As Safir Logo
المصدر:

ثمانمئة ضيف وسبعون منتدياً ومئات الفنانين في مهرجان المدى الثقافي الخامس في أربيل هل يصلح الجواهري ما أفسده صدام حسين من ودّ بين الثقافتين العربية والكردية

المطربة صبيحة إبراهيم... بعد عز
من ندوات المهرجان، ويبدو السيد هاني فحص في الوسط
رأس الجواهري... رمز المهرجان، في حديقة عامة بأربيل
لوحة للفنان نوري الراوي من معرضه
المؤلف: بزون احمد التاريخ: 2007-05-09 رقم العدد:10693

أربيل : قد تكون الكتابة عن مهرجان المدى الثقافي الخامس الذي أقيم في أربيل، عاصمة إقليم كردستان، بين 29 نيسان الماضي و6 أيار الجاري، صعبة وسهلة في آن؛ صعبة إذا أردنا الإحاطة بكل ما جرى في هذا المهرجان، لكثرة ما دار من ندوات ونقاشات طاولت مشكلات العراق بالطول والعرض، وجالت في الثقافة والسياسة والاقتصاد. وسهلة إذا أردنا الكلام في عموميات ما حدث، متنقلين بين العلامات والمعالم الأساسية. الأرقام نفسها قد تؤدي مهمة الكشف عن ذلك، فالمهرجان استضاف حوالى ثمانمئة مثقف عربي وكردي وأجنبي، هذا العدد من الحضور، الذي ملأ فنادق المدينة كلها، يكفي لإعطاء صورة عامة عن حجم المهرجان، خصوصاً إذا علمنا أن غالبية هؤلاء الضيوف كانت فاعلة، أي مشاركة في الندوات والأنشطة الفنية والمعارض التي شغلت أربيل على مدى سبعة أيام متواصلة، بل شغلت كل أجهزتها الأمنية، التي كانت مهمتها توفير الأمن في بلاد قريبة من أحزمة التفجير المتنقلة. وسط شيوع الهاجس الأمني، الذي جعلنا ننتقل من مكان إلى آخر مع كل ما يلزم من احتياطات أمنية ومرافقة عسكرية، بدأت إذاً الأنشطة التي ضمت، في ما ضمت، الندوات التي توزعت على 14 محوراً، شملت ما لا يقل عن 70 مشاركاً، بالإضافة إلى الأمسيات الشعرية التي تعاقب عليها ما لا يقل عن عشرين شاعراً عربياً وكردياً من أجيال مختلفة، على رأسهم كبير شعراء كردستان شيركو بيكه س. والأمسيات الفنية التي تنقلت بين العرض المسرحي والغنائي والسينمائي، وقد بلغت 24 عرضاً. وماذا لو أضفنا أيضاً معرضاً للكتاب أقامته دار المدى، في المناسبة، مع عدد من الدور العربية، ومعارض تشكيلية أبرزها معرض استعادي للفنان العراقي نوري الراوي بعنوان ملاذات آمنة ، ومعارض أخرى ضمت أعمالاً ل 74 رساماً ونحاتاً وخزافاً عراقياً. وكانت الصورة الفوتوغرافية لها حيزها الأساسي أيضاً، كتلك الصور النادرة التي تروي سيرة الشاعر العراقي الجواهري، الذي أهدي إليه أسبوع المدى الثقافي هذا، وتنويعات تشكيلية وتخطيطات وفوتوغراف في معرض لفيصل لعيبي، وصور فوتوغرافية تروي قصة رماد العنقاء في شارع المتنبي بعدسة علي طالب، وتلك التي تنقل معاناة الناس ومشاهد من الحياة العامة بعدسة قتيبة الجنابي، وفوتوغراف عن بغداد لمقداد عبد الرضا، ومعرض كاريكاتور بمشاركة 13 فناناً عراقياً عربياً وكردياً. إلى جانب هذه المعارض، معرض مؤثّر جداً يضم ما تبقى من الكتب المحروقة في انفجار شارع المتنبي، وآخر هو معرض للحرف الشعبية من كردستان إلى الفاو، ومعرض للأزياء الفولكلورية الشعبية. بارزاني هل يكفي هذا السرد لعناوين الأنشطة لنفهم ذلك الصخب الثقافي الذي وُضِعْنا وسطه، وبتنا على حيرة من أمرنا، فالندوات والأمسيات الشعرية كانت تجري، يومياً، دفعة واحدة، وبالتوازي، في صالات أربع، أما الأنشطة الفنية فكانت تجري في صالة مخصصة بذلك داخل الفندق، الذي ضم غالبية الضيوف، والذي أطلق عليه أصحابه من بعيد اسم شيراتون . كان الجمهور يتحرك من ندوة إلى أخرى غير مضطر لسماع ما لا يرغب، ساعياً إلى تلبية فضوله المعرفي، أو تحقيق حضوره المعنوي، فهنا ندوة اقتصادية، وهناك ثقافية، وهنالك تربوية... الافتتاح كان في صالة سيتي هول في وسط أربيل، والمعارض أقيمت في صالة المعارض التابعة لحديقة الشهيد سامي عبد الرحمن الفاتنة، التي تضفي بعض الجمال إلى وجه العاصمة الشاحب، وتضيف فسحة التخفف من غبار المدينة وضجيج ورشها المنتشرة في كل مكان، والتي احتضنت تمثالاً لرمز المهرجان وعنوانه محمد مهدي الجواهري. فالافتتاح غاب عنه راعيه رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني بسبب السفر، وغاب عنه من كان يفترض أن ينوب عنه، رئيس حكومة كردستان نيجيرفان بارزاني بسب المرض، فألقى كلمة الرعاية سكرتير المكتب السياسي للحزب الديموقراطي الكردستاني فاضل ميراني، سبقه في الكلام محافظ أربيل. ولم يغب عن كلمة ميراني الجواب على تساؤلات كل من لاحظ سحب اللغة العربية من شوارع كردستان، الإقليم الذي لا يزال عراقيا حتى الآن، إذ قال: إن المظاهر السطحية لا تعكس عمق الصلة التاريخية والثقافية التي تجمع بيننا... وهي في طريقها إلى المعالجة والحل ، وهو يقص غياب اللغة العربية بالطبع. لا بأس، فالأكراد أحرار في إقليمهم، لكن كلام المسؤول ووعوده لم تقنع أحداً من المثقفين العرب الذين تكلم باسمهم، بل باسمه الشخصي، الكاتب الأردني شاكر النابلسي. أما فخري كريم، العراقي الكردي بامتياز، فحمل إلينا خطاباً عراقياً جامعاً، وهو، عملياً، قدم في عاصمة كردستان مهرجاناً ثقافياً عربياً، ما أثار حفيظة عراقيين عرب، احتجاجاً على عدم قيام مثل هذا المهرجان العربي في عاصمة أخرى عربية، وقد بدأته المدى في دمشق كما هو معروف، وربما احتجاجاً على قيامه بحضور عدد كبير من المثقفين العرب في عاصمة تعمل على إلغاء اللغة العربية من قاموسها المدرسي والشعبي، كما أثار حفيظة مثقفين أكراد رأوا في المهرجان إقحام الثقافة العربية لفضاء كردي يطمح إلى تصفية حسابه مع هذه الثقافة. الجواهري بدا فخري كريم كأنما يخاطر ويغامر في المشي بين سيفي التعصب، من هنا وهناك، لكنه استطاع أن يقطع المسافة بقوة المهرجان الذي لم يكن عادياً، إن لجهة عدد ضيوفه، وعدد المشاركين في فاعلياته، وبسبب الضجة الإعلامية التي رافقته. كان على فخري كريم أن يقطع المسافة، إذاً، بين الفريقين بسلطان ، وإلا فقد جسم المهرجان أعضاءه في الطريق. ولا بأس إزاء ذلك أن استعان مؤسس المهرجان بالجواهري الشاعر العربي الكبير الذي أحب الكرد ونظم في شيمهم قصيدة نقشت بجانب تمثاله في الحديقة السابقة الذكر مطلعها: قلبي لكردستان يُهدى والفم/ ولقد يجود بأصغريه المعدم . استعان بالجواهري، ليكون رمزاً وعنواناً أساسياً للمهرجان، وقد وزعت المدى كتاباً عنه مجاناً في المناسبة، ووزعت في كل اليافطات والمنشورات بخط عريض جملة لنتذكر الجواهري ، مضافاً إلى عنوان آخر جامع هو: ثقافة ديموقراطية.. لعراق حر . لعل ضجيج المهرجان استطاع أن يخفي بعض الأصوات المعترضة التي سمعناها أو سمعنا بها أو قرأنا ما سطرته في منشورات عربية. لكنه ليس ضجيجاً من دون طحين، فالمحاور التي توزعت بين الفكري، النسوي، السياسي، الإعلامي، الفني، الثقافي والأدبي، العلمي والتكنولوجي، والاقتصادي، لم تذهب مع ريح عودة المثقفين إلى أوطانهم أو منافيهم، كما لم تبقَ في أثير الصالات التي أقفلت خلفهم، إنما كان لبعضها صدى تعدى حفل الكلام والخطاب الفارغ، إلى اقتراح خطوات عملية لإنقاذ بعض انهيارات العراق. فالنقاش المتعلق بأوضاع كردستان خرج بتوصيات منها: استحداث هيئة اقتصادية خاصة بالاستثمار في قطاع السياحة، بناء قرى سياحية، الاهتمام بالصناعات الفولكلورية التي تعبر عن الموروث الشعبي الكردي، اصدار دليل لخارطة استثمارية خاصة بالقطاع السياحي، توفير قاعدة للمعلومات عن قطاع السياحة في الاقليم، وضع استراتيجية تنمية اقتصادية للإقليم، المباشرة بإقامة البنى الاساسية المختلفة من اجل اقامة صناعة سياحية، والاهتمام بالتنمية الريفية. إلى جانب هذا النموذج من التوصيات التي يمكن أن تأخذ بها حكومة إقليم كردستان، هناك توصيات أخرى في المحاور الثقافية والاقتصادية والعلمية والإعلامية، وفي محور التطرف الديني، لا تتسع لها هذه التغطية. إنما علينا أن نلمّح إلى أن المحور المتعلق بالفكر الديني وحركات التطرف الديني لاقى استجابة الجمهور وحشده ورغبة شديدة في المشاركة، وكذلك كانت الأمسية الشعرية التي شارك فيها شيركو بيكه س. الخبرة الناقصة الأنشطة الفنية، في أي حال، كانت أكثر جذباً لجمهور أربيل، من خارج إطار الضيوف. وقد شهد يوم الافتتاح مسرحية جمهورية الجواهري لعقيل مهدي يوسف، وحفلاً غنائياً أحياه الفنان ياس خضر بكل ما أوتي من حنان وليونة في صوته، وتعاقب على الأمسيات الغنائية مجموعة من مطربي العراق: فؤاد سالم، حسين نعمة، وصبيحة ابراهيم التي طلت من تجربة عتيقة بصوتها العذب، وفرقة غناء تراثي من جنوب العراق. وكانت لافتة الأمسية التي أحيتها فرقة كيجان التي تضم 33 فتاة كردية من السليمانية (يرعاها الرئيس جلال الدين طالباني)، أمتعتنا بشغلها على تحديث التراث الموسيقي الكردي، وبصوت مطربة الفرقة شيلان عوسمان. ولاقى عزف العراقي أحمد المختار استجابة حسنة، وهو ينقل التراث الموسيقى، بمهارة، مدموغاً بمزاج شخصي رومنسي، وفضاءات تنبع من الحنين إلى الأمكنة الحميمة والأحداث الراسخة في الذاكرة. المسرحيات، تعاملت عموماً مع حال التسرع لتلبية مناسبة، وقد سبق الاعتذار عن الارتباك مسرحية أحزان المتنبي لمخرجها جبار المشهداني، في حين غلب الحضور