13) مقاومة الاحتكار وتحرير الاقتصاد وإذا أسقطنا الاقتراحات المتعلقة بالزيادة على الرسوم والضرائب فإن مجمل البنود التي تطرحها الورقة تبدو واقعية ومطلوبة، وإذا كان بعضها يحتاج ربما الى تعديل فهناك ملاحظات ينبغي النظر فيها بجدية وخصوصا في ما يتعلق بالتنفيذ وكيفية العمل لضمان العدالة في توزيع الأعباء وتفادي الكثير من الثغرات والتخلي عن العبارات المطاطة التي تسمح أحيانا بهدر المال العام (كما حدث في قانون دمج المصارف السيئ الذكر)، أو كما يحدث لدى توزيع أموال الصندوق البلدي المستقل. إن الحماسة للنظام الاقتصادي الحر والدعوة للانفتاح وفتح الأسواق يجب ان يقترنا بتوجهات صادقة وملموسة من جانب الحكومة لإنهاء الوكالات الحصرية والامتيازات والتراخيص الخاصة التي تجعل من الاقتصاد اللبناني والقطاع الاعلامي مكبلين في شبكة احتكارات لا علاقة لها بالاقتصاد الحر وشروط العولمة التي تزخر بها كتابات خبراء وعلماء يتنافسون في ما بينهم لتضليل المواطنين وإرضاء أصحاب الجاه والمال والسلطان. ان تحرير الاقتصاد لا يكون بمنح تراخيص وامتيازات جديدة، تحت الضغط السياسي، الى محظوظين تتراكم أموالهم بصورة أسطورية فيما أكثرية الشعب تتضور جوعا. إن تحرير الاقتصاد يكون بمحاربة الفساد والعمل الدؤوب على تأمين منافسة شريفة في مختلف القطاعات والاسواق ومراعاة أوضاع الطبقة الوسطى ورعاية الطبقات الفقيرة وإنعاش القطاعات التي تستوعب الراغبين في العمل والانتاج. وهنا ينبغي العمل على إعادة النظر في الامتيازات والعقود والايجارات المتعلقة بالاملاك العمومية واسترداد حقوق الدولة التي استباحها منذ سنين أصحاب السلطان والنفوذ. وهذا يستتبع مبادرة مجلس الوزراء الى تكليف ديوان المحاسبة وهيئة التفتيش المركزي النظر بهذا الملف وإعداد تقرير علني بشأنه خلال سنة، على أن يطلب من كل الادارات والمؤسسات والبلديات التعاون وتقديم المعلومات تحت طائلة المسؤولية. ان كل خطوة تقوم بها الحكومة في هذا الاتجاه تساعد مباشرة في تحريك الاقتصاد وزيادة، حجمه فهل يكون لديها الشجاعة لترجمة كلماتهإ أفعالا على أرض الواقع فيستقر ميزان العدالة وينهض الاقتصاد ام ان العقبات والتدخلات ستكون أكبر من الحكومة وأهم من مصلحة البلاد؟! 14) الصناعة ان الحكومة معنية بإعادة النظر في رؤيتها الاقتصادية العامة وإعطاء الصناعة وبخاصة الصناعات النوعية الحديثة الاهمية التي تستحق. ومن واجبها في هذا المجال الاسترشاد بمذكرة الصناعيين اللبنانيين والخطة التي وضعها وزير الصناعة الراحل الشيخ بيار الجميل. على هذا الصعيد يجب النظر الى هذا القطاع من خلال مقاربة وطنية واسعة وليس من خلال نظرة اقتصادية ليبرالية بحتة. ان ازدهار هذا القطاع يساهم في زيادة الصادرات، تخفيض الاستيراد، تحسين ميزان المدفوعات، توفير فرص عمل، وتأمين الثبات للاقتصاد الوطني وبخاصة في وقت الازمات. وفي هذا المجال ينبغي التركيز على توفير الحوافز الجدية لهذا القطاع وحمايته من مخاطر الاغراق والمنافسة غير المشروعة، فضلا عن دعمه بفوائد منخفضة (حسب مقررات مؤتمر باريس وتوجهات البنك الدولي) فإذا لم تجتهد الحكومة لخفض كلفة الأعمال وتأمين البيئة المناسبة لهذا القطاع فلن تتمكن من تنفيذ مقررات باريس III ولن تتمكن من تحقيق النمو المنشود وإيجاد فرص عمل جديدة يؤمنها قطاع صناعي ناشط. ومن المفيد في هذا المجال التذكير بأن هناك أبوابا كثيرة لدعم الصناعة يمكن طرقها دون تجاوز الاتفاقيات الاقليمية والدولية. ولا يضيرنا اذا تشبهنا بالدول المانحة التي تفرض على الجبهات المستفيدة استيراد السلع والخدمات التقنية المتعلقة بالقروض من عندها. لذلك ينبغي التشدد في إلزام المتعهدين والمقاولين إعطاء الصناعة الوطنية أفضلية بنسبة 15? شرط أن تكون السلع اللبنانية خاضعة لمعايير الجودة الدولية. كما من المفيد تشجيع الصناعيين خوض تجربة توليد الطاقة على حسابهم ونقلها بواسطة كهرباء لبنان بحيث تكون هذه التجربة اختبارا عمليا لمنافع الخصخصة من جهة والمشاركة من جهة اخرى. 15) الزراعة وبالمقاييس نفسها فإن القطاع الزراعي الذي تهمله الورقة يحتاج الى عناية مضاعفة في المرحلة المقبلة من خلال سياسة زراعية جديدة وشاملة تأخذ بعين الاعتبار تطوير الأرياف وتحفيز المزارعين على العمل والعيش في قراهم وبلداتهم، ويكون ذلك من خلال المشاريع الانمائية، وإقامة السدود وتوفير مياه الري، إنشاء شبكات الصرف الصحي، تنظيف الأنهر (تنظيف مجرى نهر الليطاني بعدما تحول الى نهر تصب في مجراه المياه المبتذلة وترمى على جوانبه النفايات الصناعية وكتل القمامة. وقد حان الوقت لاستخدام جزء من القروض الميسرة لتنفيذ شبكات الصرف الصحي المتكاملة في البقاع الذي تضررت زراعاته وصناعاته الغذائية البلدية جراء إهمال البيئة وتفشي الفوضى)، حماية الينابيع والمياه الجوفية، إطلاق حملة واسعة لتحريج الجبال والتركيز على السفوح المطلة على سهل البقاع حيث تزداد نسبة التصحر يوماً بعد يوم جراء تقطيع الأشجار واستنزاف المياه الجوفية، إنشاء بنك للتسليف الزراعي، تشجيع الزراعات البديلة، تأمين الدعم بشكل عادل ومدروس لعدد من الزراعات ذات البعد الوطني كما هو سائد في بلدان الاقتصاد الليبرالي، الاستمرار في برنامج تشجيع الصادرات الزراعية، دعم التعاونيات الزراعية وزيادة الحوافز لتكبير الوحدات الزراعية، مراقبة النوعية والتوضيب، رفع مستوى أداء وزارة الزراعة والمؤسسات العامة ذات الصلة، تشجيع المعارض الزراعية، منح الحوافز الفردية والقطاعية لأفضل إنتاج، تشجيع قيام رابطات منتجي مواد معينة وإخضاعها لمعايير الجودة بما يحفز اللبنانيين على شرائها وخصوصا الزيت، الزيتون، العسل، الدبس، الصابون والكحول. وهنا يجدر القول انه إذا عرضت هذه السلع أمام المستهلك اللبناني بصورة سليمة ومضمونة من ناحية الوزن والجودة فإن اللبنانيين سيتهافتون عليها كما لم يحدث من قبل. وهنا نذكر ان نجاح صناعة المياه المعبأة في غزو البلدان العربية ارتبط بتطابق النوعية مع المواصفات المثبتة على العبوة. وهذه مسألة مهمة للمستهلك في لبنان وسواه الذي بات خوفا من الغش، يلجأ الى الماركات الدولية. كما من الأهمية بمكان تشجيع قطاع الصيد البحري ومنع الصيد بالمتفجرات أو بالشبكات ذات الثقوب الضيقة (الجاروفة). 16) قطاع الاتصالات: خفض الأسعار اشتهر قطاع الاتصالات بما فيها الانترنت والخلوي بأنه القطاع الذي يقدم أسوأ الخدمات ويتقاضى أعلى الاسعار. ان إعادة النظر في هيكلية الاسعار المفروضة على الناس من شأنها توسيع قاعدة المشتركين وتأمين عوائد أفضل، لذلك ينبغي تخفيض الرسوم الباهظة واللامعقولة على الاتصال بواسطة الخلوي والانترنت وتحسين تقنيات الاتصال المختلفة التي تجلد المستخدمين وتعرقل أعمالهم. وهنا ينبغي: ? فتح باب المنافسة على مصراعيه في قطاع الاتصالات وكسر الاحتكار الذي يمد خيوطه في هذا القطاع من خلال النفوذ السياسي. ? الاستفادة من موقع لبنان وقدراته التقنية والمعرفية لإنشاء مركز معلومات (call center) يؤمن خدمات إقليمية ودولية. ? الاسراع في إنشاء قرية المعلومات والاتصالات سواء في الدامور أو في أي منطقة اخرى قريبة من العاصمة أو في ميدان سباق الخيل بعد التعويض على الجمعية المستثمرة وكل المعنيين وتأمين مساحة أرض بلدية في الضواحي. ان إنشاء هذه القرية التي سعى لها دائما الرئيس الشهيد رفيق الحريري سيبقى هو البرهان على حيوية والتزام أي حكومة. 17) سعر صرف الليرة اللبنانية بما ان السلطات النقدية قد أثبتت قدرتها على تجميد سعر صرف الليرة بالنسبة للدولار منذ تشرين الثاني 1992 من خلال احتياطي البنك المركزي وسواه من الوسائل، فقد حان الوقت لقليل من المرونة وشيء من الربط بين حركة الاقتصاد والقيمة الشرائية لليرة اللبنانية. ان الافساح في المجال امام سعر الصرف للتحرك ضمن هامش محدود ومدروس سيساعد ولا شك في استعادة الاقتصاد الوطني لحركيته وحيويته بعيدا عن الجمود الحالي. فهذا الهامش المحدود من شأنه الحد من الاستيراد وتحريك التصدير. وهنا من المفيد التفكير جديا بتثبيت العملة اللبنانية من خلال ربطها بسلة عملات لا بالدولار وحده على ان يراعى في تكوين هذه السلة حجم التبادل التجاري مع الدول المعنية (اليورو، الين، الجنيه، الريال، الدينار، الذهب). 18) مساهمة المصارف تحت ضغط الرأي العام والحكومة قامت المصارف اللبنانية بعد باريس II بمبادرة مهمة حيث اكتتبت سندات خزينة بقيمة 3.6 مليارات دولار دون أن تستوفي عليها فائدة لمدة سنتين. وقد ساهمت تلك المبادرة مع الأموال التي وفرها باريس II في تخفيض سعر الفائدة وتخفيف الضغط على الاقتصاد اللبناني. غير ان تلك التضحية التي صدحت الأقلام ثناء عليها، تبين لاحقا ان المواطن اللبناني هو الذي تحمل القسم الأكبر من أعبائها وليس المصارف التي خفضت الفوائد على الودائع وثبتتها على مجمل التسليفات. واذا كان هذا الأمر أصبح جزءا من الماضي وتقاليده فالمطلوب من المصارف اللبنانية التي تقوم بدور ايجابي في تمويل العجز وتلعب دورا مميزا على غير صعيد... أن تشارك في تحمل أعباء المرحلة الحالية، واذا كانت الورقة الاصلاحية قد تركت الأمر للمصارف كي تأخذ المبادرة المناسبة فإن الجمهور ينتظر من المصارف اكتتابا جديدا في سندات الخزينة بقيمة 4 مليارات دولار وبفائدة اثنين الى ثلاثة بالمئة، بما يشكل مساهمة نوعية وملموسة تخفف الضغط على المالية العامة وتضغط لخفض سعر الفائدة. وكل ذلك لا يعفي السلطات المختصة من مهمة تخفيض الاحتياطي الالزامي وزيادة إمكانات التسليف للقطاع الخاص، والعمل على تنقية النظام الصرفي من العيوب والشوائب التي تعتريه، وخصوصا في ما يعود الى ملف بنك المدينة والى استهتار مجالس إدارة بعض المصارف التي استولت على الودائع وأرغمت المصرف المركزي من خلال الضغط والابتزاز على التدخل ودفع التعويضات لها من المال العام تحت عنوان الدمج المصرفي. وهنا ينبغي تشكيل لجنة من القضاة النزيهين لإعادة النظر في مندرجات قانون دمج المصارف والاموال التي صرفت بموجبه والتأكد فيما إذا صرفت بصورة مجدية ام لا. وينتظر الرأي العام من البنك المركزي تقريراً مفصلا وشفافا في هذا الصدد، خصوصا أن الاموال التي تم إنفاقها في هذا السبيل تتجاوز المليار دولار حسب تقدير الخبراء. 19) الكهرباء والطاقة ان مقترحات الورقة في هذا المجال لا غبار عليها وتحتاج الى التنفيذ، وخصوصا لجهة تحسين الجباية وضبط الهدر والتحول للغاز والتهيئة لخصخصة قطاعات الانتاج والتوزيع والجباية على ان تحتفظ الدولة بقطاع النقل. أما بالنسبة لمصافي النفط المهملة فالمصلحة تقضي بتشغيل واحدة وخصخصة اخرى، وإطلاق حركة تنافس بين الاثنتين بحيث يستفيد الاقتصاد الوطني ويكشتف الجمهور من هو الافضل لخدمة هذا الاقتصاد. كما انه من الحيوي في ظل تصاعد سعر النفط دعوة الدول العربية المنتجة للنفط لتزويد لبنان بالنفط الخام وبأسعار تشجيعية بعد إصلاح خطوط الأنابيب التي تربط لبنان بالسعودية والعراق واستخدام حرم هذه الخطوط لتمديدات أنابيب غاز حيث تدعو الحاجة. إن المصلحة تفرض على مؤسسة كهرباء لبنان التي ارتفعت خسارتها الى مستوى مليار دولار التشدد في جباية الاموال المستحقة وإعلام الرأي العام بأسماء المتخلفين. ولكن تبقى بعض الاسئلة مطروحة. ماذا عن الاسماء الكبيرة التي لا تدفع مستحقاتها لا في منازلها ولا في مؤسساتها ومنتجعاتها؟ هل تجرؤ مؤسسة كهرباء لبنان على كشفهم؟ ماذا عن شركات التوزيع الموجودة والتي تشتري الطاقة من كهرباء لبنان بأقل من سعر كلفتها؟ هل سيحصل المواطن والصناعي على حاجته بصورة منتظمة وبأسعار عادلة؟ ما هي الشروط التي ستعتمد لخصخصة القطاع وهل سننتقل من احتكار الدولة المتخلف الى احتكار خاص ظالم؟ ام ان الشروط ستنطوي على رفض الاحتكار وفتح المجال أمام مساهمة الافراد والمؤسسات والنقابات. فإذا جرى الالتزام بهذه الشروط فإن الرأي العام سيؤيد ولا شك أي عملية لخصخصة الكهرباء تحفظ حقوق الدولة وملكيتها لمعامل الانتاج وخطوط النقل وتنقذ الخزينة من خسارة مليار دولار سنويا وتؤدي الى تحسين الانتاج وتقديم سلعة أفضل للمواطن مع أسعار معتدلة ومدروسة. أما اذا كانت العملية ستشبه خصخصة الخلوي التي أدت الى الاحتكار الثنائي ونهب جيوب اللبنانيين دون شفقة أو رحمة، فإن اللبناني سيقف بالمرصاد في وجه هذه التوجهات الاحتكارية التي أثبتت حتى الآن أنها الاساس وان الباقي مجرد كلمات ووعود تتكرر في الازمات. 20) الأملاك البحرية هذا الملف من فرط إهماله المتعمد تحول الى فضيحة مستوطنة في جسم الدولة الذي يتقاسم خبراته النافذون في الموالاة كما المعارضة. وعلى الحكومة اذا كانت صادقة في توجهاتها وجادة في تنفيذ التزاماتها الكف عن الخداع والمراوغة في ما يتعلق بالتعديات على الاملاك البحرية ومواجهة كل المستبدين الذين يعتبرون أنفسهم فوق القانون. لقد أحبط هؤلاء المستبدون، وطيلة المرحلة السابقة، كل المحاولات الرامية لإصدار قانون ينظم هذا القطاع ويعيد الى الخزينة حقوقها المغتصبة. لقد وعدت الورقة الاصلاحية بتحقيق ذلك، فهل سيسمح لها من هم في الحكومة ومن هم وراء الحكومة بذلك؟! وفي هذا المجال اذ نشدد على ضرورة إلزام كبار القوم دفع المستحقات عليهم فإن القانون الجديد يجب أن يشجع الاستثمار ويأخذ بعين الاعتبار الظروف التي عاشتها المؤسسات السياحية في الفترة السابقة. 21) شبكة المواصلات ان طرق لبنان والدولية منها بصورة خاصة تفتقر الى الحد الادنى من مقومات السلامة فضلا عن عطشها الدائم الى الصيانة. ان حالة الطرق المزرية والمليئة بالحفر مكلفة للمواطنين ومعرقلة للتنقل ومرهقة للاقتصاد. وهذه الحالة تستدعي من الحكومة العتيدة تركيز جهودها لتحسين وتوسيع شبكة الطرق المتقادمة والالتزام بالمعايير الدولية، وخصوصا لجهة إضاءة الجسور وتخطيط الطرقات وتعميم الاشارات الفوسفورية والضوئية، ودعم أجهزة السيطرة والمراقبة وتحسين أوضاع شرطة السير وتشجيع البلديات على المشاركة. (مشروع النقل الحضري الذي تستفيد منه بيروت والضواحي تأخر إطلاقه أكثر من خمس سنوات). 22) الاصلاح السياسي ان الاصلاح المنشود على مختلف المستويات يبدأ بتعزيز الحياة الديموقراطية وإحياء المؤسسات الدستورية وليس بالاستئثار وتعطيل هذه المؤسسات كما جرى بالنسبة للمجلس الدستوري. الديموقراطية هي الضمان لوحدة الوطن وهي الاطار الذي تتحرك من خلاله آليات الحوار والانتخاب والحكم، وبدونها تتعثر فرص الاصلاح. والانظمة الديموقراطية هي التي تربط بين ممارسة السلطة والقبول بالرقابة القانونية، وهي التي تسمح من خلال الحوار والمراجعة كما من خلال النقد والمساءلة باكتشاف الاخطاء والثغرات في القرارات والاجراءات ومن ثم تصحيحها. وبهذا المعنى فالديموقراطية هي الطريق الاقصر لمحاربة الفساد وبث الحيوية في المجتمع وتطوير اقتصاده. لذلك نقول انه اذا كانت الحكومة جدية في توجهها الاصلاحي وتكبير حجم الاقتصاد فيجب أن تبادر الى تصحيح الاوضاع والعلاقات السياسية المتدهورة وتسعى هي قبل غيرها الى إصلاح وضعها باعتبارها