As Safir Logo
المصدر:

<المشاء> لبول شرايدر: قديسو الصالونات

المؤلف: الخزاعي زياد التاريخ: 2007-03-08 رقم العدد:10644

لا يتوقف الشاب كارتر بيج الثالث (عنوان مرتبة جيله العائلي) عن الكلام. فهو صنعته ووسيلته في البقاء محصناً في وسط العاصمة واشنطن، الثري والنافذ. كارتر لا يهذي، بل يصوغ كلماته وجمله كأنه راءٍ إجتماعي يتحرّك بتأنٍّ، ويتفنّن في إظهار لبوسه الديني. لنقل إنه مسيح نمّام يزاوج بين القناعات بالحياة وزوالها في مقابل وجوب الاستمتاع بمتعها في أمثل تصريف ذاتي. لذا، فهو مثليّ (كضد من الالتزام بالحشمة) لا يخفي حصانته عن الملامة أو التعيّير. علاقاته الجنسية في حالة كساد، كونه يُصِرُّ على إحاطة نفسه بنسوة يخطن سنواتهن المتأخرة بكثير من المكياج والتأفّف والحرقة في سماع آخر النمائم. وهو، أيضاً، وارث لجاه يتباسط كثيراً في ذكره، كونه إبن سناتور وحاكم ولاية فيرجينيا، يدرك جيداً أنه غير كاف لتزكيته ضمن مراتب عائلات واشنطن الرفيعة المقام، بيد أن عليه تمثيل دوره باتقان مبالغ فيه، كي يحوز على متعته: بكلمة أخرى، تجاوز وضاعة شخصيته بالكامل عبر تحريك خيوط وهمية توقع بأعداء ومثلهم من العيارين بمقامه المجروح باعتباره وافداً وليس واشنطنياً قحاً. المشّاء كارتر هو بطل انْتَخَبَه الناقد السابق وكاتب السيناريو المعروف والمخرج لاحقاً بول شرايدر لجديده المَشَّاء ، ليُنظّر درامياً حول طرف اجتماعي واسع التأثير في العاصمة الأميركية لم يقاربه أحد كثيراً. هن فرق نسوية قريبات الثرى، يعانين من المواعيد وكثرتها، فيما ينشغل الأزواج ومثلهم العشاق بدسائس السياسة والصفقات وطموح المراتب والتقرّب من أصحاب المأْثَرَة في البيت الأبيض. حاجتهن الجلية في رجل ذي طلّة، مَشَّاء يصحبهن ويسامرهن في أوقات فراغهن، وهو الذي يمشي بينهن بالنّميمة المتراكبة المستويات من الزّلات الجنسية والسرقات وانتهاء بالجرائم الخفية والفضائح. شرايدر لم يخترع هذا الوسط، بل درسه منذ أن صعد نجم مَشَّاء يدعى جيري زبيكن اشتهر بمرافقة نانسي عقيلة الرئيس الأسبق رونالد ريغان وصديقتها باتسي بلومنغديل التي ذاع صيتها في أوساط مهذاري واشنطن. أول من اخترع هذا اللقب صحافي يدعى جون فيرتشايلد، رئيس تحرير مطبوعة محلية، أورده في مقالة قلبت موازين كثيرة، إذ حدّد صفات المَشَّاء بأنه مُسلّ، في خريف العمر، ومثليّ (كي يكن محصّنات من الشكوك الجنسية)، وله باع في لعب ورق الشدَّة (الأشهر بين أوساط تلك الزمرة النسائية. كان زبيكن يجالس نانسي مرّة في الأسبوع يملئ بعضاً من وقتها في لعب الكَنَسْتَة ). الصفات كلّها وفّرها صاحب ميشيما (1985) و باتي هيرست (1987) و الأسى (1997) في بطله كارتر (وودي هاريلسون، الفائز ب أوسكار أفضل ممثل عن دوره اللافت للنظر في فيلم المخضرم ميلوش فورمان المجتمع ضد لاري فلينت ، وفي دوره العنيف في فيلم أوليفر ستون قتلة بالفطرة )، مع إضافة عارين شخصيين: الأول أصوله الجنوبية التي تكشفها لكنته ثقيلة اللسان، والثاني تورّطه في ابتزاز يقع تحت نحسه، يقوده لاحقاً الى إقصائه بسهولة لم