على امتداد أكثر من ستمئة صفحة من القطع الكبير ومئات المصادر والمراجع والوثائق بالالمانية والانكليزية والعربية، يرصد أستاذ التاريخ الحديث في الجامعة اللبنانية د. عبد الرؤوف سنو في كتابه ألمانيا والاسلام في القرنين التاسع عشر والعشرين ، والصادر عن الفرات للنشر والتوزيع، متابعا ما سبق وبدأ به في كتابيه السابقين المصالح الالمانية في سوريا وفلسطين 1841 1901 الصادر في العام 1987 و النزعات الكيانية الاسلامية في الدولة العثمانية 1877 1881 (بلاد الشام، الحجاز، كردستان والبانيا والصادر في العام .1998 اذاً يواصل سنو في مؤلفه الجديد دراسة ما بدأه في أعمال سابقة، علماً أن عمله الجديد الصادر في آذار الماضي، يختلف عما سبق في أنه أكثر تخصصا في موضوعه بما هو الدور الالماني في المنطقة، من دون أن يعني ذلك أن ما يتحدث عنه هو الاسلام كدين، بل الاسلام كمعطى سياسي له كياناته وامبراطورياته ودوله وثوراته، أي ان سنو يحاول عبر هذا المؤلف، استكمال ما يمكن أن يوصف بنقص حاد في المعرفة التاريخية بالدور الالماني في هذه المنطقة الممتدة أبعد من ايران وصولا الى المغرب على الضفة الشرقية للمحيط الاطلسي، مع كل ما عرفته تلك المساحات من تحولات، خصوصا أن المرحلة التي يتناولها هي حاسمة بكل المقاييس. لكن الأبرز فيها يظل هو الناظم لهذين القرنين، بما حفلا به من تغييرات، أبرزها الاختراقات الغربية ومن بينها الالمانية للامبراطورية العثمانية وصولا الى وراثتها في أعقاب الحرب العالمية الاولى، وبروز الانتدابين الفرنسي والانكليزي وصدور وعد بلفور في العام 1917 ثم تلك الفترة القلقة التي تساقطت فيها الوعود بدعم كتابه عربي، عبوراً على اندلاع الحرب العالمية الثانية وما أسفرت عنه من استقلالات وحرب باردة، وبروز ثنائية قطبية، وانجذاب المنطقة العربية الى هذين المعسكرين. العلاقات الألمانية العثمانية يناقش سنو بداية العلاقات الالمانية العثمانية في المرحلة التي تبدأ من العام 1871 وحتى العام .1914 وهي مرحلة مفصلية لكلا الطرفين، فالامبراطورية في ذلك الحين كانت قد خرجت وهي على قيد الحياة من محنة محاولة محمد علي باشا وابنه ابراهيم، وباتت أكثر عرضة للاختراقات الفرنسية البريطانية، بل ان هذه الاختراقات سرعان ما تحولت الى احتلالات مباشرة من قبل دولتي الاستعمار القديم. احتلالات لبعض الاجزاء مع جموح نحو الاستكمال، يقف حائلا دون تصاعده تضارب المصالح الغربية إزاء تلك المساحات المترامية الاطراف بكل ما تعنيه لكل من دول أوروبا بما فيها روسيا بطبيعة الحال. بالطبع هنا تدخل ألمانيا التي تبحث لنفسها عن مكان تحت الشمس بعد أن كانت دول الاستعمار التي تتجاوز ما ذكرنا قد استكملت الى هذا الحد أو ذاك السيطرة الاستعمارية منذ أن اطلقت عمليات استكشاف العالم الجديد . التأخر الالماني عن اللحاق بالركب كانت له تجلياته السياسية كما كانت له أسبابه الاقتصادية والاجتماعية. فقد تأخرت عملية التوحيد التي أنجزها بسمارك، وباتت ألمانيا مكتملة النصاب الكياني. لكن هذه وحدها لا تكفي للدخول في حلبة المنافسة لاقتطاع حصص من الاسواق والمواد الاولية. اذ لا بد أن يسبق ذلك كله النمو الصناعي والاقتصادي بما يرافقه من آلة الحرب والجيوش وما تتطلبه من قدرات لوجستية. على أي حال ما إن أنجزت ألمانيا تحولاتها مجرد إمارات الى كيان مكتمل النصاب حتى وجدت ما يمكن وصفه بأنه إشغال كامل للكرة الأرضية من جانب من سبقها من دول أوروبية. لكن المعضلة الأبرز كانت ايضا تكمن في التوحيد الالماني نفسه، الذي اقتطع الالزاس واللورين من فرنسا والحرص على العلاقات الاوروبية الاوروبية بما لا يسمح بوقوع ألمانيا بين فكي كماشة يعيد منها ما سبق وسيطرت عليه. اذاً كانت هناك سياسة ألمانية قلقة وحذرة، خلال حكم بسمارك، سرعان ما يتم التخلي عنها عندما تكتمل المقومات. كانت المسألة الشرقية حاضرة في البلاطات الاوروبية بقوة، وكان التوسع هنا بالضبط ما دامت المعادلات المعتمدة تقضي بالحفاظ على رجل أوروبا المريض حياً. وهكذا نجد بعد اكتمال العدة اندفاعة رأس المال الالماني نحو آسيا الصغرى كموقع للاستثمار الاقتصادي السياسي سواء عبر عن نفسه في مد خطوط سكة الحديد أو في إرسال البعثات العسكرية لتدريب الجيش العثماني أو تصدر مدافع كروب لجيش الامبراطورية الذي يتعرض للتراجع في العديد من ميادين القتال المندلع تحت وطأة الخلخلة التي تعانيها هذه الامبراطورية التي تحتضر، بينما الذئاب المتربصة لا تستطيع الانتظار أكثر مما انتظرت للانقضاض عليها وانتزاع كل منها حصتها. تباعاً يعمد سنو الى الغوص أكثر في فصول السياسات والدعايات والتغلغل الالماني، دون أن يعني ذلك بالضرورة حرصاً حقيقياً على السلطنة العثمانية. الحرص كان بمثابة جانب من هذه السياسة، لكنه لا يمنع من التغلغل عندما تتأمن شروطه، خصوصا وقد باتت التبعية للسلطنة مجرد ستار واه لا يستر حقيقة ما آلت إليه أوضاع الاطراف من كيانيات. هذا جانب، والجانب الآخر المكمل كان الحفاظ على المعادلات الاوروبية التي إذا ما تعرضت للتجاوز أن تقود الى إشعال النار وبالتالي العودة الي مسلسل الحروب التي لم تكن قد أصبحت بعيدة بما يدفع الى الشك باستحالة عودتها ثانية الى الاندلاع. بالتأكيد مارست ألمانيا سياسة نشطة، كما أن السلطان عبد الحميد بدوره مارس سياسة موزونة بدقة، اذ ليس من السهل إغضاب فرنسا وبريطانيا واستثارة روسيا وغيرها ايضا. وهكذا امتدت سياسات ومصالح وأحداث، بلغت الصين عندما اندلعت ثورة البوكسر باعتبارها انتفاضة مسلمي هذه القارة المفتوحة في الاخرى على زحف الرأسمالية والهيمنة الوافدة. ألمانيا وبلاد الشام يقدم سنو في مؤلفه عن ألمانيا وبلاد الشام، ويخصص القسم الثالث من الكتاب للمرحلة التي امتدت بين 1831 حتى العام ,1918 وبلغت ذروتها في زيارته الامبراطور وليم الثاني الى مصر و لبنان وسوريا وقبلهما الى السلطنة نفسها، ويرصد مواقف الصحافة، لكن أهم ما في هذا الفصل هو أمر مختلف تماما، اذ انه يقع تحديداً في المشروع الذي حاولت بروسيا تسويقه من أجل تدويل القدس ووضعها تحت الحماية الاوروبية، وكيف كان هذا المشروع يتطلب عقد صلات مع بريطانيا، وهنا تم اعتماد الجانب التبشيري الانجيلي عبر مطرانية القدس الانكليزية البروسية. كان المسعى يتطلب اولا الاعتراف بهذه الكنيسة في القدس التي ما تزال تخضع لسلطة السلطنة، وتحقق ذلك، بينما كان المشروع أبعد غورا ويتعلق بالتوطين اليهودي في فلسطين على ضوء الاوضاع التي كان عليها اليهود في ألمانيا نفسها. هذا القسم الذي يعبر على موقع لبنان والحضور منذ نظام القائمقاميتين سيتتابع فصولا وتدخل فيه الحركة البروتستنتية بقوة دون ان تستطيع زحزحة النفوذ المكين للحركة اليسوعية. في هذا الجو الصاخب الذي يحيط بالمنطقة من كل جانب تأتي زيارة الامبراطور في العام 1898 والمحطات التي توقف فيها والكلمات التي قالها في خطبه، لا سيما تلك التي عبر عنها على قبر صلاح الدين الايوبي في دمشق وتقديمه للضريح ثريا. اذاً لا تختلف السياسات الالمانية سوى في القليل من السياسات الانكليزية والفرنسية، اذ ان كل ما في الامر ليس أكثر من دخول متأخر عبر بوابة السلطان العثماني والجامعة الاسلامية، علما ان سواها اعتمد ايضا سياسات مركبة، تقوم في جانب منها على العلاقات السياسية مع الاستانة وجانب آخر على الاقتحام وبناء رؤوس جسور أو احتلال مباشر كما الذي تعرضت له مصر والجزائر وغيرهما. ستأتي الحرب العالمية الاولى بالنتائج التي أسفرت عنها لتطيح بالامبراطورية العثمانية وبشبكة المصالح الالمانية التي بنيت تباعا للوصول من برلين الى البصرة عبر سكة الحديد وقطع الطريق براً على البحرية البريطانية، وستجرجر كلا الدولتين أذيال الهزيمة بين الحربين، ثم ستندلع الاخيرة ليخرج الى النور مشهد مختلف قوامه دولة تركية منكفئة على ذاتها، وألمانيتين واحدة تدور في الفلك السوفياتي واخرى في المدار المغربي، وستنتج الاخيرة مبدأها لشتاين لحرمان عزيمتها من الاعتراف بها من دول العالم الثالث، بينما ستعمد الثانية الى الافادة من مناخات المرحلة لتدمير هذا المبدأ، وستسفيد من علاقات بون تل أبيب لتوجه ضربة قوية لعدوتها، تعادل التعويضات التي قدمت لدولة اسرائيل وشحنات الاسلحة التي زودتها بها. سياستان ألمانيتان اذاً، واحدة تنفذها ألمانيا الشرقية والثانية تمارسها ألمانيا الغربية وكل تملك مواقع قوة تحاول استغلالها من أجل تثبيت موقعها، اللافت في الامر ان بون تمكنت رغم تلك العلاقات المكينة القائمة بين مصر عبد الناصر وبرلين وموسكو من أن تحافظ على مواقعها رغم سحب الاعتراف بها، اعتماداً على الاقتصاد والمساعدات التي تقدمها، وعندما طرأ تعديل على مبدأ هالشتاين، لم تمانع العديد من الدول العربية أن تعترف بالالمانيتين معا، بما في ذلك الدول التقدمية ، فما يحققه الاقتصاد من الصعب على السياسة أن تزحزحه. اذ ظلت ألمانيا الاتحادية في أولوية الدول المصدرة للمنطقة. الفصل الاخير الذي يحمل الرقم الثاني عشر قد يكون الاكثر متعة من الكتاب وهو المخصص لعالم الاسلاميات الالماني فريتس شتبات وفيها يتناول منهجيته ومواقفه من قضايا الاسلام والقضايا العربية المصيرية كقضية فلسطين والقومية العربية والصراع الصهيوني والثورة الناصرية وغيرها. يقدم سنو عبر مؤلفه الذي يعود فيه الى مئات الوثائق والارشيفات تفاصيل مذهلة عن الصراع الالماني من أجل بناء موقع في الدول الاسلامية، ويكمل نقصا حقيقيا تعانيه المكتبة العربية، اذ مقابل عشرات ان لم نقل مئات الكتابات التي لاحقت مواقف كل من بريطانيا وفرنسا وروسيا، ظلت ألمانيا مجرد ظلال تبرز في أعمال جزئية. يبقى القول ان الكتاب الذي يتوقف رصداً عن العام 1972 كان يمكن أن يستكمل حتى انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية وجدار برلين، ليجعل من هذا المؤلف عملا موسوعيا وكاملا في هذا التاريخ، الذي سيكون ما بعده بالتأكيد مختلفا عما سبقه من صراع بحثا عن مكان تحت شمس الشرق. تتعدد الوسائل لكن الهدف لا يختلف عن الآخرين في تحقيق المصالح، التي لا تتورع عن استعمال ما يكرسها بما في ذلك الدين الآخر عبر الادعاءات أو البعثات التبشيرية بالطبع.