السلطة التنفيذية العليا في البلاد. وكل ذلك يفرض عليها: ? احترام العمل المؤسسي وقوانينه ورفع القيود والممارسات الكيدية التي تحول دون نهوض المجلس الدستوري وقيامه بواجباته. ? تحريك الادارة والمؤسسات العامة واحترام قراراتها ومتابعة أعمالها. ? إحياء المؤسسات المهمشة وفي مقدمها المجلس الاقتصادي الاجتماعي الذي طال اضطهاده. ? تعزيز المساواة بين الجنسين وفتح المزيد من أبواب العمل أمام النساء. 23) الاصلاح الاداري مقابل الاوضاع المتردية التي تعيشها الادارة اللبنانية والتي تؤدي الى قهر المواطنين وعرقلة النمو الاقتصادي ينبغي التركيز على تحرير الادارة من المداخلات السياسية والطائفية، ومحاربة الفساد، وإرساء قواعد الشفافية والمساءلة والعمل على: ? تحديث البنية التشريعية، والاسراع في استصدار قوانين جديدة للموازنة وإدارة المناقصات والمحاسبة العمومية. ? تنشيط النيابة العامة المالية وتفعيل هيئات الرقابة وتعزيز استقلاليتها ومناقشة تقاريرها السنوية في جلسات علنية في مجلس النواب. ? المضي في تنفيذ مشروع الحكومة الالكترونية والالتزام أمام الرأي العام بمواقيت محددة لتنفيذ المشاريع ذات الصلة. ? اعتماد اللامركزية الادارية، وفصل وزارة البلديات عن وزارة الداخلية. ? اعتماد اللاحصرية وتفويض الصلاحيات. ? التشدد في تطبيق قانون الملكية الفكرية وحماية حقوق المؤلفين من علماء وكتّاب ومبدعين ومخترعين ومراعاة القطاع التعليمي ضمن الضوابط التي لحظها القانون. ? استحداث الشباك الواحد، وإنقاذ المواطنين ورجال الاعمال من براثن البيروقراطية الجامدة والزبائنية المتوحشة وضغوط السياسيين الذين يقتطعون الحصص من كل مشروع عام أو خاص. ? العمل على تصفية المجالس والصناديق التي انتهت من أعمالها. ? العمل على إلغاء الرواتب الوهمية ولجان التصفية التي انتهت مدتها والصناديق ومجالس الادارة التي استنفدت مهامها. ? العمل على زيادة إنتاجية موظفي الدولة من خلال التدريب المستمر وتحسين بيئة العمل والاجور وتوفير الخدمات والضمانات بصورة عادلة ومنتظمة. ?زيادة دوام العمل الاسبوعي من 32 ساعة الى 36 ساعة واعتماد عطلة أسبوعية طويلة وهما خطوتان مفيدتان للانتاج كما للمجتمع الذي يتراكض أفراده لإنجاز المعاملات في ساعات قليلة قبل الظهر، وخصوصا في المؤسسات العامة التي تفتح صناديقها بين العاشرة والواحدة ظهراً. على ان هاتين الخطوتين بحاجة الى مراعاة وضع النساء المسؤوليات عن عائلات، كما الى رفع مستوى الاجور والرواتب بنسب مدروسة لا تدفع نسبة التضخم الى أعلى. ? تحصيل حقوق الدولة المتراكمة من أصحاب الكسارات والمقالع وإلزامهم بكل الوسائل القانونية تنفيذ كل الشروط المنصوص عليها قانونا وإعادة تأهيل البيئة التي جعلوها صورة مشوهة عن لبنان. (هل تجرؤ الحكومة في التصدي للمخالفات ام انها ستلجأ الى المهل الادارية لمكافأة أصحاب كسارات جلهم في صدارة الحكم أو مراكز النفوذ). ? تحديث البنية التنظيمية للضمان الاجتماعي وتنفيذ المكننة الشاملة في كل مؤسساته ودفع مستحقاته وإخضاعه لرقابة مؤسسة دولية مجازة تصدق على حساباته. 24) الأمن والاستقرار ان تحقيق الأمن يحتاج الى عديد وأركان وتدريب وتجهيز وتقنيات وإرادة وسهر، لكنه يحتاج قبل ذلك ايضا الى وفاق سياسي أو على الاقل الى اتفاق ينظم الخلاف ويحصره في الاطر الدستورية على اعتبار ان السياسيين هم الذين يصنعون الأمن وان العسكريين هم الذين يحافظون عليه. هذا الوفاق المفترض هو الذي يفضي الى الاستقرار. والاستقرار لا بديل منه لتحفيز الاستثمار وزيادة حجم الاقتصاد هو البديل الاساس المتوافر أمامنا. 25) الخاتمة: أوحت الحكومة ان الورقة الاصلاحية هي الورقة الوحيدة المؤهلة لحل مشكلة المديونية العامة وتحفيز النمو وتوفير فرص عمل ورفع مستوى التقديمات الاجتماعية. والواقع ان الورقة تطرح حلولا كلاسيكية ومعتمدة في الازمات المماثلة للازمات التي تعصف بالاقتصاد اللبناني وقسم كبير من هذه الحلول المطروحة لا خلاف عليه. والمشكلة الاساسية في الورقة هي في التوجهات والآليات والاستعدادات التنفيذية. ولما كان البرنامج الاصلاحي (حتى بعد إقراره في مجلس الوزراء) ما زال منفتحا على الافكار والاضافات والتحسينات كما قال الرئيس فؤاد السنيورة، فينبغي إعادة النظر في الورقة الاصلاحية ومراجعة بنودها من خلال المزيد من البحث والحوار توصلا الى ورقة تمثل توجهات اللبنانيين كلهم وليس توجهات فريق واحد يطرح نفسه بديلا عن الجميع. ولما كان الخلاف السياسي هو أساس في عرقلة النمو الاقتصادي فإن التحدي الاكبر الذي يواجه لبنان هو كيفية الوصول الى حكومة تعتبر نفسها مسؤولة عن كل اللبنانيين وتتصرف على هذا الاساس مستلهمة في كل أعمالها ومواقفها الروح الميثاقية الدستورية التي تقضي بترسيخ المشاركة وتأكيد الوفاق. ان الاصلاحات المطروحة على الورقة تبقى مجرد كلمات في غياب حكومة وفاقية تمتلك الرؤية والقرار. لقد لعب الرئيس الفرنسي جاك شيراك دوراً بارزاً في الاعداد لمؤتمر باريس III. كما بذل جهوداً شخصية لتأمين مساهمات مالية ملموسة من جميع الحاضرين. هذه الجهود الاستثنائية التي تستأهل الشكر والتقدير، تعطي ثمارها المأمولة فقط عندما تنجح في تحويل الدعم المالي الى نمو اقتصادي ملموس ينقل لبنان من مناخ الاحباط والركود الى مناخ الامل والانتاج. والرئيس شيراك قبل غيره يدرك أن الوصول الى المبتغى يتطلب جهوداً تستكمل ما سبقها، تنأى عن التفرقة والتحريض، وتركز على الحوار والتوافق. هذا على الصعيد الداخلي. أما على الصعيد الخارجي فالرئيس شيراك هو في مقدمة من يعرفون أن نجاح لبنان في مواجهة الاستحقاقات الماثلة يكمن اولا في إلزام اسرائيل تطبيق القرارات الدولية والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وإطلاق الاسرى والمخطوفين وتسليم خرائط الالغام والقنابل العنقودية. ان المساعدة الحقيقية تكون في منع اسرائيل من مواصلة عدوانها على لبنان وتكبيده خسائر ضخمة لا يمكن لأي مساعدات أن تعوض عنها.