يتوقعها عن عجائزه. المَشَّاء حكاية على خلفية ثلاثة عناصر: تدبير مكائد السياسة، والتباس جريمة، وحكاية حب ناقصة تُجهض على مائدة لعبة شدّة ورق يكون كارتر طرفاً فيها، منذ المشهد الافتتاحي الذي قَدّمه في صورة استعراضية كاريكاتورية البناء: الرجل المجبر على تأنّقه الباذخ، الذرب اللسان، سريع البديهة، الذي لا يتوانى عن صدّ متسولي الشتائم بشتائم أقسى وأعقد، نظراً إلى قدرته على تلوينها بجمل أدبية يسرقها من قراءاته المدسوسة لنصوص الكتب الأثيرة. إنه صنو سينمائي للوسيم ريتشارد غير في الباكورة الروائية لشرايدر التي كرّسته مخرجاً من الصفوة الجيغولو الأميركي (1980)، الذي يستعلي على وضاعة خياره كمومس ذكوري، مهمّته بيع فتوته لنساء مستبعدات عن شروط الحب التقليدي، ومهووسات بأكزوتيكيا ذات مرارة فضائحية، عبر ارتداء سحن شخصيات تقدمه بطبقية لا يمت لها بصلة. إن سعي هذا البطل الآثم لا يتمثل في توكيد إنسانيته المستلبة بإرادته، بل الإيقاع بفرائس نسائية يستقوي بها فحولة تقوده لاحقاً إلى جريمة قتل. ومع أن كارتر ليس في وارد التماهي بوجوه مخترعة، وأن فتوته تُصرّف إلى ذكر آخر وليس الى امرأة، إلاّ أن علامته ك جيغولو هي كوميديته الخاطفة لاهتمام عصابته ثلاثية الأفراد، وفيها يركز تهكمه على طلات الآخرين وحركاتهم ونواقصهم الشخصية. ظنّ كارتر، مثل جيوغولو غير، أن كماله الخارجي غير ممسوس، ولا مآخذ يمكن أن تلصق به. الأمر الأكثر اجتماعاً في هاتين الشخصيتين، أنهما جاهزتان للتدمير على يديّ الآخر الماحق. مدينة النفاق السياسي كارتر رجل الافتعال (يردد دوماً: أنا لست شخصاً ساذجاً بل مصطنع )، يمارسه بحذاقة نادرة، ويسحر به شلّته المكونة من الجميلة ليني لوكنر (البريطانية كريستين سكوت توماس نجمة المريض الإنكليزي ) زوجة سيناتور ليبرالي تكون في مركز الحدث الدموي وفضيحته، وصويحباتها آبيغيل دولاريان (ليلي توملين)، التي تكتشف متأخرة أن زوجها الهرم يقود عمليات تصفية سياسية طمعاً بمكرّمات مالية مخضّبة بالدم، والأرستقراطية ناتالي فون ميتر (لورين بوكول) التي تصبح الشاهدة الأخيرة على موت نجومية كارتر واندحاره. يقع كارتر في فخّ غلوائه وظنّه الخاطئ بقوته، حين تخبره ليني، بعد عودتها وجلةً من بيت عشيقها، إذ وجدته مطعوناً حتى الموت. مشكلتها ليست في الحادث بالذات (فالعشّاق كثر)، لكن رعبها وارد في تبعات الجريمة على سمعة زوجها السيناتور لاري (ويليام دافو). يقرّر البطل من دون تردّد الاعتراف بأنه أول من اكتشف جثة صديقه المغدور في منزله. وهذا أمر لا يقنع المحقق العدلي اللجوج مونغو تاننت (ويليام هوب)، الذي يُضيّق الخناق عليه. تختفي ليني، ويقع كارتر في شبكة شكوك متعددة المصادر تحيله إلى مشتبه به، بل وصلت الخطورة إلى حد تصفيته على أيدي غرباء (يكتشف أنهم عملاء لسياسي نافذ يسعى الى توريط غريمه لاري عن طريق فضح زنى زوجته مع القتيل). لا أحد يسعف البطل المغرور سوى عشيقه المصور الصحافي التركي الأصل أيميك (الممثل الألماني موريتز ميلبترو الذي عرف شهرته العالمية بفضل فيلم توم تايكوير أركضي لولا أركضي )، الذي يهبّ لإنقاذه (على أمل أن تعود علاقتهما الجنسية إلى عنفوانها السابق بعيداً عن مرتزقات النميمة)، أولاً عبر علاقاته المتشعّبة مع الساسة المثليّين أمثاله، وأخيراً خلال المطاردة الليلية (وهي مشاهد شابتها ركاكة وصنعة غير مقنعة) مع العميل الغامض الذي تقود بطاقة هويته إلى صانع التهم العجوز. يفلت كارتر في نهاية المطاف من الورطة، لكنه يواجه استحقاقاتها في تكريس اسمه وسمعته ضمن قائمة أهل الخطايا المفضوحة ، التي لن تغفرها مدينة النفاق السياسي (حسب تصريح شرايدر). لنرى الفارس الفاشل في المشهد الختامي عائداً إلى مائدة العجائز المجتمعات على طاولة لعبة الورق، كأنهن غير معنيات بما حدث، ليخبرهن أن عليهن البحث عن مَشَّاء جديد، فوحيدات الطبقات المترفة النيويوركية في انتظاره. على واجهة ووترغيت خطأ كارتر لا يكمن في شهامته المتأخّرة، بل في رعونته وسذاجته اللتين لم تهجسا مؤامرات الآخرين ضده. في مسيرته نحو تدمير ذاته، حين يتعهّد في الوقوع في الفخ، يُذكّر بملامح تتقاطع مع شخصية الشاب ترايفس بيكلي (روبرت دي نيرو) بطل سائق التاكسي الذي كتبه شرايدر وأخرجه معلم السينما مارتن سكورسيزي في العام ,1975 وهو الآخر مَشَّاء من نوع فريد، ساحته (شوارع نيويورك) أكثر انفتاحاً من نظيرتها عند كارتر. إنه ابن الفاجعة الفيتنامية وخساراتها السياسية، بينما تُرسم شخصية كارتر على واجهة فضيحة ووترغيت. ترايفس ينأى بروحه عن الجماعية، ويعهد بنفسه الى وحدانية طهرانية ذات ملمح طقوسي تقرّبه كما كارتر الى صفة مسيح يرتدي لاحقاً ملابس أفراد الكومندوس المغامرين ل ينظّف المدينة الدنسة من رذائلها. وفيما يملك كارتر ثلاث شخصيات ل مريم ، يجد بطل سكورسيزي/شرايدر في الصبيّة المومس أيريس (جودي فوستر) مريمه التي تضيء في وجدانه شهامة الرصاص وتعميد كيانه ذي الرعونة بدم أَسْقَاط أهل الحضيض النيويوركي. يجد ابن الطبقة الدنيا ترايفس نفسه مزنراً بالخسارات، منتهاها صدّ الشابة باتسي (سيبيل شيبرد) لعواطفه بعد أن دفعها إلى مشاهدة فيلم إباحي كدليل على حجته بفساد المدينة وقاطنيها، فيسعى الى تبرير شخصي لتحمّل أوزار أيريس التي تراه شخصاً مخبولاً تردّد لا أعرفه، لا أعرفه . وقبل موقعته الدموية، يحلق ترايفس شعر رأسه على طريقة المحاربين الهنود الحمر، ويتدرّب على تقنية سلاحه المخفي، ويحادث نفسه أمام مرآته بالحوارية الشهيرة: هل تخاطبني؟ ، ويطارد مرشحاً للرئاسة الأميركية لاغتياله (ربطت كمؤشر في ما بعد بمحاولة اغتيال الرئيس ريغان)، فيما يجد إبن الأرستقراطية كارتر الثالث، بسهولة لا يحسد عليها، موقعاً جديداً لمغامراته في المشي مع سيدات من طينة صويحباته الواشنطنيات. فهو موعود بأرض ثرية بمحظيات النميمة. يذهب ترايفس الى الجريمة كمكمّل لنظيرتها التي حقّقها جيغولو في العام .1979 الأول من أجل مومس، والثاني لأنه مومس. وعلى كليهما أن يدفعا أثمان ورطاتهما التي يلحقهما بها كارتر (كمومس فاضلة!) في تلبّس جريمة لم ترتكبها يداه. (لندن)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة