As Safir Logo
المصدر:

مهرجان القيروان.. الفن على درجات التاريخ

المؤلف: بزيع شوقي التاريخ: 2007-05-11 رقم العدد:10695

تحمل الدعوة الى القيروان الكثير من عناصر الإغراء بالنسبة للذين لم يزوروا المدينة من قبل. ليس فقط بسبب مهرجانها الثقافي السنوي الذي يقام منذ ثلاثة عشر عاما تحت اسم ربيع الفنون والذي تتشارك فيه المدينة مع سائر المدن التونسية بل بسبب غابة الأصداء والترجعيات التي يثيرها اسم المدينة في نفوس أولئك المهتمين بالتاريخين العربي والإسلامي. ورغم أنني قد زرت القيروان مشاركاً في ربيعها الثقافي قبل سنوات خمس فقد وجدتني غير قادر على رفض الدعوة الثانية التي وجهت إلي للمشاركة في الدورة الجديدة مجازفاً بالابتعاد عن معرض بيروت للكتاب في يومه الختامي، وهو أمر غير مسبوق بالنسبة لي منذ أكثر من ثلاثين عاما. أما الرحلة نفسها فلم تكن شاقة كالمرة التي سبقتها، إذ لم يكن علي أن أعاني مشقة الانتظار في مطارات وسيطة بين بيروت وتونس بسبب الخط المباشر بين العاصمتين والذي يوفر للمتنقلين بينهما أربع رحلات جوية في الأسبوع. ولما كان هناك من ينتظرني عند الوصول فقد استطعنا في غضون ساعتين اثنتين أن نقطع بالسيارة المسافة بين العاصمة التونسية الحديثة وبين العاصمة القديمة التي تقع في داخل البلاد على مرمى حجر من سوسة، المدينة الساحلية المجاورة. يعود فندق القصبة الذي نزلت فيه مع الشعراء والمسرحيين والفنانين الضيوف الى حقبة الاحتلال الفرنسي لتونس. وقد كان في البدء ثكنة عسكرية بناها الفرنسيون لتسهيل سيطرتهم على المدينة وجعلوا موقعها على تخوم الأسوار العالية والمنيعة التي شيدها الأغالبة قبل أكثر من ألف عام لحماية المدينة من غزاتها الكثر. تشكل الثكنة نفسها الجزء القديم من الفندق الذي تحول سجنه الى مكان لبيع المطرزات والفضيات والصناعات اليدوية المحلية، فيما تحولت أروقته المزينة بالقناطر والعقود الى استراحات صغيرة لتناول القهوة والنارجيلة والشاي الأخضر. أما البناء الجديد فقد بدا امتداداً للقديم ومكملاً للمربع الناقص الذي بني من قبل والذي يتوسطه حوض سباحة واسع يلقي اليه الزائرون بأتعابهم في صيف المدينة الحار. القيروان نفسها تبدو استثناء لافتا وسط المدن التونسية الأخرى سواء من حيث الشكل والطراز المعماري أو من حيث التمسك بأخلاقيات الماضي وعاداته وتقاليده. إن للتاريخ هنا سطوة لا تقاوم، ويصعب على زائر المدينة أن يتجاهله أو يتلافاه وهو ينعكس في البيوت كما في الوجوه، في ثقل الجغرافيا كما في حفيف الزمن. يعود تاريخ بناء المدينة الى منتصف القرن الأول للهجرة حيث شاءها عقبة بن نافع أن تكون نقطة الانطلاق للفتوحات التي تلت. أما المسجد الذي بناه هناك فقد أصبح بصومعته المربعة نموذجاً لسائر المساجد في المنطقة كلها. ومن القيروان نفسها خرج طارق بن زياد وأحمد بن الفرات ليفتحا الأندلس وصقلية بعد ردح قصير من الزمن. وإذ بلغت المدينة أوج ازدهارها السياسي والاقتصادي زمن الأغالبة الذين حكموها من قبل العباسيين فقد ظلت على امتداد قرون خمسة عاصمة للمغرب العربي برمته الى أن هاجمتها القبائل الهلالية ودمرت جزءا كبيرا منها في القرن الخامس للهجري مخلية دورها ومكانتها لشقيقتها تونس. لم يكن هجوم بني هلال على القيروان سوى المعادل الرمزي لهجوم البداوة على الحداثة والقبلية على العمران والتمدن، وفق المنظور الخلدوني للتاريخ. والذي يزور المدينة الآن يشعر بأنها ما زالت ترزح بشكل أو بآخر تحت عبء ذلك الغزو الفظيع الذي أطاح بدورها التاريخي وحوّلها الى مدينة ريفية بامتياز. كأن الأسوار المنيعة التي ما زالت تحيط بقلب المدينة الأم ما زالت تحول حتى اليوم بينها وبين رغبتها في الانعتاق من ربقة الماضي وأثقاله الضاغطة، خلافا لما هو الحال مع تونس والحمامات والمنستير وسوسة وسائر المدن الساحلية التي فتح لها البحر طريق الحرية الاجتماعية والرخاء الاقتصادي. ومع ذلك فالمتعة التي توفرها المدينة لزائرها تفوق تلك التي توفرها المدن الأخرى لأنه يقف هنا إزاء طراز فريد من المدن لا يرى نظيرا له سوى في بعض الأحياء المدن العربية التراثية كدمشق والقاهرة وبغداد، ولو في إطار أضيق. السوق والمقهى كان فندق القصبة الذي نزلنا فيه يقع في الجهة المعاكسة للمجمع الثقافي الذي انعقدت فيه الأمسيات والندوات، ما جعلنا نؤثر قطع المسافة الفاصلة سيراً على الأقدام للتمتع برؤية السوق الشعبي الواقع بين طرفي السود ولعبور الزنقات الضيقة التي لا يتعدى عرضها المترين والتي تتوسط بيوتاً قديمة الطراز ومتصلاً بعضها ببعض. وفي قلب تلك الزواريب ذات المجاري المفتوحة والمهملة يقع مقهى بئر روطة الشعبي الذي يتشاطر فيه السياح والمقيمون جلسات التدخين والسمر والشعر والأدب. ولأن المقهى المذكور كان يقع في منتصف الطريق بين الفندق والمجمع الثقافي، فقد نال النصيب الأوفر من جلساتنا اليومية الفاصلة بين نشاط وآخر. إلا أن أكثر ما يلفت في بئر روطة هو ذلك الجمل المربوط الى طاحون قديم والمحاط بعشرات المناديل الملونة التي تقصدها عوانس المدينة للتبرك بها ولاعتقادهن بأن مجرد ملامستها كافية لتسريع خطى العريس القادم. تبدو مظاهر الفقر والعوز في كل ناحية من نواحي المدينة التي يعتبرها القادمون من أوروبا ودول الغرب محطتهم الاجبارية للولوج في عمق الصحراء. ثمة تعب ظاهر في وجوه الناس يزيد من وضوحه تضافر الشمس اللاهبة والغبار القادم من الصحراء على تغضين الملامح ومضاعفة قلقها المقيم. وإذ تبدو لك تصرفات العديد ممن تصادفهم هناك غريبة ومثيرة للتساؤل، يلفتك الشاعر القيرواني محمد الغزي الى أن الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة أراد أن يجمع الكثير من بلهاء تونس ومجانينها في مكان واحد شاءه، لسبب لم يذكره، ان يكون القيروان. نبتسم أنا والشاعر المصري أحمد الشهاوي للمعلومة المذكورة ولا نعلم على سبيل اليقين ما إذا كانت حقيقة واقعة أم مجرد طرفة من طرائف الشعراء. لم يتح لي بسبب وصولي متأخرا يومين اثنين عن موعد الافتتاح أن أتابع مجمل النشاطات التي شهدها المهرجان، ومع ذلك فقد حرصت ان أكون حاضرا في العديد من محطاتها. في الأمسية الشعرية الرئيسية التي انعقدت تحت عنوان سهرة الشعر العالمي تعاقب على المنصة تسعة شعراء من أقطار مختلفة هي، الى تونس، مصر وليبيا واسبانيا وسويسرا وفرنسا ولبنان. وقد انعقدت الأمسية داخل بناء قيرواني تراثي لا يتسع لأكثر من مئتين من الحضور. إلا أن هذا الحضور كان نوعيا ومتميزا بحيث أصغى بعمق لقصيدتي محمد الغزي ذي الاسلوب المزاوج بين الانسياب الغنائي والمساورة الداخلية. كما أصغى لقصيدتي منصف الوهابي التي تناولت إحداهما عبث الشاعر باللغة والوجود فيما تحدثت الأخرى عن مدينة صور اللبنانية. وأصغى كذلك الى فتوحات أحمد الشهاوي التي تتوئم بين عشق النساء وعشق اللغة، والى الحضور الهادئ الشفاف لأولاد أحمد، وتابع باهتمام التوقيعات القصيرة والمحسوسة للسويسرية اليزابيت ديك، والتأملات المطعمة بالصور المباغتة للاسباني رودولفو هاسلر، والتقاط اللحظات الهاربة للفرنسي سيمون ستول. فيما ختم الشاعر الليبي هليل بيجو بقصيدة عمودية ذات رؤية حداثية. خمسون الجعايبي استطاعت مسرحية المخرج التونسي المعروف فاضل الجعايبي أن تجتذب العدد الأكبر من الجمهور التونسي الذي تقاطر بالمئات لمشاهدة عمل الجعايبي الجديد خمسون والذي شاركته فيه الممثلة الشهيرة جليلة بكار. إذ يكفي أن يكون العمل مذيلا بإمضاء صاحب فاميليا و المجنون وغيرهما من الأعمال حتى يتحول الى حدث استثنائي لا تقتصر مشاهدته على المثقفين وحدهم بل تتسع لتشمل شرائح متنوعة من المجتمع التونسي ترى في أعمال الجعايبي لا مرآتها العاكسة فحسب بل الصوت الجريء الذي يشير الى مواطن القهر والتخلف والفقر ويحض على التغيير. ومع أن البعض كان يظن بأن العنوان خمسون يتصدى لمأزق الكهولة أو أزمة ما بعد منتصف العمر عند الانسان، اتضح لاحقا أن المسرحية تدور حول الوضعين التونسي والعربي بمناسبة مرور خمسين عاما على استقلال تونس. ورغم أن في المسرحية الجديدة العديد من الالتماعات والمواقف الدرامية المؤثرة والمنتقدة لأحوال الأمة وعثراتها، إلا أن طولها المفرط الذي قارب الساعتين ونصف من الزمن والتكرار الفضفاض للكثير من الحوارات والمشاهد أوقع الجمهور في الملل ودفع البعض الى اعتبار العمل الأخير دون مستوى الأعمال الأخرى المماثلة للجعايبي. واللافت هنا أن المسرحية قد خلت من أي استراحة أو فرصة لالتقاط الأنفاس. على أن الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي وفر للجمهور الحاشد ثلاث استراحات قسرية ودفع الجعايبي الى رفع الصوت احتجاجا على ما يحدث. في الندوة التي انعقدت حول الفنون والعمارة، التي كانت موضوع الدورة الحالية للمهرجان، تحدث المخرج الأردني فيصل الزعبي عن العلاقة بين العمارة والسينما، كما التلفزيون، مشيرا الى الأبعاد الوظيفية والجمالية للمكان من خلال عمله الدرامي عن المتنبي والذي اختار لمشاهده الداخلية قصرا أثريا من قصور العباسيين. أما الممثلة التونسية حليمة داود فقد أشارت الى انها تكره الفضاءات المسرحية المغلقة واعتبرت أن المسرح عند العرب قد ارتبط بالفضاءات المفتوحة منذ زمن سوق عكاظ. وفيما اعتبر السوري الليث حجو أن الذي يقرر الفضاء المسرحي هو المخرج وحده، وان الممثل يكتفي بالتكيف ءو التأقلم، رأى المغربي حسن هموش أن الغرب وحده هو الذي فرض منظوره الهندسي على المسرح في شمال افريقيا ولم يكن هناك أي تناسب أو مواءمة فعلية بين المكان المسرحي وبين سياقات الأعمال ومضامينها. والى الأمسية الشعرية الرئيسية كانت هناك أمسية شعرية نسائية قرأت فيها كل من ليلى الرماح وراضية الشهيبي وسندس بكار ومليكة عبد النبي واليزابيت ديك. فيما كان ختام المهرجان مع المطرب اللبناني المعروف وديع الصافي الذي أثبت رغم ثقل سنواته الطويلة أنه ما يزال يحتفظ بالكثير من بريق صوته ودقة أدائه وفرادة حضوره أمام الجمهور. وإذ ينتهي المهرجان وينفض عقد اللقاءات والأمسيات والسهرات المترعة بالأنس والدفء والصداقة نغادر بأسى مدينة ابن رشيق القيرواني صاحب العمدة، ومدينة الحصري صاحب الموشح الشهير يا ليل الصب متى غده ونأمل ان لا يكون موعدنا المقبل مع القيروان بعيدا بُعْدَ ذلك الغد الذي لا يحل إلا مع قيام الساعة .

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة