من يصنع رجل الدين في لبنان؟ وكيف تتم صناعته بحيث يصبح مؤهلا للقيام بالادوار التي عليه القيام بها مثل الوعظ والارشاد وإقامة الصلوات وعقود الزواج والطلاق وتقسيم الارث وإقامة مراسيم الجنازات و..؟ أسئلة كثيرة تتناول المؤسسات التي تتولى هذه المهمة. بالطبع قد لا تبدو هذه المعاهد أو حتى الجامعات بمثابة أسرار خصوصا لدى أبناء الطائفة، لكنها بالنسبة ل الآخرين أشبه ما تكون بمثابة عالم مغلق، خصوصا ان في لبنان 18 طائفة معترفا بها؟ كيف قامت هذه المؤسسات ومن أقامها وزين تقع وكيف هو نظام التعليم فيها وما هي المؤهلات التي يجب أن يحصل عليها الطالب ليصبح رجل دين في ملته أو طائفته؟ والاسئلة لا تتوقف هنا بل تتلاحق لتتجاوز ذلك كله الى العلاقات بين المؤسسات التعليمية داخل الطائفتين الاسلامية والمسيحية ولدى كل من المذاهب التي يتشكل منها الاجتماع اللبناني على الصعيد العقائدي. ولرجل الدين دور محوري في حياة اللبنانيين، خصوصا أن قوانين الاحوال الشخصية تحكم وتتحكم بالمواطن من المهد الى اللحد. لكن المفارقات ليست هنا بل في مكان آخر هو بالتحديد وضع وطبيعة مؤسسات التعليم الديني، علما اننا لم نقارب التعليم الديني في المدارس الرسمية والخاصة وان كانت تمت عملية المرور عليه في غضون الحديث عن الاعداد الذي تتولاه المؤسسات المذكورة. وهنا نشير الى تعدد المفارقات حول هذا النمط من التعليم الذي يختلف عن التعليم العلماني الرسمي. أولى المفارقات ان هذه المؤسسات متباعدة لجهة نوعيتها، فهناك مؤسسات للتعليم العالي هي عبارة عن كليات في جامعات مكتملة أو في طور الاكتمال. وهذه تخضع لقانون التعليم العالي وتناط أمورها مثلها مثل التعليم العالي الخاص بالمديرية العامة للتعليم العالي في وزارة التربية. ايضا هناك مؤسسات تعليمية دون هذه المرحلة والكثير منها لا علاقة له البتة بمصلحة التعليم الخاص في وزارة التربية. وغالبا ما تقوم على هذه المؤسسات جهات حزبية أو ذات ارتباطات حزبية، ولا ترى هذه الجهات ضرورة لشرعنة مؤسسساتها. ثانية المفارقات ان هناك الكثير من المؤسسات ما زالت تدرس على الاسلوب الذي عرفته القرون الوسطى ليس على صعيد كتب الاصول الدينية فحسب، بل على عدم الاشتراط للدخول اليها مستويات محددة للالتحاق بها ومتابعة الدراسة في صفوفها وصولا الى لبس العمامة واعتبار صاحبها نفسه في سلك رجال الدين، ودون أدنى خوف أو وجل من مرجعية الطائفة سواء كانت إسلامية أو مسيحية. ثالثة المفارقات ان هناك طوائف صغرى لا وجود لمدارس لها وعليه فإن رجال الدين المعممين من أبنائها هم من الذين تابعوا من هو أكبر منهم ودرس على يديه، ونظرا لحاجة الطائفة جرى تكريسه حتى ولو لم يكن يحمل الاهلية اللازمة للقيام بهذا الدور. ايضا هناك طائفة الموحدين الدروز وهي ما تزال في مجرى طلابها الدراسي أقرب ما تكون الى الطرق الصوفية من عملية التعليم. مفارقة أو سمة أخرى أساسية ايضا هي استحالة عد أو حصر المعاهد الدينية لدى العديد من الطوائف في ظل الافتقاد الى المرجعية الرسمية. اذ الى جانب المدارس أو المعاهد المرخصة هناك العشرات غير مرخصة لها. هذا جانب، والجانب الآخر ان بعض هذه المعاهد تقوم بسرعة وتذبل بسرعة ثم لا تلبث أن تزول. ولا يتجشم المشرفون عليها عبء مراجعة المرجعية الدينية أو الرسمية. ويدخل من باب المفارقات ايضا وضع رجال الدين وإعدادهم بالعلاقة مع طوائفهم. اذ في الطائفة الواحدة تتعدد المرجعيات وكل منها تنشئ مؤسستها ولا علاقة لهذه بتلك التي أنشأها آخرون من ذات الملة والطائفة. هناك طوائف يتضخم أعداد رجال الدين فيها على نحو لافت ويبلغ العدد الالوف، وطوائف يتراجع مستوى التحاق أبنائها بالمؤسسات وبالتالي تشهد نقصا مهما في العديد يدفع الى شغور مراكز في الاديرة والمساجد والحسينيات والخلوات وبالتالي في تلبية الشؤون المطروحة على رجل الدين في مناسبات الولادات والزواج والوفاة والقداديس والصلوات وما شابه من أمور عبادية أو اجتماعية. ايضا لا بد وان يلاحظ أي دارس لموضوع المؤسسات الدينية مدى الحداثة لدى البعض ومدى التقليد لدى البعض الآخر. هذا الوضع ينطبق على المؤسستين العالية وما دون الجامعية. اذ هناك الكثير من المؤسسات التي أدخلت في صلب دراستها مواد التاريخ والاقتصاد والفلسفة الحديثة والاعلام وما شابه، إضافة الى الكومبيوتر واللغات الحية. بينما هناك اخرى لا تعبأ بكل هذه المواد وتعتمد توجيه طلابها نحو الكتب التقليدية التي كتبها كبار علمائها. الملاحظة الابرز هي ازدياد الطلب على مؤسسات التعليم الديني وقيام نوع من أنواع الاكتفاء الذاتي عن توجيه الابناء الى المراكز التعليمية والدينية للطائفة سواء كانت في الفاتيكان أو أثينا أو الازهر أو النجف أو سواها. ففي غضون العقود الماضية نبتت كالفطر المعاهد والجامعات وتنافست في ما بينها الى الحد الذي بات بإمكان الطلاب من رجال دين ودنيا الاستغناء عن قصد الموائل التي درج آباؤهم على ارتيادها. المهم ان العقود الأربعة الماضية شهدت طفرة في عدد ونوعية هذه المؤسسات تبعا لأوضاع الطوائف في لبنان وحاجة كل منها الى الدعاة والمبشرين لإشغال الوظائف المطلوبة في الداخل والخارج. رغم الجهد المبذول لا نستطيع الادعاء ان الجردة التي قمنا بها كاملة وشاملة، لكنها تقدم الكثير من المعلومات عن هذه المؤسسات الى الحد الذي يندفع القارئ الى السؤال عن أسرار ومدى ضرورة هذه التعددية في صناعة رجال الدين في لبنان حتى ضمن الطائفة الواحدة والمذهب الواحد، خصوصا ان ابتناء المؤسسة يدخل ليس في الحسابات السماوية بل في الحسابات السياسية بطبيعة الحال. كل هذا يجعل من لبنان أشبه ما يكون ببرج بابل تتحدث كل من جماعاته لغة لا يفهمها الآخر. التعددية الثقافية قد تكون مطلوبة دوما وأبدا ولكن ماذا عن الرسائل المرسلة في اتجاهات كيفما اتفق؟! درج سُنة المدن اللبنانية على إرسال أبنائهم لدراسة الشريعة اولا الى جامعة الازهر في مصر. وهناك من درس في سوريا أو المملكة العربية السعودية أو حتى ليبيا. لكن هؤلاء أفراد أو أعداد قليلة. فقد كان هوى السنّة اللبنانيين مصريا منذ ما قبل ثورة تموز العام ,1952 وتعزز بعدها بطبيعة الحال. تسمي جامعة الازهر الطلاب القادمين من خارج مصر للدراسة، المبعوثين، أي الموفدين للدراسة الجامعية من جانب الدول أو الهيئات الدينية. وكانت الجامعة تقدم لهؤلاء منحا شهرية لتدبير أمورهم الحياتية، إضافة الى وجود مقر في المبنى القديم لجامع الازهر مخصص للطلاب الشوام و المغاربة و الافارقة وغيرهم يسمى الرواق . تقريبا كل القضاة والمفتين الشرعيين في عموم المناطق اللبنانية هم من الذين تخرجوا من واحدة من كليتين في جامعة الازهر: كلية الشريعة الاسلامية أو كلية أصول الدين، وقد عاد هؤلاء الى لبنان وهم يحملون إما شهادة الليسانس أو الماجستير كانوا يسمونها العالمية سابقا وحتى الدكتوراه. وسرعان ما تلقفتهم المؤسسات الدينية السنية وانخرطوا في صفوفها ثم ترقوا تباعا للوصول الى المراكز التي بلغوها اليوم. استمر هذا المسار عقودا طويلة متواصلة. منذ ما قبل استقلال لبنان وما بعده. كان الذهاب الى جامعة الازهر هو الطموح بالنسبة لطلبة العلوم الشرعية، علما ان جامعة الازهر، لم تعد منذ إصلاحها كما كانت عليه، بل باتت جامعة حديثة تحوي عشرات الكليات التطبيقية والانسانية. المهم ان هذا المنحى وبعد توفر الكادرات العلمية المحلية كان لا بد ان يصل الى خواتيمه. من خلال تأسيس كلية شريعة لبنانية تتمتع بتغطية ورعاية دار الفتوى. أنشئت بداية كلية تحمل اسم كلية الدعوة الاسلامية ، وكان طلابها هم من الذين حصلوا على البكالوريا القسم الثاني أو خريجي مدرسة أزهر لبنان التابعة هي الاخرى لدار الفتوى. لكن هذا الاسم سرعان ما تغير عندما حصلت دار الافتاء على المرسوم رقم 3484 في العام 1986 والذي رخص لها بإنشاء جامعة بيروت الاسلامية. ارتئي حينها ان لا ضرورة لتكرار كلمة الاسلامية في الكلية والجامعة، وتم الاستقرار على اعتماد كلية الشريعة كاسم. تقتصر جامعة بيروت الاسلامية الآن على الكلية والمعهد العالي للقضاء الشرعي. وكلاهما يقعان بملاصقة دار الافتاء في محلة عائشة بكار. تختلف الكلية عن المعهد، في ان الدراسة تبدأ في الاولى بعد الحصول على البكالوريا القسم الثاني، أي ما يعادل السنة الاولى في الجامعة اللبنانية ولمدة أربع سنوات. يحصل في ختامها الطالب على شهادة الجامعة والكلية. أما طلاب المعهد فهم من حملة الاجازة في الحقوق ومجالاتها. من هنا عبارة المعهد العالي في اسمه، باعتباره يقدم دراسات عليا. بالطبع تمنح الكلية ايضا شهادة ماجستير ودكتوراه، وشهاداتها عموما تدور حول علوم الشريعة والفقه والفقه المقارن وأصول الفقه والدراسات الاسلامية. أما المعهد فشهاداته تكاد تنحصر في اختصاص القضاء الشرعي وأبوابه. أنظمة الدراسة في الكلية تعتمد مبدأ الارصدة أو الوحدات ومدتها أربع سنوات للحصول على الليسانس، وسنتان للحصول على الماجستير، ومن سنتين الى خمس سنوات للحصول على شهادة الدكتوراه. هذا النظام هو المعتمد عالميا قبل شيوع ما يسمى الآن نظام L.M.D الذي جعل من دراسة الليسانس أو الاجازة ثلاث سنوات، والدبلوم المعمق عامين والدكتوراه ثلاث سنوات. والمعروف ان مدة الماجستير والدكتوراه تعتمد بالاساس على إنجاز الرسالة والاطروحة، دون أن تنقص عن السنتين والثلاث سنوات، لكنها وكما في كل الجامعات يمكن تمديدها تبعا لتعقيدات الموضوع وحاجته الى إضافة زمنية لإنجازه من قبل الطالب بإشراف الاستاذ المشرف. يلاصق مبنى الكلية مبنى دار الافتاء. ومع ان له بابه الخاص من الجهة الشرقية، إلا انه مفتوح على الدار من الجهة الجنوبية. ومثل هذا الوضع ليس بالأمر الغريب، علما ان الجامعة تملك عقارا قريبا، ولا يبعد سوى أمتار قليلة عن الدار. لم تشرع بعد بتشييد البناء عليه ليكون بناء مستقلا للجامعة. علما ان المباني الحالية التي تشغلها الكلية والمعهد كانا في الاصل من نصيب أزهر لبنان قبل أن يتفرع ويتمدد نحو المناطق اللبنانية. لبننة التعليم الديني يشغل د. أنس طبارة عمادة الكلية، وهو خريج من الجامعة الاسلامية في المدينة المنورة، وكذلك من كلية الشريعة والدراسات الاسلامية في مكة المكرمة. لكن أساتذة الكلية في غالبيتهم ممن يحملون شهادات الدكتوراه من جامعة الازهر، وهناك بعض المتخرجين في الدراسات الاسلامية من فرنسا. النسبة الغالبة اذاً هم من خريجي جامعة الازهر، علما ان هناك بعض الاساتذة الذين يحملون شهادات جامعات لبنانية كالجامعة اليسوعية أو اللبنانية أو غيرهما. اذاً تتولى مجموعة أساتذة متعددة المصادر التدريس في الكلية، وهؤلاء جميعا لبنانيون، لكن بينهم أعدادا قليلة من الطلاب العرب بينما الاكثرية هم من اللبنانيين. العلاقة بين دار الفتوى والكلية أكثر من علاقة مكانية، فالمفتي الشيخ د. محمد رشيد قباني هو رئيس الجامعة، والعميد طبارة هو عميد لكلية من كليات الجامعة التي يفترض أن تشرع قريبا في إطلاق كلية ثانية للعلوم الادارية. ومنذ العام ,1982 أي حتى قبل الحصول على مرسوم التأسيس تحمل كل شهادة من شهادات الخريجين اسم دار الفتوى وهي بالاساس تساعد بعض الطلاب في تغطية أجزاء من أقساطهم. وتشترط الكلية مقابل مساهمة الدار التفوق، فالطالب الذي يحصل على تقدير ممتاز يعفى من القسط كاملا، وجيد جدا من نصف القسط وجيد من ربع القسط. أما قيمة القسط فهي ضئيلة، ففي العام 2005 لم يزد القسط عن 650 ألف ل، وفي العام 2006 ارتفع الى حدود ال850 الف ل. وفي صفوف الدراسات العليا هو 950 ألفا، أما في مرحلة الدكتوراه فهو مليون وخمسون الف ليرة عن كل سنة. أين يذهب طلاب هذه الكلية؟ كأي كلية تستغرق مدة الدراسة أربع سنوات، ويبدو من طبيعة المواد ان العلوم الشرعية بمتفرعاتها بما هي القرآن والتفسير والاحاديث والفقه وأصوله والاحوال الشخصية والقضاء والعبادات والعقائد والاديان وما شابه ان صاحبها قد حسم أمره منذ البداية نحو الدراسة في العلوم الدينية والعمل في المجالات المتاحة لحامل مثل هذه الشهادة. يقول العميد طباره: يعمل طلابنا عندما يتخرجون في المحاكم الشرعية السنية أو في التدريس أو الوظيفة أو المساجد ومراكز خدمة القرآن، كما ان بعضهم يتولى تدريس المواد الدينية في المدارس الرسمية. يضيف: ان هؤلاء المتخرجين ونظرا للمواد التي يدرسونها في الكلية يمكنهم ايضا تدريس اللغة العربية وما شابه. وعليه باستطاعتهم العمل في مدارس القطاع الخاص في تدريس اللغة والأدب. لكن هناك طلابا يتابعون دراستهم بعد نيلهم الليسانس للحصول على الماجستير والدكتوراه في أصول الفقه والفقه المقارن والدراسات الاسلامية. ينفي العميد طبارة ان تكون دار الفتوى مسؤولة عن توظيف الخريجين، مع انها الجهة التي أنشأت الجامعة وبالتالي الكلية، لكن هؤلاء عندما يجدون مثلا ان المحاكم الشرعية بحاجة الى مساعدين قضائيين يتقدمون مثلهم مثل سواهم من المؤهلين لهذه الوظائف، فإذا نجحوا يحصلون على هذا العمل. ويتابع طبارة: خريجونا مثلهم مثل سواهم يعانون جراء أوضاع سوق العمل. تدبير العمل ليس من مسؤولية الكلية. بالطبع تحكم أوضاع سوق العمل ظروف عامة لا قبل لنا بها. الآن هناك موجات كبرى من هجرة الخريجين بسبب ضيق سوق العمل. مثل هذا الوضع لا علاقة له بالكلية أو المواد التي تدرسها، بل انه يشمل كل التخصصات ودون استثناء. الخريجون اللبنانيون من مختلف الاختصاصات يهاجرون ومن ضمنهم من يحملون شهادات في الشريعة أو الدراسات الاسلامية. يختم طبارة قائلا: طلابنا وخريجونا هم مثل كل طلاب لبنان، وهم أصلا من كل الفئات وكل المناطق. وبالتالي لا امتياز لهم. مع ملاحظة ان الحظ يلعب دوره في تأمين العمل، لكن المسألة برمتها هي مسألة عرض وطلب كما يعرف الجميع. نقابة لرجال الدين يشير طبارة في معرض حديثه الى انقطاع العلاقات مع الجامعات أو الكليات الدينية، مع ان هناك أشكالا من الاتصال تظل قائمة مع كل من الجامعة اليسوعية ومعهد الدراسات الاسلامية المسيحية وجامعة الروح القدس الكسليك وكلية اللاهوت للشرق الأدنى ومعهد الاب يوحنا الدمشقي في جامعة البلمند. يضيف: كان لنا لقاء دوري كل ستة أشهر، لكن هذه اللقاءات توقفت منذ قرابة عامين. يعدد مشاكل الكليات المتشابهة ويفرد موقعا رئيسيا لغياب أشكال التبادل، علما ان التخصصات مختلفة. يحدد تخصص الكلية بدراسة القرآن والتفسير وآيات الاحكام والاحاديث وأصول الفقه ومدخل دراسة القانون والفقه والاحوال الشخصية وفقه المعاملات وفقه الجنايات والقضاء وأحكامه وأصول المحاكمات الشرعية وأصول الدعوة ومقارنة الاديان واللغة الانكليزية. يصف الدراسة في الكلية بأنها شرعية إسلامية في العمق. أما الكليات الثانية فلديها دراسات وإدارة إسلامية. مع ذلك يرى أن الواجب يقضي بالتعاون وعدم التزاحم، لأننا جزء من هذا المجتمع، والطالب له الحق في اختيار الكلية أو الجامعة أو التخصص الذي يريد. نحن نعرض ما لدينا وعلى الطالب ان يختار ما يلائمه من دراسة ومجال. هذا الافتراق أو غياب التبادل يترك مفاعيله على الطلاب والخريجين في الوقت نفسه، لكن طبارة ينحو باللائمة في العجز عن مساعدة الخريجين على مآل وضع الاوقاف، اذ لو كانت لدينا إمكانات أكبر لكان ممكنا لنا المساعدة أكثر، خصوصا ان الحاجات تتزايد في المجتمع. بالمقابل لا يعتبر طبارة ان كل الذين يحملون شهادة كلية الشريعة يجب عليهم العمل في المحاكم الشرعية أو المساجد السنية، اذ في الواقع كما يقول: نحن ليس لدينا رجال دين ورجال دنيا. الدين الاسلامي لم يعرف الاكليروس، هناك متخرجون من كليات شريعة دخلوا في السلك السياسي وشغلوا مناصب وزارية. حتى اللباس الشائع هذا محدث، اذ لم يكن لدى الرسول (ص) مجلس أو لباس مميز، كل المسلمين في هذا الامر سواء. لذلك أصدرت دار الفتوى مؤخرا تنبيهاً حول شروط الزي الديني، حتى لا يصبح زيا لكل من يشاء، ما دام قد ارتبط بمهمة دينية يؤديها صاحبه ويتطلب ضوابط خوفا من الاساءة. هذا الكلام يفتح على موضوع متصل يتمثل بمدى ما تملكه دار الفتوى من صلاحيات على المدارس والمؤسسات التي تتولى التعليم. هنا يؤكد طبارة ان الدار لا تتولى الاشراف على هذه المدارس. وزارة التربية والتعليم العالي هي من تملك هذا الحق. الوزارة تراقبنا ونحن لا نراقب سوانا، ديننا يمنعنا من ازدواجية المعايير. لكن هذا لا يمنعنا من التمني على وزارة التربية إسناد مهمة مراقبة التعليم الديني لدى الطائفة السنية الى دار الفتوى. وهي تختار القائمين على هذا العمل. فكما ان هناك نقابة للاطباء ونقابة للمهندسين تمنع غير المنتسبين اليها من مزاولة هذا العمل، لماذا لا يكون هناك تنظيم وحماية لرجال الدين لئلا يدخل فيهم من ليس منهم. لقد قلت ذلك يتابع طبارة على المنبر. اذا تكلم أحد في الطب أو الهندسة أو القانون دون علم أو صفة تقوم عليه نقابات الاطباء والمهندسين والمحامين. وقد دعوت الى ان تكون هناك مراقبة من دار الفتوى على رجال الدين، وبيان الدار الاخير حول ارتداء الزي الديني هو تذكير بشروط قديمة، لكنه لا يصل الى حدود الاشراف على التعليم. الدين والجهاد يرفض طبارة تسمية مدارس أو مؤسسات تبث الفكر الجهادي الرائج في أدبيات بن لادن والظواهري ومن شابه. لكنه يقول حول تدريس ذلك مستعيدا قولا مأثورا للامام علي: ما بين الحق والباطل أربعة أصابع. قالوا: كيف يا أمير المؤمنين. قال: الحق ان تقول رأيت والباطل ان تقول سمعت وما بين العين والاذن أربعة أصابع . الجهاد في الاسلام شرع لمنع الظلم عن الناس وإقامة منهج الله ونصرة أوليائه ونشره بين الناس، لأن العدل المطلق يحققه الدين. الانظمة الوضعية تحابي طائفة أو جماعة أو طبقة. نحن لدينا حصانات سياسية وغيرها. الشرع ليس لديه حصانات ويساوي بين الناس ويحقق العدل والمطلق. الجهاد لا تلجأ اليه إلا اذا منعنا من قول الحق. الحرية تقف في الاسلام عند حدود الشرع. الآن متهم المسلم بالارهاب والتزمت وشتى الاتهامات لتشويه صورته. الاسلام هو الحق والعدل ودين الله العليم بما يصلح للناس. نحن صنَعَنا الله وهو يصوننا. نحن نصلي ونصوم ونحج ونجاهد حتى إقامة العدل المطلق في المجتمع عبر دولة الاسلام. مقابل مسألة ما يسمى الفكر الجهادي ، هناك واقع يعانيه كثير من رجال الدين الذين يفتقدون تأمين الحد الادنى من مقومات العيش وضمانات الحياة، مما يجعل من الكثيرين رهائن لدى المتمولين أو جهات سياسية حتى يرفض طبارة إدخال دراسة الشريعة ومردودها في باب مادي. اذ الاصل كما يراه هو القناعة فواجبي كرجل دين أن تكون لدي رؤية واضحة وقناعة، وان لا يهمني ما لدى الناس. فالله قد تكفل بالرزق وعليّ ألا أخاف، لأن الرزق يأتيني منه وليس من الناس. فإذا صبرت على حياتي يأتيني رزقي حلالا. عندما تخرجت كنت أتمنى أن أحصل على مئتي ليرة فعملت في جامعة بألفي دولار. ثم ان من يتخرجون من كلية الشريعة يعملون كما ذكرت في المحاكم الشرعية وغيرها ويتقاضون كحملة ليسانس ما لا يقل عن 550 الف ل. ثم انه هناك سلّماً للوظائف الدينية يتقاضى كل من يشغله ما يستحقه. فإمام المسجد وموظف المسجد يتقاضيان راتبا فعليا. أصحاب الشكوى هم أولئك الذين يحملون إجازات ولا يجدون موردا ثابتا، يلبسون الزي الديني ويبدأون بالتذمر. علما ان هناك كثيرين ممن يزاولون مثل أعمال الامامة وغيرها لا يملكون المؤهلات اللازمة. من جهتي فإنني في المستقبل سأطالب بأن يحصل الائمة على حق لمزاولة العمل، وان يخضعوا بموجب ذلك لامتحان في قدرتهم على التحدث مع الناس. وسأطرح هذا الموضوع مع سماحة المفتي. الجهاز الديني يجب أن يخضع مثله مثل كل الاجهزة لامتحانات كفاءة. وسأبدأ بإعداد دورات لخطباء المساجد، لأن هناك كثيرين لا يجيدون التحدث، وستكون الدورة حول شروط الخطابة وقواعدها لزيادة تأهيلهم على القيام بالمهام المطلوبة منهم . لا يعرف العميد طبارة عدد رجال الدين لعدم وجود مرجعية واحدة تضبط عمل المتخرجين، مما يجعل من الصعوبة معرفة عددهم في الطائفة السنية. اذ حتى ولو أنيط الامر بدار الفتوى وكلية الشريعة، سنويا يأتينا طلاب يحملون شهادات من دول عربية وإسلامية. مقابل ذلك هناك كثيرون يحملون شهادات في الشريعة ولا يعملون في حقل الدين، ثم ان من يعمل في هذا الحقل قد لا يكون مرتبطا بدار الفتوى. وقد يكون درس في معهد ما لا تعترف به دار الفتوى ولا الحكومة، ثم ان بعض القائمين على هذه المعاهد لا يكلفون أنفسهم عناء محاولة الحصول على اعتراف المؤسسات الرسمية أو الدينية بهم، مكتفين بالاستناد الى بعض المرجعيات السياسية وغير السياسية عن إيلاء هذا الجانب الاهتمام اللازم الذي يجعلهم في نطاق شرعية الدولة وسلطة مؤسساتها الدينية والتربوية. جامعة بيروت الإسلامية منحت الجامعة كلية الشريعة الاسلامية منذ العام 1986 وحتى العام 2005 ما مجموعه 435 شهادة ليسانس لطلاب وطالبات، كما منحت 36 شهادة ماجستير و21 شهادة دكتوراه. يتولى رئاسة الجامعة مفتي الجمهورية وتهدف الى إعداد العلماء والدعاة والباحثين في الشريعة وعلومها المختلفة للقيام بواجب نشر رسالة الاسلام المشتملة على تلبية حاجات الانسان الروحية والمادية والفكرية بوسائل العصر وتقنياته الحديثة. وتشترط الجامعة كما تقول منشوراتها ايضا على طالب الانتساب اليها عدم انتمائه الى أي جمعية إسلامية أو حزب سياسي أو ديني. تعتبر الجامعة تطويرا لكلية الدعوة الاسلامية التي أسسها المفتي الشهيد حسن خالد، وعمل المفتي قباني على عقد اتفاق أكاديمي مع جامعة الأزهر قضى بمعادلة شهادة كلية الشريعة بالشهادة التي تمنحها كلية الشريعة والقانون في جامعة الازهر. تغير اسم الكلية من كلية الدعوة الى كلية الشريعة بموجب المرسوم رقم 87 في العام 1990 وفي العام 1991 أنشئ فرع للبنات في الكلية. تشترط الكلية للدخول اليها حيازة البكالوريا القسم الثاني أو شهادة أزهر لبنان. مدة الدراسة أربع سنوات ويحق لكل من يحصل على رتبة جيد وما فوق متابعة الدراسات العليا للحصول على دبلوم (سنة واحدة) أو ماجستير سنتين أو دكتوراه ثلاث سنوات وما فوق. يحق لمتخرجي الكلية الانخراط في ميدان الوظائف الشرعية كقضاة ومساعدي قضاة ومدرسي فتوى أو موظفين دينيين في الدوائر الوقفية والافتاء. إضافة الى مجال التدريس والعمل كدعاة في المؤسسات والمراكز الاسلامية في الخارج. تمنح الكلية شهادة الليسانس أو دبلوم تخصص تعليمي في التربية الدينية. أما الماجستير الذي تمنحه فينقسم الى ثلاثة أقسام: الفقه المقارن، أصول الفقه الاسلامي والدراسات الاسلامية. يشترط في الطالب أن يتفرغ تفرغا كاملا في دراسته، على أن ينجح في المقابلة الشخصية والامتحان الخطي في فقه العبادات والثقافة العامة واللغة الاجنبية.