أثناء وجودي في مونتريال ربيع عام 2007 فوجئت بفيلم روائي تعرضه أحدى قنوات التلفزيون الكندية يتناول قضية الهجرة اللبنانية إلى كندا اسمه من نافذتي، من دون بيتي ، من خلال قصة فتاة تركتها أمها في لبنان حين كانت في السابعة عشرة من عمرها بعد افتراقها عن زوجها والد الإبنة المذكورة، وقيام الأم المهاجرة بعد وفاة والد الفتاة بدعوة ابنتها هذه للإقامة لديها في كندا لمدة ثلاثة أسابيع وما رشح عن تلك الزيارات من تناقضات وتفاعلات بين محاسن الهجرة إلى كندا ومساوئها عبر مصير الفرد ومستقبله وتعارض ذلك مع التمسك بالجذور. والجميل في هذا الفيلم ليس قيمته الفنية والجمالية، وهو فيلم غني وممتع وعميق، ولكن الأهم بالنسبة لي كان أن مخرجة الفيلم هي اللبنانية ماريان زحيل ابنة شقيق الصديق المرحوم فؤاد زحيل. والأجمل أكثر أن الفيلم المذكور مهدى لفؤاد زحيل وفقاً لما تشير إليه مقدمة الفيلم. هذا الإنسان الذي غاب عن عالمنا إلى الأبد منذ سبع سنوات تقريباً عن عمر ناهز سبعة وخمسين عاماً وكان ما يزال في عز عطائه قد لعب دوراً وإن كان غير ظاهر في حياة من عرفوه. ولمن لا يعرف هذا الرجل الذي سماه كريم مروة المثقف الشفهي هو شخص مر مروراً سريعاً في هذه الحياة، إلا أنه ترك أثراً لدى كل عارفيه في هذا المشوار السريع: أولاً بسبب تمكنه من القضاء على ذاتيته كلياً ونهائياً لأن حب الناس استغرقه لدرجة نسي معها أنانيته إلى درجة بعيدة حتى أصبح هو نفسه العطاء بحد ذاته، لا يطلب من الدنيا شيئاً ولا من أسبابها بشيء. وثانياً رفضه القاطع والمبرم للظلم، الأمر الذي جعله يحرص في حساسية مفرطة أن لا يكون في علاقاته ما يشي بعدم التوازن في تلك العلاقات، الأمر الذي أدى به إلى ظلم نفسه. وثالثاً إيمانه بالعلم إلى الحد الذي أوصله إلى الاشتراكية التي لم يتخل عنها طيلة حياته بالرغم من قناعته، على صعيد التطبيق، أن قادة الأحزاب في العالم الاشتراكي قد غادروا منذ وقت بعيد العلم بالرغم من تبجحهم الدائم بالاشتراكية العلمية. [[[ تعود علاقتي بفؤاد زحيل إلى أوائل الستينات من القرن الماضي حيث قادتني معرفته ومعرفة مجموعة من الأصدقاء من اليكو بيضا وألبير نقاش وسليم تركية إلى الفكر الماركسي. كان لقاؤنا أنا ابن طريق الجديدة ، وهو ابن الاشرفية طريفاً، فأنا ابن عائلة مسلمة متوسطة لا تتجاوز حدود آفاقها عالم الشرق، وهو ابن عائلة كاثوليكية تنتمي للبورجوازية الكبيرة التي فقدت نفوذها المالي لكنها لم تفقد حضورها الاجتماعي ومستواها الثقافي المرموق، وكانت منفتحة على آفاق أبعد مستوى حتى أنها كادت تنسى أنها تعيش في الشرق. إضافة إلى ذلك فإن ثقافتي كانت عربية بامتياز في حين أن ثقافته كانت غربية، وكان إتقانه للغة الفرنسية لافتاً. الموسوعي كنا ننتمي إلى عالمين يعيشان قرب بعض جغرافياً ولكنهما بعيدان عن بعض وجدانياً، فحاولنا أن نغتذي من بعض ليتقارب عالمانا. إلا أنني اعترف بأنني أخذت منه أكثر مما أعطيته، وأعتقد أن انتماءنا إلى الفكر الماركسي آنئذ جعل كلاً منا لا يرفض فقط الوسط الذي يعيش فيه هو بل أيضاً الذي يعيش فيه الآخر، وأوجدنا في أحلامنا عالماً جميلاً لا ضغينة ولا تمييز فيه، عالماً عادلاً ظننا أن بإمكاننا تحقيقه ولم نستطع. وقد بهرني فؤاد زحيل بإطلاعه الموسوعي على عوالم الفكر والأدب والفن والتاريخ والاقتصاد والسياسة دون أن تكون موسوعيته سبباً لأن تكون تلك المعرفة محدودة على قياس من كل نهر نقطة، فقد كان يعرف كل نهر في مسراه ومجراه، في سطحه وأعماقه وكنوزه. وكان فؤاد يعطي بلا حدود، ليس فقط من ماله بل أيضاً من فكره ومعارفه. حدثته يوماً عن رغبتي في كتابة مسرحية تتناول الحرب الأهلية الاسبانية ما بين عامي 1936 1939 فما كان منه إلا أن عاد من سفرة إلى أوروبا يحمل معه مجموعة مراجع حول الحرب المذكورة دون أن أطلبها منه لا بصورة مباشرة ولا غير مباشرة. ليس هذا فحسب بل أننا قضينا سهرة جميلة مع زوجتي هناء تحدث فيها عن الحرب الأهلية المذكورة، دون أن ينسى انتقاداته لها خصوصاً لجهة التناقضات المؤسفة بين الفوضويين والشيوعيين والتي أرخت ظلاً سيئاً على تلك الحرب وأثرت حتماً في نتائجها. وقد تناول هذا الموضوع في ما بعد المخرج الإنكليزي كين لوتش في أحد أفلامه. في أحدى المرات دخل إلى بيتي حاملاً معه مجموعة من تماثيل العاج رماها بين يدي وطلب إلي أن أضعها في بيتي. وحين سألته عن مصدرها أجابني بنبرة كلها ثقة: أنها من بيتي الذي لم أعد بحاجة إليه وقد تخلصت من كثير من أغراضه، وأعتقد أن المكان الطبيعي لهذه التماثيل هي في بيتك. وهذه التماثيل ما تزال موجودة في بيتي تذكرني بهذا الأستاذ الجميل خلقاً وصفات. من جهة أخرى علمت من مصادر ثقة (وليس من فؤاد) أنه ساعد المرحوم حسين مروة في مؤلفه الهام الحركات المادية في الإسلام ، الذي أعده أثناء إقامته في موسكو، عن طريق المناقشة والحوار معه حول مختلف القضايا التي يتناولها المؤلف المذكور، وكثيراً ما كان يحضر للمرحوم حسين مروة المراجع تلو المراجع من فرنسا ولبنان ليضعها في متناوله، وكان يترجم له البعض إذا احتاج إلى ترجمتها من لغة لا يعرفها الدكتور مروة. وخلال عام 1975 تسنى لي أن أشارك فؤاد زحيل المهندس الفذ نوبار مارتايان في العمل على إقامة عديد من المشاريع الصناعية في المنطقة العربية وفي أفريقيا السوداء، وكان فؤاد قد اتخذ مكتباً له في باريس في منطقة St Mande قريباً من Vincenne0 وقد عملت معه في المكتب المذكور خلال عام 1976 طوال ستة أشهر، وإلى هذه المرحلة من عملي يعود الفضل إلى فؤاد في توسيع أفق ممارستي مهنة المحاماة وتحويلي إلى محامي أعمال. على أن هذا التشارك مع فؤاد في الإطار العملي لم ينجح إلا في بعض المشاريع المحدودة، والسبب في ذلك عدم تمتعي وفؤاد بالأخلاقيات التي يجب أن يتحلى بها الوسيط ، لأن هذا الأخير يفترض أن يعمل لإقناع العميل حتى لو حاد شيئاً عن الحقيقة أما فؤاد أو نوبار أو أنا فلم يكن بإمكاننا ذلك. في أحدى المرات وكان ذلك في أواخر سبعينات القرن الماضي اجتمعت وإياه مع أحد كبار رجال الأعمال اليونانيين وقد تصادف أنه مناضل شيوعي ورجل أعمال، وكان ابن شقيق أمين عام الحزب الشيوعي اليوناني آنئذ فلوراكيس. في معرض حديث كل منا عن تجربته في العمل السياسي قال لنا فلوراكيس أنه قد قضى في المعتقلات اليونانية خمسة عشر عاماً وسألني وفؤاد عن السنوات التي قضيناها في السجن فلم نحر جوابا، إذ كانت تجربة كل منا السياسية قد تمت في ظروف هادئة لم تستوجب سجن أحد منا ولا يوماً واحدا، فشعرت بالخجل بعض الشيء إلا أن فؤاد قال لي أن لا أخجل من ذلك، فالتجربة السياسية لكل شخص لا تقاس بعدد السنين التي قضاها في السجن بل بما قدمه لمجتمعه. وقد اشتغلنا مرة أنا وفؤاد سوياً مع الصديق المهندس سعد حجال على مشروع هام هو إنشاء مصنع للكربونات في أحدى الدول الخليجية (الكويت ). لقد كانت مادة الكربونات هذه تستخدم في كثير من الصناعات حتى أنها لم تعد بحق صناعة استراتيجية. كانت المواد الأولية لهذه الصناعة هي الرمل والملح إضافة إلى الطاقة، وهذه المواد كانت موجودة جميعها في الكويت وبأسعار بخسة، ولكن المصانع الأوروبية التي تصّنع الماكينات التي تنتج هذه المادة، اتفقت على ما يبدو أن ترفع أسعار هذه الماكينات بشكل مبالغ به لتمنع الدول الخليجية المنتجة للنفط من إنتاج هذه المادة لأن بإمكانها إنتاجها بشروط منافسة جداً قد تخرج المصانع الأوروبية المنتجة لها من السوق العالمية. وقد عملنا أنا وفؤاد وسعد حجال على محاولة تركيب هذا المصنع من مصادر متفرقة من روسيا وألمانيا بحيث يتم شراء الماكينات بأسعار مقبولة ومعقولة، وقمنا من أجل ذلك بزيارة لموسكو وبرلين، إلا أننا للأسف لم نفلح في إنشاء هذا المصنع لأسباب خارجة عن إرادتنا. ويشهد الله أن فكرة المشروع المذكور كانت من تخطيط فؤاد ولم يكن يهدف من وراءها تحقيق نجاحات مالية بقدر توجيه ضربة للتروستات الغربية. كاره الظلم على صعيد آخر فإن فؤاد زحيل كان رجلاً كارهاً للظلم، وأنا استميح فؤاد المعذرة منه وهو في مرقده أن أتحدث عن هذا الموضوع بدون حرج. فقد حظي فؤاد بوالدة من أنبل الأمهات وربة عائلة وسعت آفاق العائلة لديها وكانت لا ترى في حياتها غير الأشياء الجيدة عند الناس، أما أبوه فكان ذا طباع خاصة ونفسية حادة الأمر الذي جعله يقدم على ضرب زوجته كلما ألمت به مصيبة أو تعرض لأذى من آخرين. كان فؤاد الصغير يلمح ما تعاني منه والدته بصمت ولم يكن باستطاعته التدخل لصغر سنّه، واعتقد أنه حين أضحى مراهقاً اصطدم مع والده مراراً وكانت أمه تفصل بينهما. وفي هذا البيت شاهد فؤاد الظلم الذي حاق بوالدته التي لم تكن تألو جهداً في القيام بواجباتها كأم وكربة عائلة بل وقامت بأكثر من واجباتها، ورغم ذلك فإنها لم تحظ في حياتها إلا بظلم زوجها لها والتصرف معها بغلظة ووحشية. أثناء الحرب الأهلية حين كان البلد منقسماً تعذر على فؤاد الإقامة في بيته في الأشرفية، فسكن في بيتي في المنطقة الغربية من بيروت في شارع المزرعة، حيث خصصت له غرفة خاصة به إلى أن استطاع تأمين منزل خاص به بعد ذلك. في أحدى السهرات حضرت وإياه من على شاشة التلفزيون فيلم مارني لألفريد هتشكوك. في معرض الفيلم المذكور يبدو أن الفتاة مارني كانت تعاني من ضرب والدها لأمها، الأمر الذي انعكس على نفسيتها، وكانت تلك عقدة الفيلم. وأثناء عرض هذه المرحلة من الفيلم عنّ لي أن أسأل فؤاد سؤالاً ما فسألته إياه، إلا أنه لم يجب، فتطلعت إليه لأعرف سبب عدم جوابه لأرى الدموع تنهمر من عينيه انهماراً ووجهه أصبح محمراً من جراء تأثره، فآثرت الصمت وتركته يكمل الفيلم وحده. وفي صباح اليوم التالي لم يفاتح أي منا في ما حصل وكأن شيئاً لم يحدث. هل أسأت لعائلتك في قول ذلك يا فؤاد؟ هذا الظلم الذي رآه في بيته، رآه أيضاً في مجتمعه المترف مقارنة بباقي عناصر المجتمع اللبناني. لا أعتقد أن الظلم في المجتمع هو الذي حض فؤاد على التوجه نحو الاشتراكية، كما هو وضعي أنا. وأعتقد أن اعتقاد فؤاد العلمي وإيمانه بالعقل هو الذي قاده إلى ذلك. إلا أن الظلم والجور بقي بالنسبة له العدو الذي يجب العمل على قهره. ضحية جَوْرين كان يعتقد أن المرأة ضحية جورين، جور أهلها وزوجها وجور مجتمعها، وكان يرى أنه لا يمكن للزوج مهما كانت أفكاره سامية وسلوكه حصين إلا أن يظلم المرأة، وكأنه حكم على هذه الأنثى أن لا تذوق طعم العدل في حياتها سواء في بيت أهلها أم في بيتها الزوجي. كانت المرأة في تقديره تعمل داخل البيت وخارجه، في حين أن زوجها لا يعمل من حيث المبدأ إلا خارجه. وكان يعتبر أن المرأة تعاني في حملها في حين أن الرجل لا يتحمل أية مسؤولية في ذلك، كما كان يرى أن على المرأة عاقبة الاهتمام بزوجها عند مرضه وخصوصاً مرض الشيخوخة، في حين أن هذه المسؤولية لا تصيب الرجل إذا مرضت زوجته. من هنا فقد اتخذ فؤاد قراره بأن لا يتزوج، لأنه كان يعتقد بأنه لو تزوج لقام بظلم زوجته حتماً حتى لو لم يرد هو ذلك، فالمرأة بالنسبة إليه مظلومة حكماً. ومن خلال اطلاعي على بعض علاقات فؤاد أمكنني معرفة أن هناك عدداً من الفتيات ممن أحببنه كن يأملن لو كان نصيبهن أن يقتّرن بفؤاد لأنه كان يتصرف مع السيدات بلطف ولباقة وتهذيب وكأنه فارس من الفرسان من العصور الماضية ممن يعتبر صديقته أو حبيبته سيدة كل السيدات وأيقونة يجب حمايتها وعدم السماح بالمس بها. ليس هذا فقط بل إنني أعرف أن جميع زوجات أصدقائه، كن يحلمن أن يكون سلوك أزواجهن مماثل لسلوك فؤاد في تصرفه مع المرأة. وهكذا وبالرغم من كل عناصر الجذب في شخصية فؤاد فإنه قرر أن يظلم نفسه بالعيش وحيداً على أن لا يظلم رفيقة حياته المفترضة. ولولا أن قدر لفؤاد أن تحتضنه خالته التي كانت بمثابة أمه، وأولادها الذين كانوا بمثابة إخوته، لكانت نهايته بائسة. أما على صعيد المعرفة فقد كان إيمان فؤاد بالعلم كبيراً. فهو لم يأت إلى الاشتراكية إلا لأنها نظرية علمية قوامها المنطق. لم يكن أحد لديه مقدسا، لا ماركس ولا انجلز ولا لينين ولا الاشتراكية. كان المقدس لديه العلم والمنطق، وكان إيمانه بالمنطق لأنه نتاج للعلم. وكما أشرت في مقدمة هذا المقال فإن فؤاد كان يعتقد أن الأحزاب الشيوعية الحاكمة في بلدان المعسكر الاشتراكي قد غادرت العلم منذ زمن. وحين انهار المعسكر الاشتراكي لم يفاجأ بما حدث، واعتبر ذلك نتيجة طبيعية لما كان يحدث في هذه البلاد من هجران للعلم، إلا أنه ظل على إيمانه بالاشتراكية لأنه كان يؤكد على طابعها العلمي. في أحدى المرات قرأت له قصيدة أبي العلاء المعري التي يعبر فيها عن تقديسه للعقل فكان كثيراً ما يطلب مني أن أكررها عليه، حتى كادت أن تطربه. كذب الظن لا إمام سوى العقل مشيراً في صبحه والمساء وهكذا بقي حتى آخر يوم من عمره يؤمن بالاشتراكية، ليس لأنها تؤدي إلى إقامة مجتمع عادل مع أنه كان إنسانياً ويهمه المجتمع العادل، ولكن لأنه كان ينظر إلى الاشتراكية باعتبارها نتيجة معادلة رياضية لا مجال لنتيجة غيرها، إلا أنها ليست تلك التي جرى تطبيقها في جميع الدول الاشتراكية قاطبة، كما أشرنا، لأنه كان يرى أن تلك الاشتراكية كانت عبارة عن مسألة رياضية جرى حلها بطريقة خاطئة، وهي بالتالي لا تعتبر علمية. حب الحياة بقيت إشارتان، الأولى أن فؤاد بالرغم من موقفه المتضامن مع الطبقات الفقيرة، إلا أنه كان يحب العيش المترف فالسيكار لم يكن يسقط من يده، وكانت خبرته في النبيذ الجيد لافتة وكانت قناني الكونياك XO ضرورة يومية لديه، أما عن المآكل فكان ينتقي أفخرها ويتلذذ بأكلها وشمها ورؤيتها على حد قول الشاعر أبي نواس: ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ولا تسقني سراً اذا أمكن الجهر أما الشيء الثاني فإن بعض أصدقائه ممن عرفوا فؤاد وأحبوه، وأنا منهم، قاموا بعدما واروه الثرى بالتوجه إلى أحد المطاعم الفخمة وأكلوا هنيئاً وشربوا مريئاً في يوم وفاته تحية له كإنسان كان يحب الحياة. لقد طال الفراق كثيراً يا فؤاد.