As Safir Logo
المصدر:

الساحر والأرنب والقبعة

المؤلف: عيتاني حسام التاريخ: 2007-03-14 رقم العدد:10649

لنتصور ان السحر المطلوب لإخراج الحل في لبنان هو من النوع المقتصر على سحب الأرنب من قبعة الساحر. يجتمع اللبنانيون المختلفون قرب المسرح ليراقبوا خروج ارنب الحل من القبعة ويبدون تقديرهم للساحر الذي نجح في إدهاشهم، مرة جديدة، مبينا لهم قصورهم وإخفاقهم عن الإتيان بما يفترض انه خدعة بسيطة. قد ينطق الساحر بالكلمة اللازمة لانجاز هذه المعجزة الصغيرة ابراكادابرا ، قبل ان يلوح بعصاه الحسرية فوق القبعة المقلوبة. في حالتنا قد تكون الكلمة السحرية هي 19+10+1 او 19+11 ، لا كبير فرق بين الصيغتين او اي صيغة أخرى قيل انها تجعل جميع الوزراء وزراء ملوكا ، طالما ان هناك من يضمن حسن التزام القوى المتصارعة بحسن التنفيذ. فالكلمة السحرية هنا، كما قبل خروج الأرنب من القبعة، منفصلة تماما عن مضمون السحر، والغرض منها على الاكثر هو جذب اهتمام النظارة بحيث يتم ترتيب كل شيء في معزل عن العملية التي يختتم بها المشاهدون المتصارعون، سهرتهم نزاعهم. ووفق السياق ذاته، لا يعود يعني في شيء اسم الساحر او لون الارنب او ما تخفيه القبعة من امكانات حلول او حروب او عنوان القاعة التي تدور فيها العملية السحرية وفي اي شارع تقع. فالجميع متواطئ على الاحتفال باللعبة وإبداء الانشراح امام براعة الساحر (او الحاوي بتعبير أدق). هذا تصور أول يريد ان يأخذ من السحر انطواءه على لعبة خفة ما. فما من سحر اسود هنا وما من عزائم وضرب للمندل. هذا استدراك تمليه حقيقة وجود صنوف أخرى من السحر، تؤدي فيها الكلمات دورا رئيسا في استدعاء قوى بعينها لتخرج من عوالمها الغامضة وتفعل ما لا يقدر البشر عليه في احوالهم العادية. والحال ان لبنان ميدان لكل انواع وألوان السحر وأنه لم ينجح بعد في فك السحر عن نفسه، بالمعنى الذي اشتقه ماكس فيبر، اي تقليص التأثير الخرافي على حياته السياسية والاجتماعية والثقافية. ومواطنوه ما زالوا اسرى اعتقادات مغرقة في السحر، ليس بالمعنى الغيبي المرتبط بالتأويل الخرافي للدين او للظواهر الطبيعية (من دون ان يكون هذا النوع من التفكير قد انحسر عن لبنان)، بل بمعنى بقاء مواطني هذه الانحاء اسرى اعتقاد يقيم للحدس العام اعتبارا عند التأمل او النظر في السياسة وشؤونها. يمكن العودة في هذا المجال، الى قول أحد النواب في تبرير اتهامه لسوريا بالوقوف وراء اغتيال الرئيس رفيق الحريري ان قوله مبني على حدس يشاركه فيه مئات الآلاف من اللبنانيين. الحدس، هنا، ليس سوى اسم آخر للسحر مطبقا في الحقل العام. من هنا، قد يبدي بعضنا خشية من ان يكون الحل السحري الموعود، إلقاء لسحر جديد على لبنان اي إطالة مدة خضوعه لتأثيرات السحر السابق وتأجيل فك السحر الملقى منذ عقود عليه. ان ما يروج له من صيغ للخروج من الأزمة، هو في واقع الامر علاج لعوارضها وليس شفاء من علتها. تهدئة للأرواح الشريرة وليس طردا لها وإرجاعها الى جحيمها. ومع ذلك، وأمام النقص الفادح في المعروض من الحلول، يفضل اللبنانيون المعالجة القاصرة المتوافرة على الشفاء الناجز المستحيل. لكن هل من الفطنة التمسك بقدر من الحذر من ان يعيد الحل المنشود (اذا تحقق) تكريس لبنان ارضا للسحر وللبقاء خارج العالم الواقعي والعقلاني، يسبح في خيالات سلامه وصوره المتوالدة في أذهان مريضة؟ لا مجال لتحميل جملة مجازية قيلت، أكثر مما تحتمل. والارجح ان المقصود بالحل السحري هو اضافة جرعة من الخيال على المداولات الجارية بحثا عن الشاطئ الهادئ. هذه مقاربة سليمة من ناحية المبدأ، غير انها لا تنفي البرم الذي قد يشعر به بعضنا من عيش في الارض المسحورة، بأسوأ معاني العبارة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة