As Safir Logo
المصدر:

شهادة للشارع الشاهد

الألماني كارل أبّل (1921 ـ 2006)
المؤلف: فحص هاني التاريخ: 2007-03-16 رقم العدد:10651

أواسط السبعينيات ومع ازدياد نفوذ السيد النائب صدام حسين أحكمت قبضة المخابرات على الحوزات العلمية ومكتباتها.. ومُنعت أنواع من الكتب طباعة وبيعا. وفي صيف 1975 عرف ناجي علوش أني مسافر الى بغداد فألح عليّ أن آتي له بنسخة من كتاب تاريخي ديني، وعلى طريقة (يا غافل إلك الله) ذهبت الى مكتبة نجفية وسألت صديقي صاحبها عن الكتاب أمام جمع من الناس، فتظاهر بأنه لم يسمعني وأشار إليّ بإصبعه أن أغادر المكان فغادرته... وعندما أخبرت أصحابي قالوا: الحمد لله على السلامة.. وهل لك ثأر على هذا المسكين؟ ومع إصراري على الحصول على نسخة من الكتاب قال أحدهم: إن الأمر على عاتقي واستمهلني أسبوعا.. وبعدها جاءني بالكتاب، فسألته من أين حصل عليه فقال: من مكتبات شارع المتنبي التي تتقن اللعب على رجال الأمن فتخفي الكتب الممنوعة وتبيعها سرا لطالبيها المضطرين من دون زيادة على ثمنها. وأصحاب مكتبات المتنبي يعتبرون ذلك استمرارا لنضالهم التاريخي في كل عهود المنع والقمع مع إنصافهم للماضي الذي كان بالنسبة الى عهد البعث كأنه فسحة حرية شاسعة... وعلق بعض الأصدقاء بأنه إذا كان في القاهرة مدبولي واحد يطبع ويبيع الكتاب الممنوع، فعندنا في شارع المتنبي عشرات المدبوليين.. وتبرع كهل من الأصدقاء خبير فأخبرنا أنه في أواخر الأربعينيات اشتدت الحملة على المطبوعات الشيوعية، ووصلت في الأثناء سرا الى أحد الشيوعيين نسختان مهربتان من كتاب ستالين عن المادية فقرر أن يحاول طبع الكتاب وتوزيعه فذهب الى رفيق شيوعي يدعى جاسم الرجب لأنه شقيق الكتبي العتيق والخبير والجريء في شارع المتنبي (قاسم الرجب) صاحب مكتبة المثنى الشهيرة. فوافق قاسم على الدخول في تجربة طبع الكتاب على مسؤوليته وتم ذلك خلال أيام ووزع الكتاب بسرعة في سائر المحافظات العراقية، وما هي إلا أيام حتى نفد القسم الأكبر من النسخ وانهالت التقارير الأمنية على المراكز، فجمع ما تبقى بسرعة واعتقل الباعة وحقق معهم فأفادوا بأن الكتاب طبعة مكتبة المثنى فاعتقل قاسم الرجب، وفي التحقيق أبرز النسخة التي بين يديه موقعة ومختومة بختم الرقيب، فاستدعي الرقيب الى التحقيق وكان جوابه الى المحقق هو أنه قرأ الكتاب ولم يفهم منه شيئا ورخص في طباعته لأنه لن يفهم الناس منه شيئا.. أطلق سراح الرجب واعتقل الكتاب ونقل الرقيب الى منصب آخر.. في عهد البعث حكى الشاعر عبد الأمير معلة الذي كتب قصة حياة صدام حسين، كما أملاها عليه الرئيس. وبعد سنوات مات عبد الأمير ميتة غامضة كغيره من أدباء البعث أو الملتحقين بالأجهزة الذين ظنوا أن ممارساتهم الرديئة في حق الثقافة والمثقفين من زملائهم تؤهلهم لأن يفعلوا ما يشاؤون، حتى لو أدى ذلك الى إغضاب أحد من قيادات المخابرات أو عناصرها... فماتوا... حكى عبد الأمير أنه عندما شغل