النصي، وأحياناً الخطابي، على عدد آخر منها، من دون أن يخلو بعضها من احتراف تمثيلي على درجة عالية من الإبداع، وفي المناسبة فقد خصّ رئيس مؤسسة المدى فخري كريم الممثلة العراقية الرائدة ناهدة الرماح بجائزة الجواهري لهذا العام عن مجمل أعمالها الفنية ، وقدرها خمسون ألف دولار أميركي، كما كرّم الروائي فؤاد التكرلي بجائزة رمزية هي كناية عن مسلة حمورابي . أما الأفلام فتصدرها اثنان: الأول أغاني الغائبين لليث عبد الأمير، الذي استطاع أن يتصيد اللحظات المكثفة لسيرة وطنه العراق، من خلال توثيق الأماكن والأحداث الجسام التي تركت علاماتها المؤلمة في تاريخ العراق. والثاني الفيلم الروائي مرثية الثلج لجميل روستمي الذي استطاع أن يختصر أيضاً تقاليد المجتمع الكردي من خلال قصة حب لفتاة تواجه ضغوط أسرية واجتماعية، وقد ترك الكاميرا تبرع في تصوير جماليات المناطق الجبلية في منطقة كردستانية محاذية للحدود الإيرانية، وفي تقديم لقطات تفصيلية تكمن فيها مهارة التصوير والمتعة البصرية. حفل الاختتام حضره رئيس مجلس النواب في إقليم كردستان ليعوض غياب المسؤولين في الافتتاح، وألقى فيه، عن المثقفين العرب، السيد هاني فحص كلمة مؤثرة حركت في داخله شجناً معتقاً، وحباً للعراق لن يشفى منه، فبكى وأبكى، ودمع العراق رقراق. لا شك في أن عدد الأنشطة وكثافتها و الدسم الذي تختزنه كانت أكبر بكثير من أن تستوعبها لجنة منظمة، وإن كان فخري كريم، محرك العمل في هذا المهرجان وصاحب المدى للثقافة والفنون ، يساوي بشخصه المفرد ورشة كاملة. ما جعل المهرجان يئنّ تحت حالات من التسرع، والتداخل السلبي للأنشطة، والفوضى في تشكيل الطاولات المستديرة، والتكليف المباغت للمشاركين في الندوات. ولا يمكن أن تطمس بعض الثغرات التي أوردناها تلك الجهود الكبيرة التي قدمها منظمو المهرجان الذي اضطر بعضهم إلى إحياء ليالي بيضاء، أو كما يقال وصل الليل بالنهار. ولا بأس أن نذكر هنا بعض الانزعاج الذي تبدى على وجوه بعض الضيوف، جراء الخبرة الناقصة لللعاملين في الفندق الذي ادّعى اسم شيراتون زوراً، على أن بعض الثغرات كانقطاع الكهرباء يخضع لظرف عام تعيشه كردستان، خصوصاً إذا علمنا أن الكهرباء الرسمية لا تصل البيوت إلا ساعتين أو ثلاثا في اليوم، ولا ننسى هنا، بالطبع، تلك السهرة الاضطرارية التي قضيناها في لوبي الفندق حتى الرابعة فجراً، بسبب عطل في مولّد الفندق لم يتم إصلاحه إلا بعد ثلاث ساعات. خلاصة القول إن الذهاب إلى أربيل العاصمة، التي لا تزال مسكونة بالريف والفقر، والتي تشبه قرية كبيرة، أضاف إلى ذاكرتنا الكثير عن شعب لاقى من اضطهاد دكتاتور العراق وإجرامه ومن إهمال العرب والترك والفرس ما جعله يكفر بكل الأوطان التي حسبت عليه ولم تحتضنه، ويبحث عن تحقيق ذاته في وطن طالما أزهر في أحلام الأكراد القومية.. إنها ردة فعل طبيعية كنا نشعر بها في أروقة المهرجان، وفي صالونات النقاش، وفي الشوارع والأسواق الشعبية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة