بقيت التوصيفات التي أطلقت في تعميم معنى القبح كقيمة فنية وجمالية مشروعة، توصيفات ناقصة ومستهدفة في كثير من الأحيان، ورغم ذلك قدمت باعتبارها مدخلاً إلى مساحات لم تكن في حساب التطور التشكيلي الذي صيغ في القرون الوسطى تحت سقف الكنيسة وعين البابوية اليقظة، وأطرته في ما بعد الذائقة البرجوازية التي لم تعتد هذا الانقلاب الحرج في المفهوم الاعتيادي للوحة. للوهلة الأولى يبدو الامر مرتبطا ارتباطا حتميا بظهور التيارات التحريفية بأشكال الفن بداية القرن الثامن عشر انطلاقاً من أوروبا، وتحديداً فرنسا حيث تبلورت في ما بعد وتسربت إلى معظم أرجاء العالم وكانت إحدى صور التغيير الحاصل في البنية الثقافية عموما. لكن بالنظر إلى التجارب المضافة على خط الاكتشاف البصري يبدو الأمر أبعد من ذلك بكثير، تلك التجارب التي ذهبت باللوحة إلى تحقيق شكل من أشكال القطيعة مع المفاهيم الجمالية التي أسست لها عهود الباروك وأعيد ترتيبها بفضل الأبحاث اللونية لبيكاسو وماتيس وميرو وكاندينسكي إضافة إلى الانطباعيين الفرنسيين ممثلين بمونيه ورينوار وغيرهم. ضمن سياق هذا الفهم، الذي يجد له مرجعيات أكيدة وصارمة في أبحاث فرنسيس بيكون وايغون شيلي في وقت قريب، لمعت تجربة التشكيلي سبهان آدم الذي يشكل حالة نافرة وذات خصوصية في التشكيل السوري لعقد ما بعد التسعينيات، وأحد أهم فناني ما بعد الحداثة، بحسب تعبير مجلة canvass الفرنسية. آدم الذي استضافته باريس لهذا الموسم في أربعة معارض متزامنة في (مركز أندريه مالرو، ايدي دارتسيت، كابيني روي، وفا بريك) وتتمحور جميعها حول صياغات عابثة في الأسود والذهبي ، حيث يؤكد آدم مرة أخرى احترافه لغة الانتشار، تبعا لأجندة فنية طويلة، قادته إلى لبنان ومدريد وروما ونيويورك وحاليا في باريس. وتذهب بمجملها إلى ترجمة فهم مربك وصادم في التعامل مع اللون والقماش وفضاء العمل. في المجموعة الفنية الأخيرة يعود آدم للعمل عبر مساحة هائلة من التشويه، والإحالات البصرية المتداخلة والسديمية في آن معا... حيث يقف مدججا برؤية قاتمة ترتبط بأوصالها بمسرحة الألم والخوف والرهاب الذي يعانيه باستمرار. ومع كل الوقائع التي خضعت للمصادفة ونسجت حياته التشكيلية وفق علامات فارقة، توزعت في ذهنه الفوضوي، وارتجالاته اللونية العابثة. يؤكد سبهان آدم أن تكويناته البشرية السابحة في تضاد معتم، تتشكل في لحظة المصادمة مع الذات، وهي ذات علاقة مباشرة بالتراكم النفسي والمعرفي لديه، لكنه يتوارى خلف سواتر سوداوية مباشرة، وتحرير حقيقي لنزقه الريفي الذي يتواصل معه بنسيج متشعب من الوشائج التي يحاول على الدوام الوصول بها إلى الذروة للقذف بها دفعة واحدة على السطح الأبيض، وذلك وفق مزيج تركيبي من الصياغات اللونية، وتكثيف هائل من البورتريهات المشوهة والمغسولة بالخوف والشلل الذهني، والإعاقات الجسدية الكثيرة، ولا سيما أن غالب أعماله تمتد على مساحات كبيرة، وهي مشغولة بمعظمها على قماش غير مثبت، وبتقنيات منوعة ترتكز بشكل أساسي على الإكريليك إضافة إلى مواد أخرى. آدم الذي يعتبر استنادا إلى بياناته اللونية في العاصمة الفرنسية باريس أن رؤيته للفن تتبنى تهديم الموروث الجمالي والدوغمات الكلاسيكية، وخلق نتاج يعمد إلى إعادة ترتيب أدوات الفهم التشكيلي في مناخات الرؤية الحديثة، وإنتاج فن يضيف ويؤثر ويعيد صياغة المعرفة الذهنية والشمولية للفن . ولذلك فإن الفن المستجد في القرن الواحد والعشرين سيكون فن التجاوز وأن الفنان يجب أن يكون ثائرا متفردا ذا خصوصية ترتسم ضمن هذا التجاوز. المعنى ذاته الذي يشير إليه اسعد عرابي في قراءته لتجربة آدم الأخيرة وذلك بقوله: تعانق أعمال سبهان في عروضه الباريسية حشوداً وجماهير من المسوخ البشرية تستعيد انسحاقات الإنسان في شتى مراحله النفسية. وتتخلص أشكاله وعناصره الاعتيادية من سجنها المحلي لتختنق في زنزانة الوجود العبثي كأن الفضاء الدرامي على رحابته حبيس قمقم من القمع والضجيج الروحي وقد تقتصر موضوعاته على كائن وحيد مختوم بحبال الشمع المؤسساتي الأحمر كما هي صور كائناته المعلقة من أقدامها وهواجسه اللونية التي تأخذ في غالب أعماله منحى كابوسيا مفزعا . (باريس)