As Safir Logo
المصدر:

من المأمون وتيمورلنك إلى كافكا ونجيب محفوظ سلطان الحلم

أ.ر بانك الألماني مواليد 1939
المؤلف: الحجار احمد التاريخ: 2007-03-23 رقم العدد:10657

تقول الحكاية ان الخليفة العباسي المأمون رأى ارسطو في الحلم، الذي نبهه الى اهمية الحكمة اليونانية. وقيل ان الخليفة استعان بتفسير ابن سيرين لرؤيته بأن الفلسفة اليونانية سيعاد احياؤها في عصره. ويبدو ان المأمون كان يريد بذلك تبرير رغبته بترجمة كتب الفلسفة اليونانية الى اللغة العربية امام الفقهاء الذين لا يحبون ذلك او يعتبرونه حراما. فهو كان معتزليا كما هو معروف، والمعتزلة كانوا يحترمون ارسطو وغيره من فلاسفة اليونان ويعتبرونهم مراجع كبرى للعقل البشري. منام الخليفة العباسي، وهو على الأرجح حكاية اسطورية لا دليل على صحتها، كان الشرارة التي أطلقت عصر الترجمة والنهضة الفكرية والفلسفية في الثقافة العربية الكلاسيكية. تقول حكاية أخرى ان تيمورلنك كان يولي مناماته اهمية قصوى، وكان مفسرو الأحلام ينتشرون في بلاطه، بل ذهب البعض الى الاعتقاد بأن انتصارات تيمور كانت احد وجوه رؤى المنامات التي كان يعيشها. وقد اعتبر ابن حجر الهيثمي في كتابه الصواعق المحرقة ان تيمورلنك كان اظلم خلق الله، لكنه رأى في المنام، أن الله غفر له لأنه كان يحب ذرية النبي. والحال ان بعض السياسيين سخّر المنامات وايمان الناس بها لتحقيق مآرب سياسية. ويستشهد الباحث العراقي الراحل علي الوردي بتفسيرات الاحلام التي ذكرها ابن حجر الهيثمي فيقول انه كان من وعاظ السلاطين، حيث اخذ بمدح الاسر الحاكمة وذكر الاحلام التي تأمر المسلمين بحبهم والرضوخ لحكمهم واحترامهم. يرى الوردي أن علماء الاجتماع في الغرب لا يرون أن هناك صلة وثيقة بين الاحلام وتأثيرها على الناس، وهو عكس ما يجري في بلادنا، لأننا من اكثر الأمم تأثرا بالاحلام من الناحية الاجتماعية . وان كثيرا من عقائدنا نشأت ونمت من جراء ما نسبغ على احلامنا من صبغة قدسية. وان بعض رجال الدين يعتقدون أن الأحلام تنطق احيانا بالوحي الذي لا يجوز الشك فيه. وقد جرى العوام وراء رجال الدين في هذا الشأن الى درجة كان لها اثر اجتماعي بالغ السوء. حتى ان الرئيس العراقي الراحل صدام حسين زعم انه رأى الرسول في المنام يحثّه على الجهاد ضدّ الايرانيين، افترض الحيلة المنامية لفرض رغبات سياسية معينة في حروبه العشوائية والقبائلية، ولا ننسى الملا عمر الذي حلم كثيرا في أفغانستان، فكان من نتاج احلامه مجزرة 11 ايلول 2001 في الولايات المتحدة. المجزرة الواقعية التي تشبه المنام من خلال صورتها، اذ تخطت كل الخيال السينمائي الهوليوودي. عدا عن السياسة والدين، المتأمل في النصوص الأدبية العالمية يلاحظ مدى توظيف الحالات الحلمية في ثنايا الكلمات. فقد أشار احد الباحثين الى حقيقة مفادها أن للأحلام تأثيراً مباشراً يشبه شاشة عرض ينعكس عليها تطور المجتمعات. اذ احتلت الأحلام مساحة شاسعة ليس على مستوى تجسيدها حقائق ما فحسب، بل أيضا لارتباطها بمعطيات أخرى كالأعراف والتقاليد. وفسر فرويد الاحلام بأنها تحقيق مقنع للرغبة المكبوتة او المضغوطة، ونظريات التحليل النفسي الحديثة التي تقول بأن الاحلام ما هي الا تشخيص لمشكلات الانسان. وغالبا ما تلجأ الأحلام الى الرموز لتخفي الاغراض التي يحضرها المجتمع . اما آنا ماري شيمل فقد بحثت في كتابها احلام الخليفة (صدر لدى دار الجمل) ونقبت في النسيج المشرقي عن توظيف الأحلام سواء في السياسة او في الأدب او في الدين والتصوف، وكتابها يقدم في كثير من الأحيان ما قاله المفسرون المسلمون العرب وغيرهم في تأويل رؤى المنام، غير أنه يتميز في هذه الناحية بأنه يشير إلى دلالات بعض الأمور العصرية. تقول شيمل إن مفسري الأحلام يرون تشابها بين النوم والموت، فالنوم هو موت قصير تذهب فيه الروح الى عوالم أخرى وتعود عند اليقظة. ولم يبتعد الفلاسفة المسلمون عن هذا التفسير، فالكِندي يذكر ان الإنسان الذي يعدّ حاملا للنشاط الحلمي لديه مَلكَة توطين الخيال، إذ تقع بين الحكمة والإدراك. واذا كان ابن سينا والفارابي يشيران الى ان ملكة التصّور تلعب دور الموجه في الحلم، بينما توصل ابن رشد الى استنباط مفاده ان الأحلام عبارة عن نتاج نفسي يختلف عن ذلك النتاج المعرفي الذي يحدث في حالة اليقظة. أي أن الحلم هو حاصل تفاعلات نفسية قسم منها امتداد لليقظة وقسم منها لتأثيرات أخرى غير معلومة. وكان جلال الدين الرومي مؤمنا ايمانا يقينيا بقدرة الإنسان على الإبحار في داخله حيث تربض الرؤى الكاشفة. والاحلام عند المتصوفة رباط يجمع المريد بشيخه، وكلما زادت علاقتهما وثوقا كلما تمازج حلماهما او استكمل أحدهما منام الآخر. تشابه الأحلام نوع من الوصال الروحي الذي يبحث المتصوف عبره عن ضرب من الشوق والتشوّف. في الادب لا يختلف امر الأحلام عن الفلسفة او الواقع الاجتماعي، فالمبدع هو حالم تأتيه الرؤى التي تعود به الى رحم الطفولة الأول كما يقول غاستون باشلار. يضيف أن نقرأ الشعر يعني أساساً أن نمارس أحلام اليقظة. ويوضح في كتابه الماء والأحلام أنه بإمكان حلم اليقظة أن يتوصل بقدر كاف من الثبات كي يحقق كتابا مكتوبا، كي لا يكون مجرد فراغ لساعة هاربة. وان يعثر على مادته أو على عنصر مادي فيمنحه جوهره الخاص به، وقاعدته الخاصة به، وشاعريته الخاصة به. والأدباء لا يرون الاحلام في الليل بل يعيشونها في كتاباتهم، اذ تكون مملكتهم في المعنى. وإن اقتربوا من الحلم الهذياني تزدَد عبقريتهم ربما، ويلقوا حماسة من القراء، واذا ما ابتعد واحدهم عن الحلم ربما غرق في الجفاء. ف في الحلم وحده نقترب من العالم ، على ما يقول احد الروائيين الفرنسيين. وليس للأحلام لغة واحدة عند الادباء بحسب ما نستنج من كتبهم، ولا يوظفونها توظيفا متجانسا. فبودلير في جانب من كتابه سأم باريس يميل الى استلهام أحلام اليقظة السوداء، ويعتبر الحلم لغة هيروغليفية . واعتبر بعض النقاد ان حلم بودلير كان في تحقيق معجزة النثر الشعري، ذلك النثر الذي يكون موسيقيا بلا وزن ولا قافية، طيعا، متناغما مع حركات الروح، وقد حقق هذا الطموح حين كتب قصائد نثرية . اما غوته فقال: ان الانتهاك المستمر يمارسه الحلم شيئا فشيئا جعل الحياة مستحيلة في وسط كانت تسود به الوقائع . ونقرأ في وصية نيرفال الأدبية اوريليا ان الحلم حياة ثانية . اما ارثور رامبو فقد كان ثملا بالأحلام ولغتها، ينظر الى الشعر ويعتبره كلمات لا افكاراً، يستنبطها من الكوابيس التي تراوده. يكتب موقع الامبراطور كانت الأحلام في رأس رامبو! أكبر من رحم القصيدة! وأشد ضراوة من مولداتها. فرامبو لم يحلم يوماً! بقدر ما كان يطلق الألعاب النارية في فضاءات شاسعة! من أجل الاحتكاك بالنيازك! كي يكون الشعر من فصيلة الألماس! لا من فضلات طحين الجسد ولا من أطيان الخرائب الشاهقة الألسن في عالم تئن فيه الأنفس طويلاً! ولعل نظرية رامبو في ذلك تتجلى في رسالة الرائي (او العراف) التي كتبها الى احد اصدقائه عام ,1871 عرَض فيها تصوّره لنظرية جديدة للشعر، قال إنه على المرء أن يكون رائياً على المرء أن يجعل نفسه رائياً. يجعل الشاعر نفسه رائياً عن طريق تشتيت الحواس كلها تشتيتاً طويلاً كبيراً ممنطقاً. كل أشكال الحب، الألم، الجنون: يبحث في نفسه، يستنفد كل السموم التي في نفسه، ليحتفظ بخلاصاتها الجوهرية فقط. عذاب لا يوصف يكون فيه بحاجة الى الإيمان كله، القوة الخارقة كلها، ويصبح فيه بين الجميع المريض الأعظم، المجرم الاعظم، اللعين الأعظم، والعارف الأكبر! . ويضيف في مكان آخر ان الشاعر سارقُ نار حقيقي. لقد أوكلت اليه الانسانية، بل حتى الحيوانات نفسها، وعليه ان يجعل الآخرين يشعرون بابتكاراته، يمسكونها، يسمعونها. فإذا كان لما يأتي به من الما وراء شكل، فإنه يعطي الشكل. وإذا كان بلا شكل، فانه يعطي اللاشكل البحث عن لغة. وفضلاً عن ذلك، لما كان الكلام كله فكرة، سيأتي الزمان لغة كونية! . انه الحالم الذي تتجلى عبقريته في كسر اللغة وتحطيمها، وبناء لغة أخرى على أنقاضها وهي ما نسميه: الحداثة الشعرية . وإذا كان رامبو قد انتبه إلى أن اضطراب الكلمات هو نتيجة اضطراب الحواس الذي هو نتيجة اضطراب الواقع، اذ تصبح ذاكرتك وإحساسك غذاء الدوافع الخلاقة كما دونها عام 1873 في فصل في الجحيم . ثم يمضي في تصوير تلك الفوضى المقدسة التي يراها، قائلاً: لقد اعتدتُ الهلوسة البسيطة وكنتُ أرى بوضوح كبير مسجداً مكان مصنع، عربات على دروب السماء، صالوناً في قاع بحيرة . فتش رامبو أول ما فتش في الأحلام، كان يحلم بابتكار لغة لم يكتبها أحد، واخذ البلاغة وقصف رقبتها على حد قول البرناسي بول فيرلين 18441896 بحثاً عن المفردة المضمرة في المخيلة، المفردة الأكثر تقبلاً للذوبان في الهواء ، وهي من ثم الأقرب إلى الحلم كما يصفها بودلير. رامبو الرائي، كتب اشعاره في مرحلة من حياته تداخلت فيها لحظات الجنون بالعبقرية، كان يقول عقلنا الشاحب يخفي المطلق عنا ، وهو مسكون ب البحث عما وراء الافق . في حين كان شيللي يحلم في اثناء اليقظة ويدخل في غيبوبة شبيهة بحالة الصرع، واعترف شوبان بأنه الف المارش الجنائزي في غرفة يسودها الظلام الدامس، أي في جو شبيه بجو الحلم. وكولدرج كتب في أثناء الحلم ثلاثمئة بيت، إلا انه تذكر منها اربعة وخمسين بيتا فقط. وفولتير ألف احد أناشيده في اثناء الحلم. وستيفنس جاءته فكرة روايته دكتور جيغل ومستر هايد عندما كان يحلم. اما اكيرا كوروساوا فكان يدون أحلامه فور استيقاظه. وانغمار برغمان يدين بالفضل لعدد من نجاحاته السينمائية للمخرج الروسي اندره تاركوفسكي وأفلامه الحلمية! وكان باسكال قد قال ان الواقع ثابت بينما الاحلام مضطربة ومتغيرة، ولو كان الإنسان يملك حلما واحدا فقط واستيقظ كل مرة بين ناس آخرين وفي محيط آخر لخيل اليه ان الواقع حلم ولكان الحلم يحمل صفات الواقع، وقال فاغنر ان كل ما ألفه سمعه في الحلم. حلم السوريالية في العدد الاول من مجلة الثورة السوريالية ، التي اصدرها الفرنسي اندره بروتون في عشرينيات القرن الماضي، نقرأ نصوصا لمنامات بروتون والرسام دو شيريكو وآخرين. كتابة المنام، بالنسبة الى السورياليين، كانت مدخلا الى الكتابة الاوتوماتيكية، التي تحوّل اليقظة لمنام، وبحث عن لاوعي الكلمات. حاول الشاعر السوريالي الوصول الى اللاوعي، استنادا الى الكشوف الفرويدية وتحليلاتها للمنام. وكانت الأحلام عند فرويد، كما هي عند برتون، الطريق التي تقودنا إلى اكتشاف اللاشعور، وهي لدى معظم السورياليين ذات أهمية خاصة لأنها تعكس ما هو خفي في أعماقهم، وهي بذلك تشبه وثائق قادمة من عالم خفي ومدهش معاً. وحمل العدد الأول من مجلة الثورة السوريالية نماذج لنصوص عن أحلام ثلاثة من رواد السوريالية هم بروتون، دي كيركو، رينه غوتييه، وجاءت تحت عنوان: إن الأحلام وحدها هي التي تقود الإنسان الى الحرية . الارجح ان هذه العبارة معكوسة، أي أن الحرية تقود المرء الى الحلم، خصوصا في ظل المجتمعات و التابوية . مهما يكن فالحرية والحلم شقيقان. ومن هنا تبرز المخيلة قوة إبداعية تأخذ مكانها إلى جانب العقل والمنطق أو كبديل منهما، لأنها تمثل ما فوق الواقع، وهو معنى السوريالية. على ان الرسام ميرو اتخذ من احلام الطفولة وخيالاتها منابع واستلهامات لأشكاله البسيطة التي تهوم وتنطلق في العاب الفرح الانساني وتنفصل عن كل قوانين الاتصال بالواقع. كان ميرو يرسم رموز الاحلام ليحرر نفسه من الرقابة، ويضع اللاشعور واللاعقلانية فوق الوعي والعقلانية فإنه يقوم بتحرير الاصطلحات التشكيلية التقليدية لممارسة حريته الكاملة وصوغ لوحته التي حشد فيها الرموز المجردة والتي باتت تضيء اي مكان توضع فيه اللوحة. ولئن كانت السوريالية تعتبر ان الأحلام تقودنا الى اللاشعور، ورامبو يحطم اللغة في احلامه، ودوستويفسكي يعتبر ان الحلم هو الامكانية الوحيدة لعقد الاتصال مع العالم الآخر، فبورخيس كان يعتبر الاحلام عملا جماليا، ومهنة، اذ كتب قصصا مبينة تماما على الحلم، ربما كان لها دور في تشبثه بالحلم، اذ انه وظف الرؤية في غياب البصر، ومنحه عماه الخلوة، ومعنى آخر للوقت، وشوش عنده التمييز بين مستويات الوعي، وادخله في مدارات متداخلة من الحلم واليقظة، حتى انه كان يكرر عندما يكتب إحدى قصائده انها جاءته في الحلم وأنه مجرد ناسخ لها. ويفضل اعتبار الحلم عملا دراميا، يكون الحالم فيه المسرح والمتفرجين والممثلين والقصة، ولا يمكننا ان نفصل حلمه عن عماه، اذ كان سببا اضافيا لتضافر الاحلام في وعيه. اما فلوبير الذي دون ذروة إبداعه في روايته مدام بوفاري ، فقد كتب مرة ... يجب ان يعيش المرء لندائه الباطني، ويصعد في برجه العاجي، وهنالك، كراقصة وسط عطورها، يبقى معتزلا مع أحلامه . لكنه كان يعرف جيدا ان مثل هذا الاعتزال لم يكن خاليا من بعض المخاطر كما كان يبدو، ولذلك فقد كان يشعر، من وقت لاخر، وفي مختلف الأحوال والظروف، بأنه مضطر للاختلاط بالمجتمع حتى لو كان متقلبا، كما كان مجتمعه في أيامه. واعترف برسالة موجهة الى تورغينيف لقد حاولت دائما ان أعيش في برج عاجي، لكن سيلا من الغائط كان يرتطم بحيطان ذاك البرج الى ان تداعى . على ان النداء الباطني الذي يتحدث عنه فلوبير، تقوله الكلمات تحوله صورة جميلة للخيال. مسخ كافكا بين الروائيين، كان كافكا اكثرهم كابوسية في احلامه، وفي روايته المسخ ، يستيقظ غريغور سامسا (بطل الرواية) ذات صباح فيجد نفسه بحسب ما يعتقد قد تحول لحشرة ضخمة، يرى حلما مزعجا لكنه يقول لم يكن حلما ، يضع غرائبيته في مصاف الواقع. هل كان كافكا يعيش الأحلام ام ازمة الرقاد؟ هل عاش الحلم في الكتابة ام في الواقع؟ هل قمع والده اربكه وجعله يغرق في الكوابيس والأرق؟ يروي الكاتب هانس غرد كوخ في مقالة له ان كافكا كان يعاني طوال حياته من الأرق، وكان لديه حنين دائم الى النوم. وفي يومياته ورسائله، يعود بإعجاب دائم الى مشكلات النوم والاستيقاظ، فمثلا في سنة 1922 لاحظ ان الناس في المساء أصفى منهم في الصباح. والوقت الكائن قبل الاستسلام للنوم بسبب الإرهاق هو الوقت الحق للتحرر من الأشباح، لأنها جميعا تطرد ولا تأتي الا حين يتقدم الليل، وفي الصباح، ربما كان نفيها غير ممكن ولكنها تكون هناك، ويبدأ الرجل السليم عملية طردها من جديد . هذه الفقرة، وهي تكاد تكون عكسية للتفسير الفرويدي، أي ثمة خلاص تطهري من ضروب الكبت من خلال الأحلام ولا اية عملية من التسامي وإنما من احتشاد ضغوط اللاوعي، وقد تكون ذات أهمية للنقاد ذوي التوجه الى التحليل النفسي كما يقول النقاد. كان كافكا يشكو من ارقه، وفي يومياته يصف أحلاما صحيحة او تخيلات بين النوم والأرق، يستحضر ما عاشه في ماضيه، او يملأ مسبقا مواضيع ومشاهد نصوصه بالحياة. مع ان هناك مسافة بين الاثنين. واللافت ليس في ان كافكا كان يعيش الأرق بل في أن لغته وعباراته تشبه الأحلام، ولهذه الأسباب، كانت ولا تزال ساحرة، ونادرة. أنطوان تابوكي وفي كتابه احلام احلام: محكيات حلمية متخيلة (ترجمة رشيد وحتي عن دار الجمل) يجمع انطوان تابوكي بين النقد الفني، والتخييل، والشعر، والرمز. يقوم هذا الكتاب على فكرة طريفة: هل نستطيع أن نحلم أحلام الآخرين؟ أو هل نستطيع ان نعيد بناء هذه الاحلام؟ يعني هذا بكل تأكيد أن نتقمص الآخر في أعماق لاوعيه حيث تتشكل هذه الاحلام كي نستطيع ان نتصورها، او أن نحلمها . ويطرح تابوكي هذا السؤال بالنسبة لبعض الشخصيات التاريخية التي صادفها في حياته. فالكتاب يقدم عشرين حلما لشخصيات متنوعة بدءا بالعصر اليوناني وصولاً حتى العصر الحديث. لم يختر تابوكي هذه الشخصيات عفويا، وإنما اختار ممن دمغوا حياته النفسية والادبية منهم الشعراء (أوفيد، فييون، ماياكوفسكي، لوركا، بيسوا) ومنهم الفنانون التشكيليون (كارافاجيو، غويا) ومنهم العلماء (فرويد) ومنهم الرحالة (ستيفنسن). ويتبع تابوكي في هذا الكتاب المسار العكسي في تأويل الاحلام، فبدلاً من ان يفسر هو الحلم جاء الحلم قراءة تأويلية لحياة، يقدم الدوافع الدفينة الكامنة وراء حياة هؤلاء الناس وأعمالهم . فهو نقد فني في ثوب إبداعي جميل، كتابة إبداعية منبثقة من الكتابة النقدية. يصرح تابوكي في احد حواراته: يمكن ان ننسى في لغة ما وأن نتذكر في اخرى. اصلا، اظن ان اللغات ليست فقط ادوات للتواصل، انها فضاءات للتذكر. اذا قمت بتجربة ما في لغة، بعينها، فإنك تستعيدها من خلال الذاكرة بتلك اللغة نفسها كما في الحلم، لا تقوم ابدا بالترجمة . يكتب احلام المبدعين الخلاقين الذين احبهم. نقاهة نجيب محفوظ وبرغم ان المشرق العربي استورد الأنماط الأدبية النثرية الحديثة من الثقافة الغربية، وذلك في القرن التاسع عشر، فإن الأنواع الأدبية الشرقية الناشئة قد استقت أيضا من تراثها القصصي السابق. فنجيب محفوظ قدم نموذجا فريدا لهذا الاندماج بين التراث والتأثر بالثقافة الغربية، حتى ان احد أعماله الذي نشر عام 1982 يحمل عنوان رأيت في ما يرى النائم . ونشر كتابا عنوانه أحلام فترة النقاهة . ويقول في احد مقالاته الصحافية في شقتي الصغيرة في شارع النيل، في القاهرة، أنا أعيش أحلامي .(...) أنا الذي كتبت اكثر من خمسين رواية ومجموعات قصصية كثيرة، اضافة الى النصوص المسرحية، لم اعد اقدر على التأليف والكتابة واكتفيت بالحكايات القصيرة جدا، التي تقوم على الاحلام. لكن حدود الاحلام هائلة! انها احلام حقيقية، تنبع من النوم، أو أحياناً من حالة التأمل، وأنا أقوم بتحويلها الى قطع ادبية. فأنا لا اكتبها تماماً كما اتلقاها في الاحلام. بل هي تدور في رأسي وتدور وتتحول وتتبدل. انها خيمياء غريبة. هناك الفكرة الخام. وهناك التحلق الأدبي. وهذا يعمل في معظم الأحيان. ولكن احياناً هو لا يعمل . كتب بعضهم ان احلام فترة النقاهة تذكر بأعمال الكاتبين الارجنتيني بورخيس، والاميركي ادغار الآن بو، وبخاصة في قصصهما القصيرة المكثفة المركزة وعوالمها الغامضة ونزعتها الصوفية ومحاولة تفسير العمل كأنه لغز محير، فهو يحكي عن أمه وأخته وسيد درويش، ويجعل اخته تتحول في الحلم الثامن الي نجمته السينمائية المفضلة غريتا غاربو ونظرت الى اختي فإذا بها قد تحولت الى الممثلة السينمائية غريتا غاربو وهي ممثلتي المفضلة وطرت من السعادة بغير اجنحة وملأ السرور جوانحي، غير ان ذلك السحر لم يدم طويلا . ثم إذا به يفقد غريتا غاربو حين تختفي فجأة مثل طيف في احلامه. عين نجيب محفوظ الحلمية ترصد من خلف ستار الحلم، مجريات واقع معيش، احداثه ومجاعاته، رعبه وعبثه الآن. اما الياس خوري فقد كتب في روايته كأنها نائمة (دار الأداب) عن منامات ميليا التي كانت تستخدم مناماتها بوصفها امتدادا لحياتها، والعكس صحيح. كل كاتب يحتاج لدراسة خاصة تبين مكنونات النداء الباطني الذي يتحكم به، من رامبو وكافكا وبودلير وصولا الى الرسم والموسيقى.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة