لطالما أٌخذ على المندفعين والمنظرين لعمليات إعادة الاعمار، ان مفهومهم للاعمار كان مقتصرا على إعمار الحجر دون البشر. بقدر ما كان هذا المأخذ صحيحا، لناحية إهماله العنصر البشري، بقدر ما كان ظالما بحق الحجارة في بلادنا ايضا! ولطالما اعتبر أصحاب نظرية أنسنة التنمية أن البشر أهم من الحجر، وان الثاني مسخّر للاول... إلا ان التجارب برهنت، ان سوء حال البشر هي من سوء حال الحجر، ولا نستطيع أن نفصل بينهما، كما بين الانسان وجلده، أو بينه وبين بيئته. كم تغيرت أحوالنا حين أصبح الحجر مرذولا ومحتقرا، بعد أن كان رمزا لعصر بكامله! هو الذي كان رفيق الانسان الأول، جزءا منه، من حياته. كان امتدادا ليده قبل أن يصبح أداته الاولى. منه عرف أو اكتشف النار، ومنه صنع الموقد الاول. به اصطاد وقطع ودافع عن نفسه، وسد باب المغارة من البرد والاعداء. كان رمز النظام والانتظام. بواسطته ينظم الراعي مواشيه ويحدد لها مسارها. بفضله صنعت الحفافي وتأسست الزراعات الاولى، فكان الحصن والدرع. وبه تم الاستعانة لقطف الثمار وجنيها. ساهم في صنع الأواني والفخار، وهو الذي كان يسند الخابية... كان كتاب العصور الماضية. عليه نقشت الاشارات والاحرف الاولى. ولولا صلابته لضاعت حضارات وتجارب ومعارف ومعتقدات الاجداد... ولضاع علماء الآثار ايضا. كان لعبة الاطفال الاولى، ومنظف الأجسام، ودفتر الحساب، ومثقال الأوزان. هو رمز التنوع. تأمل في الرجمة، لا حجر مثل الآخر. لكل حجر فرادته وشخصيته المستقلة. انه رمز الاستقلالية والتحرر. بعكس بحص هذه الايام، رمز التبعية والعولمة. مسحوقا يخرج من أحشاء كسارة، ذليلا، مغبرا، محط شكوى وإزعاج. فقد حجر اليوم كينونته. فقد خصوصيته وأهميته والكثير من مهامه. فقد كل أدواره الاساسية السابقة. أصبح عبدا. فقد الحجر هويته. فقد كرامته. صار بحصا ! حجر الزاوية الذي بنى عليه المؤمنون بيوت العبادة حجرة حجرة... أخلى مكانه لبحص تبرعات عبدة المال، حيتان الكسارات ... أضاع الحجر طريقه. انتقل من راحة اليد الى ما تحت الارجل، بلوكاج للطرقات، ومرتعا لكاوتشوك الدواليب. أصبح رمزا للباطون البشع والشكل الموحد، بعد أن كان رمزا لتعدد الالوان ومعلما لخصوصيات المناطق وتنوع جمال طبيعة كل منها. أصبح رمزا للذل والانسحاق والتصغير والطحن، بعد ان كان رمز الفرادة والتميز. كان ابن الطبيعة وأباها، حرا طليقا، فأصبح ابن كسارة، مقيدا محصور الوظيفة. يا مقعدا صلبا يوم احتاجك مزارع لاستراحة قصيرة. يا حجر المعمار لا تغضب. يا مخدة الفلاح لا تيأس. يا ركيزة فحام دع الهواء يتسرب. يا مبرد نجار. يا مسن حطاب. افرع وتربع. يا مسطرة معاز، لا تترك القطيع يتجاوز الممنوع. يا دافئا. يا مقعد عجوز في شمس شباط. يا باردا. يا مسند عاشقين في صيف حار. يا لعبة طفل. يا فشة خلق غاضب. يا رمز الثورة الاقل عنفا. ستفتقدك الاجيال الآتية المبحصة . أما أنت، اذا أحببت، فلا تهدي حبيبتك وردة. الورد والزهر لا يدومان. اهدها حجرا. غير مغشوش، وغير منقوش... واترك له الكلام. يا حجر الماضي، يا أجمل قصيدة حب لم تكتب، ادخل قلب حبيبتي، وتحجر هناك. أنت أجمل الهدايا. أنت أجمل حكاية.