لقد أصبح شائعاً بالنسبة لأصدقاء الفلسطينيين وخصومهم، على حد سواء، التنديد بما يشيرون إليه على أنه اقتتال فلسطيني داخلي، حتى أن بعضهم ذهب إلى حد تسميته بالحرب الأهلية حيث تحمّل مختلف التعليقات، حركتي حماس وفتح، المسؤولية. في هذا العصر المبارك من الشرق الأوسط الجديد استُقدِمت لنا كياسة الصدقات الأميركية والحماسة للديموقراطية، وتم التلاعب بنا من قبل آلات الحبك والنسج لكي نصدّق بأن الحروب الأهلية تندلع عفوياً في العراق ولبنان والصومال وحالياً في فلسطين. أي دليل إضافي نحتاج إليه بأننا همجيون بدائيون غير متمدنين ونحتاج إلى عصا غليظة من هذا النوع: محتلون غربيون متمدنون لكي يبعدونا عن بعضنا البعض؟ لأجل ذلك لن ينتهي الاحتلال الأميركي للعراق، خشية انفجار حرب أهلية ضروس ، ولذلك يقول بعض الإسرائيليين أنه وحدها إعادة احتلال غزة قد ترمم السلام . بالتركيز على الحلبة الفلسطينية، وعلى الرغم من انتقادي الشديد لحماس، يتوجب عليّ أن أعلن، بشكل لا لبس فيه، أني لا أعتبر أن كليهما حماس وفتح مذنبتان بالتساوي. إضافة إلى ذلك، لا بد أن يُقال بأن ما يجري حالياً ليس فقط حرباً أهلية، ولكن أيضاً ليس قتالاً فلسطينياً بين فتح وحماس. في الواقع، بات جلياً في الوقت الراهن أن فصيلاً داخل فتح، حسبما صوّره سيء السمعة (محمد) دحلان، وبإذعان من قبل الأضحوكة (محمود) عباس، يقود جهداً من طراز كونترا (نسبة إلى متمردي الكونترا الذين دعمتهم واشنطن ضد حكم السانديين في نيكاراغوا)، من أجل فرض سلطة الرعب و الدولة البوليسية على الفلسطينيين، وإرغامهم على قبول تسوية تروق لإسرائيل، ومن أجل وضع حد ملموس لأي معارضة محتملة. وليس من قبيل المصادفة أن يكون العقل المدبّر لمثل هذه الخطة هو اليوت ابرامز، صاحب الخبرة الأميركية المركزية في الإطاحة بالحكومات، وتسليح فرق الموت وقوات الكونترا وتمويلها، وإطلاق حملات الاغتيالات والرعب. لقد وضع ابرامز خطة مماثلة للفلسطينيين، وقد خصص لها الكونغرس الأميركي التمويل اللازم. خلافاً لاتفاق ايران كونترا، هذه الخطة ليست سراً وقرأنا عن تفاصيلها في الصحف. ونحن نعلم أن الكونغرس خصص لها 84 مليون دولار على الأقل. ونعلم أيضاً أن الولايات المتحدة تدرّب، بشكل علني، وبمساعدة النظامين التابعين لها في الأردن ومصر، الكونترا الفلسطينيين، حتى أننا نعلم أين يتم تدريبهم!! غير أن المفاجأة الحقيقية كانت أن مختلف المجموعات الفلسطينية لم تكن مستعدة لهذه الخطة، عندما كشفت تفاصيلها. حتى أن الشارع الفلسطيني لم يكن راضياً عن كل ذلك، كما لو أن هذه الخطة لا تعنيهم. بالطبع كان هدف الحصار والبطون الفارغة هو الحد من معارضة الخطة. ومع ذلك ارتفعت بعض الأصوات الفلسطينية، حتى في الشتات، وبدأت سحابة ما تتكثف حول ما كان يخطط له، بالرغم من أن أياً من ذلك لم يكن سرياً. وبدا كما لو أن الفلسطينيين لم يريدوا أن يواجهوا حقيقة أن في صفوفهم، مثل أي شعب آخر، ثمة من يعمل ضد مصالحهم، ويعمل حالياً لمصالح الأميركيين والإسرائيليين. وما يجري حالياً هو أن يوسائيل (الولايات المتحدة وإسرائيل) أصدرت أمرها لفصيل كونترا الفلسطينيين لتنفيذ هذه الخطة بالقوة. وقرأنا في صحيفة هآرتس ، على سبيل المثال، عن خطة كونداليسا (رايس) التي تضمّنت تواريخ دقيقة للتنفيذ، والتي وافق عليها عباس خلال 24 ساعة. ونعلم أيضاً أن جزءاً من الخطة يطالب دحلان بالخضوع وبتنفيذ خطة من أجل نزع سلاح المقاومة ووقف إطلاق الصواريخ من غزة. والمهلة النهائية لتنفيذ خطة الأمن تلك هي في 21 حزيران المقبل، بعد أقل من شهر. وليس واضحاً حالياً لمَ تم نشر ما يسمى ب الحرس الرئاسي شمالي غزة وشرقها؟ وليس واضحاً حالياً لمَ سُمح بمرور نحو 500 عنصر من لواء بدر الفلسطيني، الذي تأسس وتدرب في الأردن، عبر معبر رفح (المغلق أمام المدنيين الفلسطينيين في معظم الأوقات) من مصر؟ وليس واضحاً لمَ تم إرسال شحنات ضخمة من الأسلحة عبر الأردن ومصر لأيدي الكونترا الفلسطينيين؟ مع كل انتقاداتي لحركة حماس، إنها القوة الأساسية الوحيدة التي تقف أمام الكونترا وخططهم القاتمة. وهذا الحد جدير بأن يحظى بتقديرنا. وفي حال نجح الكونترا في سحق حماس، لن يتبقى هناك أية مقاومة وستتم تصفية حقوق الفلسطينيين. ذلك ما تنتظره جميع الأنظمة العربية التابعة من اجل تطبيع العلاقات مع إسرائيل، على أنقاض الفلسطينيين، باستخدام ورقة خطة السلام . بعد معرفة كل هذه الأبعاد المشؤومة حول ما خُطط له وما يتم تنفيذه، يصبح من غير المعقول لأي فلسطيني أن يلوم كلا الطرفين، بالتساوي، وأن يصف ما يجري بأنه صراع على السلطة. فالصورة واضحة وعلى جميع الفلسطينيين أن يكشفوا الكونترا في أوساطهم وأن يواجهوهم. (عن موقع الباليستينيان بانديت المتخصص بالسياسات الفلسطينية)