As Safir Logo
المصدر:

اللغة جسر لتسويغ الفعل السياسي وكم من كلمة صنعت حدثاً عبد السلام المسدي: ينتشي العرب من بلاغة الخطاب لكنهم زاهدون في علم صناعته

عبد السلام المسدي تصنيع الواقع يمر عبر تصنيع الخطاب
المؤلف: الحمامصي محمد التاريخ: 2007-03-30 رقم العدد:10663

كان المدخل للحوار مع المفكر التونسي د. عبد السلام المسدي كتابه الأخير والصادر هذا الأسبوع في القاهرة بعنوان (السياسة وسلطة اللغة)، هذا الكتاب الذي يعالج فيه بالرصد والتحليل علاقة السلطة باللغة عبر نماذج ووقائع حديثة، ويخلص فيه إلى أن اللغة هي السلاح الأقوى في العلاقات الدولية من المال والولاءات ويطالب فيه المثقفين بتفكيك شفرة الخطاب السياسي. وتشغل إسهامات وأطروحات د. المسدي العلمية والنقدية والفكرية مكانة بارزة علي خارطة الثقافة والفكر العربيين، فضلا عما يشغله حضوره في فعاليات الثقافة العربية ومتابعاته الفكرية التحليلية والنقدية المتميزة. يعمل أستاذا للسانيات في الجامعة التونسية وعضو المجامع العلمية للغة العربية في كل من تونس ودمشق وطرابلس وبغداد، وعمل من قبل وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي في تونس، وسفيراً لبلاده لدى جامعة الدول العربية وهو قبل هذا وبعده مهتم بالعلوم اللغوية والنقد الأدبي وتحليل الخطاب السياسي، له العديد من المؤلفات، منها: التفكير اللساني في الحضارة العربية ، و اللسانيات وأسسها المعرفية ، و قضايا في العلم اللغوي ، و ما وراء اللغة ، و مباحث تأسيسية في اللسانيات ، و الأسلوبية والأسلوب ، و النقد والحداثة ، و مراجع النقد الحديث ، و قضية البنيوية ، و مساءلات في الأدب واللغة ، و في آليات النقد الأدبي ، و بين النص وصاحبه . في إطار مشروعك النقدي ما موقع كتابك الصادر مؤخرا بالقاهرة عن الدار المصرية اللبنانية (السياسة وسلطة اللغة) ضمن مجالات اهتماماتك أي ضمن المشروع الفكري الذي تطمح إلى تحقيقه حيث يشتغل الكتاب على فكرة تشكل جزءا رئيسا من حياة السياسة والمجتمع العربيين وعلاقات السياسة العربية داخل المجتمع الدولي؟ } على مدى عقدين من السنين (1977 1997) دارت بحوثي والكتب التي نتجت عنها حول اللغة في مستويين اثنين: عندما تكون وسيلة للتداول، وعندما تكون مطيّة للإبداع الأدبي في الشعر كما في النثر، وفي هذه الحقبة اهتممت كثيرا بإعادة قراءة التراث في مخزوناته المتعددة. وفي العقد الأخير (1997 2007) مع مواصلة ما دأبنا عليه توسعت دائرة اهتمامنا إلى مجالات أخرى، من أبرزها حقل الثقافة الإنسانية بمفهومها الواسع؛ وهكذا تناولت مسائل تخص الواقع العربي، وقضايا الصراع الحضاري، وجدلية الأنا والآخر، وكان المحور الجوهري في كل هذا هو السياسة، وأعني في نفس الوقت قضايا الفعل السياسي وقضايا التفكير السياسي. وفي هذا الصدد نشرت ثلاثة كتب: العولمة والعولمة المضادة، والعرب والسياسة، واتقوا التاريخ أيها العرب. واليوم أنشر كتابي هذا وأنا واع أنه انتقال آخر في مسيرتي الذهنية، وفي تعاملي مع قضايا الفكر في علاقته بالإنسان وبالتاريخ وبالوجود. ففيه سعيت إلى إقامة جسر بين حقلين واسعين، يستقل الواحد منهما عن الآخر، وهما علم اللسانيات وعلم السياسة، ولكننا على وجه التحديد حاولت أن أسلط الضوء على علاقة اللغة بالسياسة من حيث إن اللغة فاعلة في السياسة. ما يطرحه الكتاب يختلف عن السائد ويمثل إضافة مهمة لكن برأيك ما مدى جدّة الموضوع أو طرافته؟ } لقد جرت العادة بأن يهتم اللغوي بتجليات اللغة السياسية باعتبار ما فيها من دلالات استثنائية، أو ما تتلبس به من إيحاءات مجازية، أو ما تتوسل به من بلاغة وخطابة بغاية إحداث التأثير. وقد أصبحت تلك الأبحاث تندرج ضمن ما يعرف بعلم تحليل الخطاب. أما ما قصدت إليه هذه المرة فهو شيء مختلف عن السائد في هذا المجال، سواء في حوافز البحث وغاياته، أو في منهجه وأساليبه. لقد سعينا إلى النظر إلى اللغة بوصفها جسرا لتسويغ الفعل السياسي، وذلك من منظورين، الأول حين تنبري اللغة لإضفاء الشرعية على الفعل بعد وقوعه، والثاني عندما يقع توظيفها لتهيئة النفوس كي تتقبل الحدث السياسي قبل وقوعه. اللغة والسياسة وهل تعتقد أن البيئة العربية مستعدة لتقبل هذه التصورات الجديدة في تناول موضوع اللغة والسياسة؟ } ليس مألوفا عندنا أن نبحث في الآليات المحركة للغة في مجال السياسة لأننا لم نتشبع بعد بنواميس استراتيجيات الخطاب عامة وبقوانين استراتيجيّات الخطاب السياسي تخصيصا. فقد يدفعنا الحدث السياسي إلى الوقوف برهة على اللغة، وقد نستشهد ونحن نبحث في اللغة بقولة جاءت على لسان أحد السياسيين، ولكننا لم نعهد اتخاذ التقاطع بين الظاهرتين مجالا للبحث والاستكشاف. إن البحث الموضوعي في علاقة اللغة بالسياسة لا يلغي وقوف الباحث على درجات السلم القيميّ، بل كثيرا ما يكون الانتماء الأخلاقي والالتزام بمواثيق الحق الإنساني والانخراط في معايير العدل المطلق هي التي تحفز الباحث على أن يرى في علاقة اللغة بالسياسة ما لا يراه غيره. نحن نرى إذاً كيف تتعدد دوائر النظر كلما حاولنا إلقاء النور على الجسور الواصلة بين السياسة واللغة، وتتشعب أدوات الرصد والتحليل كلما خفيت علينا السلطة التي يكتسبها الخطاب، ومردّ هذا الخفاء أن مفهوم السلطة يستحوذ عليه الحدث السياسي فلا يخطر على بال الجمهور في الشائع من الأحوال أن يقيم اقترانا بين اللغة وهي إبلاغ واللغة وهي صانعة للفعل السياسي ومحققة لحيثيّات إنتاجه، أما أن تتحول اللغة أحيانا فتمسي هي جوهرَ الحدث السياسي في ذاته ولذاته فهذا مما لا يستوعبه الوعي العام إلا إذا انبرى الدارس اللغوي يبصّره به. أين العرب من هذا المشهد الكوني الجديد الذي آل إليه أمر تسخير اللغة كسلاح سياسي فتاك؟ } لا يقوم أمر السياسة ولا يهون موردها إلا إذا آزرها المال وعَضَدها السلاح، وتلك حقيقة قديمة غدت من بدائه العقول. أما الآن فإن قوة المال وقوة الأعتاد في حاجة إلى سلاح الخطاب، وجزء من المأساة أن اللغة كلما ظن أهلها أنها فصيحة بنفسها، بليغة بذاتها، ازدادوا زهدا في علم صناعة الخطاب وفي علم تفكيك الخطاب، ثمّ يزداد بعدئذ ابتعادهم على الركب في ملحمة التسابق الكوني على كسب معركة الخطاب. لن يفيد العرب كثيرا أن يمتلكوا سلاح المال، ولا أن ينفردوا بمخزونات النفط، ولا أن يتطلعوا إلى توظيف الطاقة الذرية سلميا ما لم يمتلكوا سلاح الخطاب. لن يحقق العرب انتصارا سياسيا في الساحة الدولية إلا إذا أتقنوا صناعة الخطاب، وتمرسوا بآليات تفكيك الخطاب، وتفوقوا في مهارات توظيف الخطاب. فبلاغة الخطاب شيء يعرفه العرب وينتشون به، وفصاحة الخطاب شيء يدركه العرب ولكنهم لا يقدرون عليه إلا بالارتياض العسير، أما صناعة الخطاب فشيء آخر يعثرون عليه بالصدفة ويقفون حياله مشدودين بالإعجاب، فمنهم من يوفق فيه عند الأوان ومنهم من لا يستبصره إلا بعد فوات الأوان. إن اللّغة سلطة كثيرا ما تندسّ داخل نسيج السياسة حتى لتكاد تحتكر لُباب الفعل والقرار، وكم من منعطف كانت فيه الكلمة هي الصانعة للحدث السياسي وهي الراسمة لمعالم الموقف بكليته. ولئن كان هذا هو دأبَ اللّغة مع السياسة منذ القديم فإن تطور الحياة وانفجار منظوماتها قد أعاد ترتيب البيت حيث تسكن تحت سقف واحد السياسية واللّغة. كل لفظ موقف في كتابكم أسهبتم في تحليل قانون لغوي جديد سميتموه قانون الانخراط الدلالي، فكيف ربطتم بينه وبين تحليل الخطاب السياسي؟ } إن الأحداث السياسية الكبرى قد أفقدت اللّغة حيادها وأفقدتها أيضا براءة التعبير، لم يعد بإمكاننا العثور على خانة بين خانات اللغة نقف فيها على حياد من الحدث، لقد تمّ إقحام اللغة وإقحام مستعملها في مسؤولية السياسة، لم يعد لنا هروب من اتخاذ موقف من الواقع السياسي بمجرد أن نحرك شفاهنا باللغة. لننظر في هذا المثال: عندما يهجم فلسطيني أو عراقي أو أفغاني أو شيشاني على كتيبة إسرائيلية أو أميركية أو روسية، فيفجر عليها عبوته من المتفجرات، وتريد أنت أن تتحدث عن الخبر، فلا مناص لك من استعمال أحد الألفاظ التالية لتصف الفاعل: الفدائي أو المقاوم أو الاستشهادي أو الانتحاري أو الإرهابي، ومع كل لفظ أنت ملزم بالموقف الذي يجعلك منخرطا فيه رغما عنك. لقد عرف العرب كيف أن مجرّد اختيار لفظ مكان لفظ آخر للحديث عن الواقعة الواحدة يلبسهم مسؤولية سياسية جسيمة، فمنذ فجر الثاني من شهر آب 1990 واجه العرب محنة الانخراط الدلالي: من قال (دخول الجيش العراقي إلى الكويت) دل على أنّه من أنصار نظرية الإقليم التاسع عشر، ومن قال (غزو العراق للكويت) دل بألفاظ كلامه أنه من أنصار تحرير الكويت بأي وسيلة وبأي ثمن. وحتى الذين قالوا (احتلال الكويت) لم يشفوا غليل الكويتيين لأن لفظ (الاحتلال) يحمل في مظانه إقرارا للحدث في الزمن وهذا في حد ذاته مرفوض عند أهل الكويت، فكان أهون عليهم أن يتحدث الجميع عن (فترة الغزو) فالمحنة العربية اقترنت بقانون الانخراط إذ لم يبق للغة مجال تلتزم فيه الحياد حيال الحدث، لم يعد في قاموسها لفظ إذا استعمله المتكلم دل على أنه يقف في الدرجة الصفر من الدلالة بحيث لا يشي كلامه لا بمناصرة الفاعل ولا بمناصرة المفعول به. تبعا لقانون الانخراط الدلالي كيف ترى لمسؤولية الإنسان بين السياسة واللغة؟ } اللغة علامات ولكنها علامات تدل إذا حضرت وتدل إذا غابت، وعندما تحضر قد تدل بما تقول وقد تدل بما توحي به دون أن تقوله، وربما أوهمت أنها تقول وتعرف أن المتلقي سيستدرجه إيهامها ولكنها تحتفظ بما به تنكر أنها أوهمت. وفي كل الأحوال نحن الذين نصطنع البراءة باللغة، ونحن الذين نتوسل بها لنقيم جسوراً من التواصل بيننا وبين الوجود الخارجي، ونحن نحوّلها إلى أداة تصنع المكر وتمعن في الكيد وتؤثث محفل الإغاظة. لقد كان كافياً أن نسمّي، أن نُطْلق اسما، أن نصطلح على الأشياء اصطلاحا نريده ونحمل الناس عليه بعد أن نُضْمر ونُبيّتَ. كان كافياً أن نسمّي الدفاع عن الحقّ إرهاباً. كان كافياً أن نسمّيَ مقاومة المغتصبين للأرض إرهاباً. كان كافياً ألاّ نتحدّث عن الاستماتة في سبيل الحق بلفظ الاستشهاد وأن نتحدث عنها بلفظ الانتحار . كان كلّ ذلك كافياً كي نحوّل الأفكار إلى ترسانة للاحتشاد وإلى وقود للاستنفار. كان كافياً أن يقع تخليق فكرة في الأنبوب داخل ورشة صناعة الأفكار حتى يَتمّ تخليق أعظم تواطؤ في التاريخ داخل معسكر السياسة الدولية الحديثة. كان كافياً أن يكتب الدكتور غازي القصيبي وهو سفير المملكة السعودية لدى بريطانيا قصيدة يرثي فيها الفتاة آيات الأخرس التي فجرت نفسها حتى تطلب الحكومة البريطانية رحيله في أسرع وقت، فغادر دون أن يتمكن من مراسم التوديع وكان عميداً للسلك الدبلوماسي، ومنذئذ أصبح يتحدث بذلك للناس جميعاً كما فعل في صحيفة الفينيق التي تصدر في عمان. ولماذا عنونت الكتاب ب(السياسة وسلطة اللغة) ولم تعنونه ب(اللغة وسلطة السياسة) وهو الأقرب إلى التوقع؟ } إن اللّغة في الوجود أداة مطلقة، وهي في السياسة قيمة مقيدة، وتجري العادة بأن الناس يهتمون بالحدث السياسي دون أن ينتبهوا ملياً للصياغة التي نحكي بها تفاصيل الحدث، وبذلك تراهم يطابقون بين الحدث السياسي والخبر السياسي. عند بداية الوعي بوزن اللّغة في صناعة الفعل السياسي ينتابنا السؤال التالي: أيهما أشد إغراء وأكثر إمتاعاً: أن نبحث في السياسة من خلال اللّغة أم أن نبحث في اللّغة من خلال السياسة؟ إن السياسة واللّغة قرينان متلازمان، حيثما رأيت الواحد بدا لك الآخر، فإن لم يتكشف لك بوجهه فاعلم أنه ثاو وراء قرينه، وليس من قول في السياسة إلا خلفه فعل سياسي لأن القائمين على أمور العباد لا يُنشدون أشعاراً وهم يسوسون، ولا يطمحون إلى صنع الجمال وهم يحكمون، وما من فعل سياسي إلا وهو يُنتج بالضرورة خطاباً، فإما هو خطاب الحاكم فهو ساعتئذ امتداح وزهو وتبرير، وإما هو خطاب المحكوم فهو تظلم وارتياد إلى الأفضل، كان الفعل في السياسة هو الذي يجر اللغة إليه جرّا، فهي أبد الدهر محكومة به، ولكن الوضع قد تغير، وتوشك الأدوار أن تنقلب فيه أحيانا، والسبب أن سياسة أمور الناس داخل الأوطان قد كانت هي الأصلَ وهي المبتدأ، وتأتي بعدها سياسة الروابط بين الوطن وسائر الأوطان في الأرض المعمورة، ثم حصل الانقلاب على مدار العقود فأصبحت سياسة الوطن محكومة بشبكة العلاقات المعقدة القائمة بينه وبين سائر الأوطان. في ضوء هذه الرؤية كيف ترى الجديد في علاقة اللّغة بالسياسة مقارنة بالإرث الإنساني العريق بين المجالين؟ } لقد تغيّرت طبيعة العلاقة بين الخطاب السياسي ومقومات البلاغة، لم تعد الصورة الشعرية حلية خارجية يزدان بها القول السياسي إذا حضرت نفعت وإذا غابت لم تضر. لم تعد طلاء في العبارة إذا أطل ازدان بها القول وتجلى بهاؤه وإذا انحجب لم يتعطل الكلام في أدائه فيواصل تأمين وظيفته حتى ولو تناقص جمال العبارة فيه. إنّ الصورة الشعرية هي في البلاغة الجديدة التي جاءت بها السياسة الجديدة جزء محايث لمضمون الخطاب السياسي سواء جاء خبراً، أو تراءى موقفاً، أو صيغ صوغ القرار، أو سيق مساق الفعل ورد الفعل. لقد انصهرت آليات الصورة البلاغية في حيثيات الخطاب السياسي فكفّت الصيغة الشعرية عن أن تكون تسلية للسياسي، وكفّت السياسة عن أن تكون تسلية للأديب، أو للناقد، أو للباحث في اللّغة وفي أسرار الدلالات. هل يمكن برأيك الحديث عن بلاغة سياسية، أو عن شعرية جديدة في الخطاب السياسي؟ } لقد حولت السياسة الجديدة وظيفة اللّغة القديمة فجعلتها دائرة على المخاتلة: في الأدب في الشعر كما في النثر الفني نأتي بالصورة ونحن راغبون في أن نقول إننا أتينا بالصورة، ولولا حياء اللّغة والأدب لتسابق الأدباء والشعراء إلى الإعلان عن مواطن الصورة في كلامهم، ولتوسلوا بألف مسلك كي ينصّوا على سياقات الجمال ومنعرجات الفن ونتوءات الفصاحة في صميم كلامهم الذي هو أدب وجمال وفن. أما في السياسة فصنّاع الخطاب المهرة ينتجون الصورة الشعرية وكلهم رغبة في أن يتكاسل الوعي عن إدراك أنها صورة، وظيفة الأداء تزداد إلى كلامهم بقدر ازدياد غيبوبة الإدراك لدى المستقبلين لرسائلهم من عامة الناس وفيالق الجمهور. فهل نقول إن البلاغة الجديدة هي بلاغة الخطاب المرآوي؟ ليكن. فلسنا في سياق يبيح لنا إرسال الأوصاف الأخرى من خطاب ماكر، أو خطاب خادع، أو مخاتل، أو مضلل، أو مراوغ. وإن كانت كلها من الألفاظ التي قد يحوّلها العقل إلى مصطلحات علمية بحثيّة عقلانية بعد أن ينزع عنها إيحاءاتها المزاجيّة أو حيثيّاتها القيميّة المرتبطة بمعيار الأخلاق المطلقة. ليكن. ولتكن معه لدينا قناعة راسية دائمة هي كالقانون الجازم: أنّ تصنيع الواقع يمرّ عبر تصنيع الخطاب. ثمّ ليكن لدينا أيضا قناعة أخرى: أن السلطة الجديدة في عالم السياسة الفكرية هي بعد السلطة الدستورية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية ثمّ السلطة الإعلامية سلطة صناعة الخطاب المطبوخ بحذق ومهارة داخل ورشات إنتاج الخطاب. سيرة كتاب مَن مِن الباحثين في هذا المجال بين اللسانيين ترونه أقرب إلى هذا المجال الذي حددتموه؟ } الحقيقة أن المهتمين عادة من بين الأكاديميين بهذه الأمور هم الفلاسفة وعلماء الاجتماع والمختصون بالعلوم السياسية في بعض الأحيان، ولكن التغيرات الطارئة على المجتمع الإنساني دفعت بجموع أخرى من العلماء إلى الانخراط في ميثاق المثقف العضوي الذي هو مثقف ملتزم ونقدي بالضرورة، ومن أبرز الوافدين إلى هذا الميثاق والقادمين من حقل اللغويات وحقل النقد الأدبي الأميركي نوام شومسكي والفرنسي ذو الأصول البلغارية تزفيتان تودوروف. أما الأول فإن غزارة إنتاجه في حقل النضال السياسي لم تفض به إلى البحث عن العلاقة العضوية بين اللّغة والسياسة، وإنما ظل يكتب كمثقف يقاوم كل مظاهر الهيمنة المتولدة عن عقدة الاستعلاء، وكان همّه دائراً على أفعال السياسة. وأما تودوروف الذي التحق بركب الكتابة السياسية متأخرا نسبيا رغم عمق التجربة التي دفعت به سابقا إلى الهجرة من بلاده هروبا من القمع فإنه ينتهج أسلوب قراءة الواقع الإنساني من خلال أبعاده التاريخية مع توظيف عميق لعوالم الرمز، فهو يتخذ الثقافة جسرا لفك ألغاز الإنسان والتاريخ. إلى أي مدى يمكن اعتبار كتابك هذا ثمرة لتجربتك السياسية، إذ سبق لكم أن توليتم منصباً وزارياً ثم توليتم مناصب دبلوماسية، وهل نستطيع أن نقول إن الذي كتب هذا الكتاب هو الوزير والدبلوماسي السابق أكثر مما هو عالم اللسانيات الأكاديمي؟ } ليست المسألة بهذه البساطة، ولكن أستطيع أن أؤكد أن الذات الأكاديمية كانت هي التي تقود الكائن السياسي موظفة تجربته لصالحها، وبالمناسبة أريد أن أصرّح بأن خبرتي بالسياسة قد كانت سابقة جداً لاضطلاعي بمسؤولياتها، فلقد نشأت مسيّساً، وكانت فترة التحصيل الجامعي من أخصب الفترات في حياتي سياسيّا، وقد كنت أومن بأن الجامعة مدرسة للسياسة ولفلسفة الحياة العامة قبل أن تكون تحصيلا دراسيا محددا باختصاص معيّن. وبناء على ذلك وجدت نفسي بعد انتهاء مهامي الوزارية والدبلوماسية مدفوعا بطلاقة تامة نحو ممارسة التفكير السياسي النقدي، وهذا مما لا تجود به الحياة إلا نادرا. ليس للقارئ إلا أن يتعجب من هذا الكم الهائل من الشواهد والأحداث الموثقة توثيقا بالغ الدقة، وقد يتساءل: كيف كنت تعمل على إنجاز الكتاب؟ وكيف استطعت أن تلم بكل هذه الأشتات من الأقوال والوقائع؟ } نحن، في واقعنا العربي، ما زلنا نعمل بطرق لم تتطور كما تطورت عند غيرنا، فكتاب كهذا كان من المفروض أن ننجزه ضمن مشروع بحثي يرعاه مركز من مراكز البحث في الدراسات الإنسانية، أو في الدراسات الاستراتيجية، ثمّ إنّه من المشاريع التي يتمّ إنجازها ضمن فريق من الباحثين. ولكن الحيثيات الموضوعية لمؤسساتنا الأكاديمية والبحثية تجعل هذه التصورات من الأحلام الموؤودة تلقائيا. لذلك عكفنا بأنفسنا على تحقيق حلمنا بمفردنا، فاقتضى ذلك منا عشرة أعوام قضيناها في جمع مادته، ثم تبويبها، ثمّ استخلاص محاورها، وبعد ذلك سوّينا لأنفسنا منهجا أفضى بنا إلى حفر أنفاق عديدة لم نكن في البداية نتخيل أنّنا سنفتحها. لم يكن عملنا سهلا لأننا لم نكن نهتدي بنماذج أخرى سابقة في هذا المضمار. كنت في كتابك تنوّع الأمثلة والشواهد من كل الفئات السياسية، ومن كل القيادات، ومن مختلف الأحداث والوقائع، ولكن كثيرا منها قد جاء مرتبطا بما يحصل في العراق منذ تمّ غزوه في أبريل ,2003 فهل كنت تكتب هذا الكتاب لولا ذلك الحدث الكبير؟ } فكرة الكتاب قد انبثقت في فكرنا خلال عام ,1994 أي بمجرد شيوع مقولة النظام العالمي الجديد التي ظهرت مع حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية لتجديد ولاية بيل كلينتون عام .1992 غير أن أحداث غزو العراق قد أمدّتنا بمادة غزيرة من الشواهد الدالة على تشظي اللغة وانفجار وظائفها من الداخل تحت وقع الاستخدام السياسي الموغل في المكر والابتزاز. لقد فقدت السياسة الأميركية جزءا كبيرا من صوابها بأحداث (11 9 2001) وفقدت جزءا آخر منه بهجومها على أفغانستان ثمّ سارعت إلى فقدان كل ما بقي منه بغزوها العراق. والغريب هو أن الرئيس الأميركي جورج بوش قد أعاد أمام العالم بأكمله إنتاج صورة الرئيس العراقي صدام حسين. لقد أصيب صدام حسين بجنون العظمة في لحظة تاريخية أولى (22 9 1980) عندما هجم على إيران فجسم بصنيعه الغباء السياسي ثمّ أصيب ثانية في (2 8 1990) عندما غزا الكويت فجسم العمى السياسي . وبين أفغانستان والعراق لم يكن من جورج بوش إلا أن جسم الغباء أولا ثم العمى ثانيا. المهم هو أن فقدان الصواب سياسيا قد أصاب اللّغة بالعدوى فأفقدها نجمتها القطبية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة