As Safir Logo
المصدر:

ذكريات جامعية.. حسن قبيسي وعبد الرحمن مرحبا موقف الجرأة وموقف المكابرة

المؤلف: زيعور علي التاريخ: 2007-05-11 رقم العدد:10695

1 اغتنمت القومية العربية، العقل أو القاعدة الصِّراطية، بمحاورتها الشورانية الحرة لايديولوجيات فرعية أو مكونة. لقد أثرت وعمقت الروافد غزارة النهر وأججته، فمن ذلك كان الاقرار بالمواطنة وجميع الحقوق للفكر التومائي المحدث (را: السفير ، ذكريات عن مقاومة طالب لأبطال الفلسفة التومائية، 17/6/2005). 2 في ما يلي، آخر الأبطال السعادويين (!)، وغير ذلك ايضا، الذين برزوا على ساحة الحوار والانجاز إبان الفترة التي تتعقبها هذه الذكريات الجامعية السميكة قطاعيا وطباقيا. ذلك التعقب منهج يفسًّر الاهتمام باللاسوي والمرضي، باللامفصوح والقسري، الاختلالي واللاواعي.. (را: زيعور وفروخ، العقل الصًّراطي في الفلسفة والايديولوجيا والمدنيات، دار النهضة). 3 من السويّ انه كان فعالاً دور الساخطين والمهتدين في تقليص اضطرابات الهوية الجذعية (الكبرى، الأرومية)، وفي إشفاء الذات أو الأنا العربية من أمراضها العصابية والنفسية، ومن تفكك الشخصية وفقدان الوعي بوحدتها واستمراريتها (را: depedepersonntion) وحتى من فقدان الشعور بموقعها ومكانها وزمانها). (را: Autopo?? mosia ). عقدة أوديب عند ه. شرابي تتدفق ذكريات الوعي الاكاديمي، في قطاعها وأدراجها المكرّسة للمهتدي هشام شرابي، من يقيني وتسليمي بأنه قتل في نفسه أبطاله المؤسسين. لقد قتلهم بأن فتح لهم الباب واسعاً باتجاه الأفق الاوسع، وبأن عمق النقدانية الحضارية الاستيعابية لما يبدو فيهم تفرداً أو استئثاراً، وإرادة تميّز هي ميول لارتداء الحرية والعلمانية المتناقحة وليس لتذويتهما في الذات والفعل والانفعال، لذوثنتهما في الوعي والسلوك والعلائقية (را: تحليلنا النفسي لعقدة أوديب عند شرابي، استكشاف لاوعيه أو علاقته المنسية اللاواعية مع أمه وأبيه، تعبيراته اللاواعية عن تجاربه الطفلية عبر سيرته الذاتية). المرض العقلي والاهتداء عند خليل حاوي أنا، كشفت في أواخر الثمانينيات (النهار، 14/8/1991) اني أسهمت في توضيح المرضي، والمستقبل لمرض ما هو ذهاني إن لم أقل انه نفساني (وأكثر مما هو عصاب)، عند زميل احترمت جداً موقفه الفكري، ومنتوجه، وتعامليته مع المعادي شخصا كان أم الحقل الحضاري العام. لقد نجح خليل حاوي في الاهتداء الى الايديولوجيا الأرحب، والاشد مرونة وكثافة حضارية. وإذا صدق صاحب دار الطليعة (بشير الداعوق)، أو ان كانت رسالة إليه وصلته من خليل حاوي لا تزال محفوظة، فإن حاوي، وعلى ضد ترددي عن التسليم بصحتها أو بقائها وثيقة مصونة، قد اهتدى فعلا الى انتماءات نحناوية عربية تثق بالمستقبل الحامي الآمن، وبالقدرة على الاستقلال والاسهام، على الصيانة، على تحقيق المنعة المسيطرة على الواقع العربي المتمأزق ومشروعه المغامر. وهكذا هكذا، فعلى الرغم من مرور أكثر من عقد، بين تاريخ الكشف عن معالجتي وتوقعاتي لحالة خليل حاوي والتاريخ المنتهي ساعة كتابة هذا التقرير (نهاية السنة ,2000 حيث تنتهي ذكرياتي الجامعية هذه عن التدفق)... لم ألحظ أن أحداً اهتم بالكشف عن ذلك البعد الاختلالي في شخصية حاوي الفكرية، أو بالتوسعي وبالتمدد في الشخصية الايديولوجية، وفي العلمانية المتطورة انه بمعناها المحلي أي بالحقل الحضاري العربي الذي تتغاذى وتتنافح معه (را: عادل ضاهر). أضمومة أولى: حالة حسن قبيسي قال لي الأب فريد جبر: بين يدي أطروحة... و...، ثم قرأتها، أنا، شاكراً ثقة حسن قبيسي بي. وشكرت ايضا المشرف الذي استمع الى أحكامي على القسم الترجمي من الاطروحة، وذاك كان ترجمة تنهزم أمامها كل اعتراضات قارئ أطروحات . ووافقت على ان يترجم الى العربية كلاما غير لطيف وقليل التعاطف حيال الشخصية والعلائقية للنبي العظيم عليه صلوات الله وسلامه (يلاحظ الدور العظيم المعطى للإنسان في التدين الاسلامي، وهنا يبدأ التصوف والعرفانيات في الوعي الديني الاسلامي). وقلت للمشرف إن القسم التحليلي من الاطروحة ثاقب وجريء: ثاقب هو في مقاضاته الحرة للتفسير بالعامل الاقتصادي، وجريء هو في اختراقه للكثافة الاسطورية الحاجية للعقل المحض (أو المحضانية) في حراثة الايماني والحدسي والمتخيّل، الرمزي والاعتقادي والبلاغوي، للاستعاري والتأويلي والتأرخة المنفلتة والايديولوجية. ...مرّ في ذكرياتي الجامعية (المكتب العالمي، 2001) أني اخترت أن لا أكون عضواً يظهر في لجنة مناقشة أطروحة حسن قبيسي، صديقا قديما قد يتصلب في دفاعه عن آرائيته وتصوراته. ومرّ، في تلك الذكريات التي قد ندمت على نشر جلّها وكلها، ان حسن قبيسي يظهر كبطل أول في معهد العلوم الاجتماعية، وان سيدة كثيرة الفيض والحركة كانت في التسعينيات بطلة قسم علم النفس في كلية الآداب. إن شئنا العودة الى الاطروحة فسوف تنبجس فوراً وللتو ذكرى مرتبطة بمبدأ يقول: انك تقرأ الاطروحة، وكذلك تقرأ الاطروحة القارئ لها. وهنا، وأنا أنهل من ذكريات ما قبل ال,2000 أعيد صياغة حوار مع الأب فريد جبر (ر) في الجامعة اليسوعية. لكن، وماذا عن مقال حسن قبيسي في الجن. هل التحليل النفسي يعادي الايمان بذلك؟ المسيحي، وكل الساميين، يؤمنون بالأرواح الخفية! وكمال الحاج ينافس الجميع في إظهار إيمانه بذلك! ثم نظر الأب فريد حوله أو حواليه، وقال للمتحاورين: مساعدي، علي، أول من كتب في التحليل النفسي للشخصيات الفلسفية، ونظر في علم النفس عند الصوفيين، واستخرج مفاهيم نفسانية من التصوف.. وأنا، به سررت!!! ولربما كان ذلك القول من ذلك المتكلم آنذاك مرغوباً كعقبة، أو للتحدي والاستفزاز. ولربما أنا أستعيده الآن للاعتزاز، لتعزيز مكانه ومكان المعنويات الآخذة بالترجرج، الآخذة، في ال,2000 نحو أصيل الشمس والرحلة. والاهم؟ الأهم هو ان المعلم علي، الذي هو أنا، احترمت جيدا أطروحة حسن قبيسي. ومرّت الاطروحة مرغوبة لكن مرعبة (مطبوعة في دار الطليعة، 1981). إن حسن قبيسي تجاسر على اعتماد العقل التعليلي، على التفسير بالعوامل المتزاملة أو السببية الاجتماعية التاريخية. ففي قراءة السيرة النبوية الشريفة، بحسب المنهج الإناسي الألسني والتحليلنفسي، لم أتجرأ، أنا، على ان تنشر دار الطليعة الجزء الخاص بذلك في موسعة التحليل النفسي للذات العربية. هذا، في حين أن اطروحة حسن قبيسي، او كتابه الصادر عام 1981 (دار الطليعة) بعنوان رودنسون ونبي الاسلام ، جاهرت وأشهرت تفسيرات انثروبولوجية لمفاهيم ومقولات كبيرة متعددة الرزائح (طباقية) والمستويات والمدلولات. دراسة الأيطوس الجاهلي دراسة هي تنكب ثم تنصب على الشعائر والمناسك، الاحتفالات والأعراف، السلوكات والمنمطات في الشخصية والتفكير والمجتمع... وقد قسمت موسعة التحليل النفسي للذات العربية تلك العقلية أو المسلوكية الجماعية الى قطاعين: أ/ القطاع الايديولوجي: الدين الجاهلي (ولا نرى انه تعبيرات عن عجز أمام الطبيعة والمصير)، الوصية، البطولة، الخوافي، الجن والأرواح... ب/ القطاع الدهري أو المادي أو القاعدة: العمل، الفقر، التقدم، الغزو، النفور من الدولة... (قا: علم مسلوكية الحيوان، الايطولوجيا الحيوانية). لقد كان قبيسي، التقدمي والتنويراني، ناجحا بل نافعاً جداً في تفسيراته لمرويات ايمانية مضافة، ولحدسيات وأخبار ميتية لم تكن قط معروفة أو ضرورية في حياة الرسول، في البعثة النبوية. منذ ربع قرن أو يزيد، قرأتني أطروحة حسن قبيسي: لقد اظهرت لي اني، وكتحليلاته، أهتم بالمغبون مهما اختلفت تسمياته (المطرود، الملعون، المهدور او الفقير، المنفي او الملغي، المسحوق او المقهور، المسفل والمبعد...). أنا ما زلت أعتبر تلك الاطروحة حلقة داخل موسعة التحليل النفسي... ، ذلك انها تؤيد او تقول اني اهتم بالمعنى الثاني او التبعي، المتضمن او الظلي، الكامن او الهاجع، اللاواعي او الغوري، الغائب او المحجوب، القيعاني او المضمور، وإني اهتم بالجانب الآخر من الشخصية والفكر والمجتمع، اي باللامفصوح واللامعبّر، المعتم والبور، القاحل والماحل، الحال والمآل، التلافيف والثنايا، المسكوت عنه والما لا يقال... أضمومة ثانية: محمد عبد الرحمن مرحبا كان المرحوم مرحبا من أكثر الزملاء جرأة في إشهار إيماناته، فكان يلغي وينصح: يلغي الايمان المعروف، الشائع المألوف، الاعمي والاشملي، المتفق عليه والمفصوح، وينصع ما لا يقر أحد به، ما يخافه الإنسان ولا يجهر به او يفكر فيه. في احدى طبقات الذكريات انه قهقه حتى التخمة العصابية (المرضية، نفسياً) حين اقترحت عليه ان نزور قبر الرسول. وآلمني عنفه وقساوته، ورفض قولي انه قد يستعيد الايمان إبان الطواف، او في المسعى، او على عرفات. و...، ثم...، فقد اتفقنا على انه يلتذ أمام مستمع أو متحاورين بلذة السادي إذ يطعن، ويفكر، ويشكك... عملنا معاً، مجموعة من الزملاء، في مشروع الفلسفة في العالم والتاريخ وللمستقبل ، وساعدتنا مؤسسة عز الدين قبل ان تنتهي دارها للنشر. ثم انتقلنا الى مشروع المدرسة العربية الراهنة في الفلسفة والفكر . ومن هنا كان ان أجرى الزميل جميل قاسم حواراً صادقاً مع الركن في المشروع، مع المرحوم مرحبا (را: السفير ، 4/1/2006). ما غضبت كثيرا من نشر وإشهار إنكارات وتهجمات او آرائية مبسطة عند د. مرحبا الذي كان لا يهتم بما لا جدوى منه ولا نفع فيه لتطوير المدرسة العربية في الفلسفة والفكر. كما خالجني شعور من التعجب والتساؤل حيال شخص تكفيري رغب في أن يجرجر ويرعب الاستاذ مرحبا المجبول بالعتمة واكتئاب الشيخوخة والوحدة المقلقة امام المآل والمصير المظلم. لقد أساء إلينا ايضا كتاب عباس الدمنهوري (اسم منحول اختاره للتغطي، مرحبا). فقد كان الناشر راغباً بقوة في طبع ونشر كتاب يناقش المعتقدات الدينية الاسلامية، و حاور الآيات القرآنية، ويطعن في المعنى والمبنى، في الفائدة والقيمة... لقد عاش د. مرحبا بضعة اعوام يخاف المحاكمة والسجن، التشهير والتكفير، أهل مدينته وحتى الاقرباء والاصدقاء وذلك القادم المنتظر على الباب. لم يكن الحصن النفسي والرمزي، المال والراتب الشهري، منيعاً. وكانت المدفأة الاعتقادية، الايمان بالله والقدر بل بالأمة (الجماعة) والكتاب، باردة، ثم خامدة، فمطفأة منذ حل التفكك محل حدة الذهن، منذ تضعضعت رفضت اكثر من دار للنشر، صداقتنا وإرادتنا في نشر هذا الكتاب، فهرب المؤلف الى الاستغلاليين والانتهازيين. قدرات الطبقات العليا في الشخصية على الضبط والتحكم، على تعضية وتنظيم القوى والدفاعات، الآلة البيولوجية والركائز الدينامية. آخر رزيحة (طبقة) من الحوارات، قبل ال,2000 كانت اثنتين، مزدوجة، قسمين: الاولى هي رفضه لان أعيد نشر معالجتي للمرض وتوقع الانتحار عند خليل حاوي، ولان أعيد نشر تشخيصاتي للصحة النفسية عند رالف رزق الله ثم لانتحاره (عن رزق الله، را: السفير ، 17/5/2002). والقسم الثاني هو رفضه المرير لان نورد، في قراءتنا النقدية المجددة للفلسفة العربية الاسلامية، تشخيصاتي لاضطراب في الشخصية عند هذا او ذاك من الفلاسفة: تمسك عصابي عند الكندي وبخل مرضي، اكتئاب المصير ثم الانتحار عند ابن سينا، بارانويا ثم فصام عند الغزالي، أزمة نفسية هي عصاب فقدان العزيز عند ابن خلدون. رضخت، أنا، لأني موافق على ان العبقرية و الجنون أمر مألوف، وان المرض النفسي لا يجرح العبقرية، ولا يعني شيئا لدارس الفلسفة او النظرانية، للعقل المحض او المحضانية، للفكر او الفكرانية... وهكذا خسرت المعركة، وظهر كتاب الفكرانية ، وكتاب خطاب الفلسفة الاسلامية تبعاً لموقفه... كان الحق معه، لقد وعدت نفسي ان أقوم، في دراستي وتشخيصاتي للفلسفة، بعملية نزع النفساني (depsychologisation)... واقترح عليّ، كبديل، تعميق البعد البيولوجي، اي المزيد من البيلجة (biologisation) وما يتبعها من علموي او مادي وأخواته واخوته. توقفت، بعد ذلك، عن التقدم مفضلا الهرب الى انشطة فكرية هي اعادة ضبط او ادراك، تنقيح هنا، ووضع فاصلة او نقطة هناك. وهكذا هكذا... (...) في عام ,2000 عام التوقف عن التقدم وتفضيل الاحجام، طلبت من شريكي في المدرسة العربية في الفلسفة والفكر ملخصا لنظريته في الفكرانية كنظرية في عمل الفكر (الذهن، العقل). فأرشدني الى خلاصة نشرتها له احدى المجلات، وأعدت الكرة حتى الاضجار. فكان ان طلبت اعادة إعداد تلك الخلاصة... ومن الحزين انها وصلتني بعد وفاته بشهرين، كانت مؤرخة في 25/1/,2000 ومنقحة الى ,2004 القلم الأحمر، بيده، وبإرادته في التغيير او التكيّف الاستنجاحي. وآخر الكلام والتذكّر هو ان الصياغة الثانية، الاحصافية، للإشكال الماورائي، بل الغيبي بخاصة، تتكثف فتكشف عن موقف حسن حنفي وأدونيس ومرحبا. ذاك موقف يلغي ويقطع باسم العقل المحض والنظر المحض (النظرانية، المحضانية) كل الغيبيات الاسلامية. اما رأيي في اولئك المفكرين فمؤداه انهم اغفلوا المتخيل والحدس والايمان، وانهم يخلخلون الصحة النفسية الحضارية، والصحة النفسية الروحانية، للمسلم والعربي، للجسد والأب، للوعي التاريخي والانتماءات النحناوية. لقد جادلت حنفي، وتماما كما أدونيس، هما كانا من اعز احبائي، في ان اختصاص او مهنة النفساني ليست فقط الاهتمام بمرشد نفساني يقرأ الفلاسفة والفلسفة. فتلك المهنة مقصودها، بعد ايضا بل اكثر، الاهتمام بالصحة النفسية الحضارية للإنسان المنغلب اليوم داخل الدار العالمية او أمام الخطاب الامبراطوري والعولمة الراغبة والتقننة الثائرة الموجهة المستغلة. ربما يكون الحق في عقل اللاغين، لكنه ليس في أيديهم، ولا هو بمقدورهم.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة