وذكرت له انني جاهز للمساعدة بقيمة مئة مليون ليرة. ثم اقترح علينا عقد اجتماع ثان لدراسة الموضوع وحدد موعداً، ولكنا لم نلتق ثانية. يتابع حوري قائلا: عندما نظمنا لقاء رابطة الجامعات الاسلامية في بيروت تم الافتتاح في دار الفتوى، وألقى المفتي كلمة هامة. نحن لا يمكن ان نتجاهل هذه الدار ودورها. مشكلتنا ان المؤسسات السنية التعليمية متفاهمة وإن كان ضمن حدود. حاول الرئيس الراحل صائب سلام ان يجمع القطاع التربوي السني في اطار واحد. ورفضنا بطبيعة الحال، لانك كيف تجمع جامعة بيروت العربية مثلا ولديها مئات الاساتذة وألوف الطلاب في الدراسة الجامعية والعليا مع مدرسة ابتدائية. ايضا كلية الإمام الأوزاعي تمثل اكثر من نصف طلاب الدراسات العليا الاسلامية كيف ستكون على سوية مع مدرسة متوسطة ام ثانوية عدد طلابها بالعشرات. رغم ما ذكر لم نقفل نحن الباب يوما. عندما طرح موضوع التعليم الديني دعونا كل المؤسسات التربوية السنية الى لقاء لوضع منهاج عام للتربية الاسلامية للمرحلتين الاساسية والثانوية في لبنان. كان ذلك في العام ,1998 قبلها قمنا بإجراء دورة تأهيلية لمعلمي بعض المدارس الابتدائية الخاصة الاسلامية. اللقاء المذكور ادى الى صدور توصيات ثم اتبعه باجتماعات متلاحقة للجنة مكلفة من اللقاء. وقد نجحت اللجنة بتحديد اهداف لمرحلة التعليمين الاساسي والثانوي. وقد تولى رئيس الوحدة التربوية في الكلية د. محمد منير سعد الدين صياغة الأسس والمنطلقات والعناصر والمعايير والاهداف العامة والخاصة للمنهاج، كما ان سلسلة من الكتب صدرت عن المكتبة العصرية في صيدا اشرف عليها د. عبد الرحمن حجازي، وكذلك اصدرت جماعة عبد الرحمن سلسلة كتب بإشراف رئيس صندوق الزكاة في دار الفتوى الراحل د. مروان قباني ومحمد حلبي. المؤسسات التي شاركت في اللقاء واللجان، اضافة الى الكلية، هي: المعهد العالي للدراسات الاسلامية جمعية المقاصد، معهد طرابلس الجامعي للدراسات الاسلامية، جمعية المقاصد دوائر الاوقاف والامناء في طرابلس والبقاع وصيدا وجبل لبنان ورئاسة المحاكم الشرعية وكلية الدعوة الاسلامية والعديد من الجمعيات والمدارس والمؤسسات التربوية في كل المحافظات اللبنانية. والمنهاج الذي يتحدث عنه حوري يتألف من خمسين صفحة يتناول الاسس العامة وتتضمن: الاساس العقدي، المعرفي، النفسي، الاجتماعي، المنطلقات، العناصر، المحتوى، الوسائل والاساليب، القياس والتقويم، المعايير المعرفية، الاهداف العامة، الاهداف الخاصة. اضافة الى محاور حول تلاوة القرآن وتفسيره والعقيدة والفقه والعبادات والمعاملات والسيرة النبوية والاعلام والمسلمين والاخلاق والتهذيب والحديث النبوي و... أساتذة وطلاب يبلغ عدد اساتذة كلية الإمام الأوزاعي 24 استاذا جامعيا يحملون جميعا درجة الدكتوراه. اما عدد الطلاب، فبموجب احصاءات العام 2006 فقد بلغ عددهم 3039 طالبا منهم 1109 طلاب وطالبات من اللبنانيين و1930 طالبا غير لبنانيين، في مراحل الليسانس والماجستير والدكتوراه. اما عدد خريجي الكلية فقد بلغ حتى العام 2005 ما مجموعه 736 طالبا، منهم 468 باجازة جامعية و192 بشهادة الماجستير و76 بشهادة الدكتوراه. مواد الدراسة تتنوع مواد الدراسة في غضون سنوات الدراسة في الكلية وتتركز حول محورين يتناولان العلوم الدينية والزمنية. وتبعا للسنوات تتحدد المواد على الشكل التالي: السنة الاولى: القرآن الكريم (مدارس التفسير واتجاهاتها)، الحديث (علوم الحديث وأحاديث العبادات) العقيدة الاسلامية (اصول الدين الاسلامي)، الفقه (احكام العبادات)، اللغة العربية، الأدب العربي (عصر النبوة وخلافة الراشدين)، التاريخ الاسلامي (السيرة النبوية والخلافة الراشدة، الجهاد الاسلامي وتاريخه)، الاخلاق، اللغة الاوروبية. السنة الثانية: القرآن الكريم (علوم القرآن)، الحديث الشريف (علوم الحديث وأحاديث المعلومات)، العقيدة الاسلامية (الفرق الاسلامية)، الفقه (احكام المعاملات)، اللغة العربية (البلاغة)، التاريخ الاسلامي (العصر الاموي والعباسي والدويلات)، التصوف، المكتبة الاسلامية وأصول البحث العلمي، النظم السياسية وجغرافية العالم الاسلامي. السنة الثالثة: القرآن الكريم (آيات الاحكام)، الحديث الشريف (علوم الحديث احاديث احكام الاسرة) تاريخ الاديان (العقائد الدينية عند غير المسلمين في ضوء الاسلام)، الفقه (الاحوال الشخصية)، اصول الفقه (المدخل ومصادر التشريع)، اللغة العربية (تحليل نصوص)، التاريخ الاسلامي (العصر العثماني)، الحضارة الاسلامية، النظم الاقتصادية واللغة الاسلامية. السنة الرابعة: الفقه المقارن، اصول الفقه (مباحث الحكم وقواعد استنباط الاحكام)، حاضر العالم الاسلامي، الفكر الاسلامي الحديث، الاستشراق والتبشير، الحركات الباطنية والسرية، نظرية الاعلام ووسائل التخلف والتنمية، تاريخ التربية عند المسلمين، طرائق تدريس اللغة العربية والتنمية الاسلامية. هذا بالطبع بالنسبة للدراسة الجامعية اما رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه فإنها تختلف اذ تخضع للمعايير الاكاديمية لنيل هذه الشهادات باعتبارها تنتهي بطبيعة الحال بنص يناقش امام لجنة من الاساتذة تمنح على اساس نتائجه الشهادة للطالب.