أول وظيفة في حكم البعث بدلا من التعليم الثانوي أصبح رقيبا.. ليكتشف خلال أسبوع أنه لا يوجد موظف في مؤسسة الرقابة على الكتب له علاقة بالكتاب.. وأمر بتحويلهم الى وظائف أخرى في وزارة النقل أو البلديات، لكنه عاد فتلقى أمرا بإبقائهم، وله الخيار في البقاء أو الاستقالة، فاختار البقاء وشرع في تحسين سلوكه الى أن تولى إدارة المسرح والسينما لسنوات أصبح بعدها وكيلا لوزارة الثقافة حيث تفرغ على مدى ثلاثة أشهر للتنكيل برفاقه وزملائه من المبدعين، ولم يكتف بقطع الأرزاق بل بلغ الى قطع الأعناق الى أن قُطع عنقه. في هذه الأثناء كان العراق يواصل اكتشافه للمستويات المتعددة في عبقرية الرئيس الذي ترك ظله على كل شيء وأصبح المحور المركزي للنشاط العلمي والثقافي، فانعقد مؤتمر لدراسة مساهمات الرئيس في العلوم الهندسية، ومؤتمر لدراسة إبداعات الرئيس في العلوم الاجتماعية، ومؤتمر لدراسة مصادر الإيحاء الفني في شخصية الرئيس الشاعر وكاتب القصة والمسرحية ( زبيبة والملك وغيرها). وهكذا، على مدى ثلث قرن من الزمان، استطاع الحكم أن يلغي الدولة والمجتمع معا. وكان إلغاء الثقافة شرطا لذلك، حيث أقام الرئيس من نفسه بديلا للمعرفة والفن والإبداع والكاتب والكتاب... مات من مات، والتحق من التحق طوعا أو كرها لأنه لم يطق النعمة مع الغربة وتشبث بالوطن أو تشبث به الوطن.. وهنا اخترع المثقفون والأدباء والعلماء والقراء بديلا هو شارع المتنبي. لا أريد أن أطيل في الكلام عن شارع المتنبي الذي عرفته بعضا من معرفة لا تضارع معرفة أي مثقف عراقي بتفاصيله وأسراره ومفارقاته ومعاناته وذكرياته. والمهم في رأيي أن النظام السابق قد نجح في تجهيل العراقيين أو مهّد لسيادة الجهل في العراق فانتقلنا من استبداد النظام الى استبدادات اللانظام.. وفي الحالين كانت أرواح البشر وروح الوطن أو ثقافته هي الهدف، مرة كانت الحرب منظمة ومرة ثانية أصبحت الحرب فوضى منظمة. قُتل العراقيون سابقا واستبيحت عقولهم بالدولة التي تديل لكي لا تدول ولكنها تدول، أما الآن فإن العراقيين جسدا وروحا، وطنا وثقافة، كتابا وكتبا، شعراء وشعرا، روائيين ورواية.. باحثين وبحثا... يُستباحون باللادولة لتعيدهم هذه الفوضى العارمة الى ما قبل الاجتماع.. كأن الذين حلوا محل العهد البائد يكملون مسيرته من خلال استنكافهم عن بناء الدولة من خلال إلغاء معايير الكفاءة والنزاهة والاقتصار على المحاصصة التي يتداخل فيها الحزبي مع الطائفي مع الجهوي، فتقضي على كل احتمالات النهوض. تصاب بحالة من اليأس والقرف، سمها اندهاشا أو تعجبا ما شئت، ومهما تشأ فإن مشيئتك لن تغير في بشاعة المشهد شيئا، وهو الى مزيد من البشاعة، وسم القتل والإرهاب واجتثاث الثقافة وتعميم الجهل والجهالة، سم ذلك إيمانا وتقوى، ضعه زورا أو بهتانا على عاتق الحسين (ع) وأهل البيت والشيعة والتشيع والنجف والحوزة والمرجعية، وكل المبرَّئين من هذا الجنون وهذه القسوة وهذا الهتك للدين بالدين أو تسمية اللادين دينا... أو ضعه على عاتق الحسن البصري وواصل بن عطاء والشافعي والغزالي وابن عربي وابن رشد ومحمد عبده وعلي عبد الرازق وصلاح الدين الأيوبي وابن حنبل وبدر شاكر السياب وفائق حسن وفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرحان ومحمد خضير وجان دمو وحسب الشيخ جعفر وحسين مردان وناظم الغزالي وسركون بولص.. ودجلة والفرات وبيت الحكمة... افعل وقل ما شئت واسمح لي بأن أتساءل بسذاجة: لماذا شارع المتنبي! وهل أنسى متحف بغداد! والسؤال الحقيقي: لماذا يبقى شارع المتنبي حياً في هذا البلد الذي أصبح مقبرة للأحياء الأموات والأموات الأموات؟ أتذكر قصيدة السياب (أم البروم) المقبرة التي حولتها السلطة الى ناد ليلي؟ العراق الآن ناد ليلي.. تسهر فيه مجاميع من الناس على تلاوة القرآن والأدعية وتخرج صباحا لتشرب من دم العراق.. وتسكر.. لقلنا حتى تدور جماجم الأموات من سكر مشى فينا . للتذكير فقط: لقد أفاد الذي حاول قتل نجيب محفوظ عقابا له على رواية أولاد حارتنا بأنه لم يقرأ شيئا من روايات نجيب محفوظ. أما الإسلاميون الذين كتبوا عن آيات شيطانية للملعون إياه فالمعروف لدى المتابعين أن أحدا منهم لم يقرأ الكتاب. وللتذكير أيضا، فإن القسم الذي دمر بكتبه وعمرانه وأرصفته وناشريه وعماله وزواره هو القسم الذي اسمه سوق السرايا من شارع المتنبي الذي قسمته الفتنة اللاأهلية الى قسمين. هذا القسم الأغلبية الساحقة من المكتبات فيه يملكها شيعة وهي مهتمة بالكتب التنويرية، وخاصة مكتبة عدنان الذي تفحم مع مكتبته وموظفيه ومستودعين من كتبه بعدما كان قد قام برحلة الى عدد من العواصم العربية لاستيراد كميات من الكتب التي تعالج هجوم الظلام الفكري المدعوم والآتي من القسم الآخر من شارع المتنبي الذي تزدهر فيه الكتب السهلة السطحية التعبوية والتحريضية التي تلوي عنق الدين والعلم وتنقب عن النص الديني الموضوع أي المكذوب والشاذ والعقيق والهزيل لتغطي فيه وجه الدين وعقله وقلبه وتخترع مبررات إيديولوجية للجريمة... كأن المؤمنين الجدد قد أخذوا على عاتقهم أن يقتلوا الدين بالدين ليحولوا الدين الى لادين من خلال تحويلهم المعرفة الى جهل.. إن ما يجري في العراق هو اعتراض على إرادة الخالق وحلول محله في وضع حد لحياة الناس، وهو وقوف في وجه القرآن الذي حرّض على العلم وأعلى من شأن العقل... هذا ليس عقل العراق، إنه اللاعقل الذي يجتاح عقل العراق في شارع المتنبي ويذكرك بطغرل بك الذي فتك بمكتبات بغداد وأهل السنة أولا ثم انعطف الى الشيعة مواصلا فتكه، على امتداد قرن ونصف قرن من حكم السلاجقة لم تعرف بغداد التي كانت تزدهر بالمجتهدين والمبدعين، لم تعرف أكثر من عدد لا يجاوز عدد أصابع اليدين من كبار العلماء.. إنها أيدينا أو أقلامنا أو أسئلتنا الوجودية والمعرفية.. إنهما جسدنا وروحنا اللذان يُقتلان في بغداد.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة