صحيح أن برنامج الحركة الثقافية، انطلياس، يوم أمس، كان مناقشة كتاب وجيه كوثراني، بين فقه الإصلاح الشيعي وولاية الفقيه الدولة والمواطن ، بحضور حشد من الشخصيات الثقافية والتربوية... إلا أن الفلسفة الدينية والتاريخية سيطرت على أجواء جلسة المناقشة. اللافت في تلك الجلسة، أن حزب الله بعقيدته السياسية والدينية حل ضيفاً أساسياً في محور المناقشة، وكانت الحصة الأكبر له والأكثر جذباً لإصغاء المستمعين... مما أضفى جواً خاصاً ومميزاً على أجواء المحاضرة التي طالت لساعتين وأكثر لأهمية وامتياز الموضوع طبعاً. أنطوان ضومط في إدارته للجلسة، أشار الى التنازع الراهن لشعوب العالم الإسلامي، موضحاً أن بعضهم يتوق الى دولة مدنية تراعي المقتضيات الدينية، والبعض الآخر الى دولة شرعية دينية توجهها اجتهادات فقهية. وأضاف لعل معادلات الدولة الدينية وفق ولاية الفقيه وما يعادلها تشدداً أو اعتدالاً في المذاهب الفقهية السنية انتعشت وازدهرت في أواخر القرن الماضي لأسباب كثيرة لا مجال للخوض فيها الآن... . وخلص الى القول إن ولاية الفقيه عند البويهيين والصفويين، قد فشلت ولا تزال تجربتها في إيران بين أخذ ورد، بين معتدلين مصلحين وآخرين متشددين . فيما لخص رضوان السيد كتاب الكوثراني بثلاث نقاط اعتبرها بارزة، أولها حزب الله في لبنان وتحوله الى جزء من المأزق اللبناني والإقليمي. ومن ثم الغزو الأميركي للعراق وما خلفه من آثار دينية، كالتوتر بين الشيعة والسنة، واستراتيجية في سقوط الدولة العراقية السابقة وصعود النفوذ الإيراني في العراق وغربي الفرات وشرق العالم الإلهي. أما الأمر الثالث، فكان اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران على النووي وغير النووي... ثم أكد على واقعة أو حالة يعيشها السنة والشيعة منذ عقود، قائلاً فنحن لسنا في حقبة الإصلاحية الليبرالية، ولا في حقبة القومية الاندماجية، بل نحن في حقبة الأصولية الإسلامية، والتي تملك أطروحة رئيسة تقول إنها تريد الوصول الى السلطة لإقامة الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة . وأضاف إن عنوان هذه الرؤية لدى أصوليي السنة هو الحاكمية، بينما عنوانها لدى أصوليي أو إحيائيي الشيعة ولاية الفقيه. هذا ورأى منذر جابر في كتاب كوثراني عنصراً ديناميكياً داخل الثقافة الشيعية، يدفع بهذه الثقافة الى قبول لغة الطرف الآخر، قبول الحوار مهما كانت نتائجه. وأضاف جابر يدقق وجيه في الفصل الأول في الصيغة التي كانت والميثاق الذي كان ويدفنهما، ولكن مترحماً عليهما، وليس لاعناً لهما كما تدّعي أدبيات طائفية لا حصر لها . وختم مشيراً الى أنه وحين يقول وجيه ذلك، فإنه يفعل في الإيديولوجية الشيعية ما لا يظن هو أنه قد وصل إليه، نقل الثقافة الى مركز الحوار الذي ظل الى الآن نائماً حيناً أو صاخباً حيناً آخر، ولكنه ظل ملتوياً في كل الأحيان . ووجد وليد خوري ان صفة المتثقف الناقد إضافة تليق بفكر وجيه كوثراني، كما رأى فيه المتوسل بالنقد منهجاً في التفكير وبالديموقراطية نظاماً للتغيير، يعلن بدون مواربة، قناعته بمبدأ الفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية، ويبسط أدواته المنهجية التي اختارها بحرية من بين مدارس ومناهج علوم الإنسان والمجتمع . وأضاف خوري إن كوثراني أدرك خطورة الدمج بين السياسة والدين، وأنه رأى في مبادئ ولاية الفقيه التي يعتنقها حزب الله مثالاً حياً لصيغة الدولة الدينية المرجوة التي يطالب بها. ثم عرض لسلسلة الأسئلة التي سألها الكوثراني في كتابه. ورأى ان هذه الأسئلة تفتح الباب واسعاً أمام جملة من الإرشادات والتنبيهات بشأن المطالبة بدولة إسلامية... وأن هذا الكتاب يحمل تنبيهاً الى القيادات والأحزاب الإسلامية المعاصرة، سنية كانت أو شيعية الى خطورة التمادي في استثمار الدين في السياسة، والى ما قد يؤدي اليه الاسترسال في هذا المجال من صراعات وفتن ومآس، لن ينجو منها أحد. وقرأ في الكتاب أخيراً إشارات الى حزب الله تلفته الى حدة مشروعه العقائدي السياسي الذي يصيب بالأذى. وفي الختام، كانت كلمة شكر من كوثراني، وتوضيح منه لبعض النقاط في كتابه التي شكلت التباساً عند المناقشين.